وأنت تعيش في واقع تُفتقد فيه خصوصية الناس بشكل مروّع، واقع يدلي فيه المرء للناس بكل شيء عن نفسه وعن تفاصيل حياته اليومية، عن أهوائه ومعتقداته، ماذا يأكل وماذا يشرب، متى ينام ومتى يستيقظ، حتى في علاقة الرجل وزوجته ورغم أنها علاقة ذات سريرة مقدّسة وجب فيها الاحتفاظ لكل منهما بخصوصية فردية ووجب الاحترام المتبادل بين كلا الطرفين، تُضرب لك كل يوم أمثال دنيئة في محيطك الشعبي، في الصحف وفي البرامج التلفزيونية عن إفشاء أسرار وحرمات الحياة الزوجية، كيف لا وأنت في زمن تفتقد فيه خصوصية الفرد حتى في أبسط الأمور التي وجب كتمانها.



حتى مفهوم الشراكة الزوجية اليوم يُفقهُ بطريقة مادية ومعنوية كارثية كأن تريد الزوجة مشاركة زوجها في كل شيء، في تاريخه ووقته وراتبه وحتى في رقم حسابه البنكي، قد لا يشكل هذا الأمر عائقًا لدى الكثير ولكن تداعياته العامة في المجتمع لها أثر سلبي كبير، فالفرد تبقى له خصوصيته حتى وإن شارك عمره مع أحب الناس إليه.



الشهيد محمد الزواري، لن أتحدث عن بطولته التي بلغت أصقاع المغرب والمشرق ولن أمر على ما قام به من تعديل للبوصلة تجاه القدس، ولكن سأتحدث عن جانب في شخصيته يفتقده الناس كثيرًا في زمننا هذا وسأسرد واقعة من سيرته الشخصية ربما لا يعرفها إلا المقربون منه، كزوجته التي آمنت به وصبرت معه ورافقته دربًا ساده الكتمان وجهلت من خصوصياته الكثير.



تحدثنا أعلاه عن الشراكة الزوجية التي فقدت معنى الخصوصية في حياة الفرد، فكيف بك إذا حدثتك عن زوجة تعيش مع زوجها وهي لا تعرف اسمه الحقيقي، لا تعرف نسبه، ولا تعرف حتى وطنه، بدأت القصة في سنة 1991 عندما كثرت الملاحقات الأمنية في تونس واشتدت القبضة الأمنية لبوليس بن علي خاصة في صفوف الإسلاميين، حينها قرر المواطن محمد الزواري والناشط في الاتحاد العام التونسي للطلبة الخروج من البلاد، حصل بطريقة غير قانونية على جواز سفر مزيف يحمل اسم رجل يدعى "مراد".



جواز كان به صورة لرجل فيه تقاسيم شبيهة لوجه محمد على مستوى النصف الأعلى من الرأس ولكن الفارق الواضح والجلي بينهما هو أن مراد له خدّان سمينان مقارنة بمحمد، دخل محمد المطار، اقتنى حاوية مناديل ورقية وأخذ يرص المناديل داخل جنبي فمه نافخًا خديه، مر محمد من قوات الأمن الذين وضع الله على أعينهم غشاوة وجعل بينهم وبينه حجابًا مستورًا، ليحلق إلى السودان.



استقر سنوات في السودان ثم حصل فيها على الجنسية وعلى جواز سفر سوداني يحمل اسم "مراد" وكان يسافر في مهمات إلى سوريا وغيرها، ولعل من الطرائف التي كانت تحصل له دائمًا، هي أنه كل ما سافر سأله الناس كيف لأبيض مثلك أن يكون سودانيًا، فيجيبهم بحركة من لسانه يصدر بها صوتًا لا يتقنه إلا السودانيون، في سوريا، تزوج محمد، أو فلنقل تزوج "مراد"، ثم عاد بزوجته إلى السودان وبقيا هناك لسنوات حتى قدّر الله أن يُصاب الشهيد بمرض المالاريا ويبلغ حالة صحية حرجة، حينها ظن أنه الفراق، فقرر إفشاء ما أخفاه عن شريكته طيلة تلك السنوات "يا ابنة العم، أنا لست سودانيًا، واسمي ليس مرادًا، أنا اسمي محمد الزواري تونسي من مدينة صفاقس".



لو انتهت القصة هنا، لاغتاظ البعض من غموض هذا الرجل ولتساءل الناس ما الذي يدعوه لكتم خصوصياته عن زوجته أقرب الناس إليه، زوجته التي تخرج اليوم في الإعلام التونسي تتحدث عن زوجها باسم مراد حاملة له في صدرها الوفاء والإخلاص، ولكن القصة لم تنه هنا، بل انتهت بعاقبة يتمناها كل من سمع عن الجنة، عاقبة كشفت للناس ما قيمة الاحتفاظ بالسريرة وما معنى الصبر عن كشف خصائص الذات، وبيّنت قاعدة جلية في نواميس الإيمان مفادها أن الذي يحمل سريرة صادقة لا يمكن أن يطمسها له الدهر أبدًا، بل يكشفها الله للناس في اللحظة الأجلّ ويُتوج بها صاحبها في صدور المعتبرين بها ليبقى حيًا عند الله وخالدًا في الأرض نافعًا بها قلوب الناس ومرشدًا إياهم إلى الصراط المستقيم، وكذلك اهتز عرش الرحمن لسريرة سعد بن معاذ.