تعتبر دبلوماسية الصمت من أكثر الأدوات تفعيلاً في السياسة الخارجية الجزائرية، إذ لا تعلن الجزائر كثيرًا تفاصيل مواقفها اتجاه الأزمات الإقليمية ولكن تفعل من الناحية العملية الكثير في سياق التعاطي مع تلك الأزمات، وفي الوقت الراهن تطرح الأزمة الليبية باعتبارها أكثر الأزمات اهتمامًا بالنسبة للسياسة الخارجية الجزائرية، فعلى الرغم من اهتمام الجزائر الرسمي داخل المنظمات الإقليمية والدولية بالعديد من الأزمات فإنها تولي اهتمامًا خاصًا بالأزمة الليبية وهذا يبرر في سياق طبيعي بحكم التجاور الجغرافي، فتطورات الأزمة الليبية لها انعكاسات أمنية وسياسية على الجزائر، ولذلك من الطبيعي أن تكون للجزائر أجندة مصالح اتجاه تطورات تلك الأزمة والعمل على تحقيقها.

بين النزاع السوري والنزاع الليبي

على الرغم من وجود بعض التشابهات بين النزاعين الليبي والسوري، لا من حيث انفتاح النزاعين على تدخل الأطراف الإقليمية ولا من حيث تأثير النزاع على فشل الدولة وهو ما يوفر المناخ المناسب لتطور النشاط الإرهابي، ومع ذلك يبدو النزاع الليبي أقل تعقيدًا من النزاع السوري نظرًا لارتباطه بموضوع محدد للصراع وهو الصراع على السلطة، على عكس النزاع السوري الذي يرتبط بموضوعات متداخلة منها صراعات الموارد، والصراع على السلطة، والصراعات القيمية من خلال التناحر المذهبي، وحتى وإن كان النزاع الليبي يتضمن أيضًا جانبًا قيميًا من خلال الصراع بين نزعتي الأسلمة والعلمنة والتي تدافع عنها أطراف مختلفة ومع ذلك يبقى هذا النزاع أقل تعقيدًا من النزاع السوري، وهذا يوفر لكل الأطراف المعنية به أساسًا قويًا لبناء أجندة مصالح والدفاع عنها بعيدًا عن الارتباط بتعقيدات النزاع والتخبط العشوائي.

الجزائر وما بعد اتفاق الصخيرات

في مرحلة ما قدر لاتفاق الصخيرات أن يسوق على أنه حل توافقي للنزاع الليبي لكن مع مرور الوقت اتضحت كل الاختلالات التي تضمنها هذا الاتفاق، فمن جهة أولى بدا أن هذا الاتفاق هو اتفاق متسرع ارتبط بحرص الأطراف الليبية على توجيه الاهتمام إلى محاربة تنظيم الدولة الإسلامية الذي استغل ظروف الأزمة السياسية ومارس استراتيجية التمدد في الأراضي الليبية، وبعد حسم معركة سرت التي انتهت بدحر ذلك التنظيم عادت الخلافات السياسية للظهور وخصوصًا ما تعلق بوضع الجنرال حفتر والذي نص اتفاق الصخيرات بشكل ضمني في مادته الثامنة على ضرورة تنحيه عن المناصب التي يحتلها، وهو الذي يتهم بأنه يقود ثورة مضادة ضد ثورة 17 من فبراير والتي انتهت بإسقاط نظام معمر القذافي.

إن الجزائر لا يمكن أن تقبل أيضًا باستئثار الحركات الإسلامية بالسلطة لأن ذلك يدفع إلى تقارب كبير في العلاقات الليبية المغربية أين يقود حزب العدالة والتنمية الإسلامية الحكومة المغربية

يضاف إلى ذلك عدم امتلاك المجلس الرئاسي الذي اعتمد عليه كإطار مؤسساتي توافقي لحل إشكالية الشرعية للقوة الأمنية الكافية التي تسمح بمواجهة الميليشيات المسلحة المنتشرة في المدن الرئيسية وخاصة العاصمة طرابلس، وهو ما وفر مبررًا للجنرال خليفة حفتر للإصرار على الحسم العسكري اتجاه تلك الميليشيات، يضاف إلى ذلك أن اتفاق الصخيرات لم يحل إشكالية الشرعية بقدر ما غير من طبيعتها، إذ بدلاً من أن تكون تلك الإشكالية بين اتجاهين داخليين يدعي كل منهما شرعيته، أصبحت تلك الإشكالية ذات مصدر خارجي بحيث ترتبط كل الحساسيات الليبية بأطراف خارجية تدعم شرعيتها.

ورغم اقتناع الجزائر بكل هذه الاختلالات فقد دعمت الاتفاق لسبيين: الأول هو السماح للمكونات الليبية المختلفة بالاهتمام بمحاربة التنظيمات الإرهابية والتي تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الجزائري، والسبب الثاني أن هذا الاتفاق يضمن التوافق على إطار مؤسساتي يسمح بتقليص حدة التدخل الخارجي في الأزمة الليبية والذي يعتبر أحد المصادر الأساسية لتعقيد تلك الأزمة، وتسعى الجزائر في الوقت الراهن إلى تعديل الاختلالات الواردة في اتفاق الصخيرات بالشكل الذي يفضي إلى بناء نظام سياسي توافقي.

ما الذي تريده الجزائر في ليبيا؟

من الطبيعي أن يكون للجزائر مصالح تدافع عنها في النزاع الليبي، فتعاطي السياسة الخارجية الجزائرية مع تفاعلات هذا النزاع ليست مسألة مرتبطة بمبادئ تلك السياسة بشكل حصري، وبالمجمل تحرص الجزائر ألا يتشكل نظام سياسي جديد في ليبيا يمكن أن يكون له توجهات غير متوافقة معها، ومن ذلك أن الجزائر لا يخدمها أن ينفرد الجنرال خليفة حفتر بالسلطة الليبية وذلك لسببين: أما الأول فهو أن الجنرال حفتر يتنمي لقبيلة التبو وهي القبائل المتنازعة باستمرار مع قبائل التوارق التي تعتبر جزءًا من مكونات الدولة الجزائرية، ووصول الجنرال حفتر سيقوي في سياق الطابع القبلي المهين في المجتمع الليبي من سطوة قبائل التبو في السلطة وهو ما يفرض تحديات أمنية على الحدود الجزائرية مرتبطة بتفجر النزاع القبلي بين المكونين، أما السبب الثاني فهو اقتراب الجنرال حفتر من منطق تفكير الزعيم الليبي معمر القذافي من حيث إضفاء الطابع الأيدلوجي على سياسات الأمن القومي الليبية وهو ما فرض تاريخيًا تحديات كبيرة على الأمن القومي الجزائري.

بالمقابل فإن الجزائر لا يمكن أن تقبل أيضًا باستئثار الحركات الإسلاميية بالسلطة لأن ذلك يدفع إلى تقارب كبير في العلاقات الليبية المغربية أين يقود حزب العدالة والتنمية الإسلامية الحكومة المغربية، كما تحرص الجزائر على ألا يقوم نظام سياسي في ليبيا يكون مرتبطًا بأجندات دولية لأن ذلك قد يوظف ضد المصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية الجزائرية في أي وقت، ولذلك تدعم الجزائر بقوة شخصية فايز السراج لأنه شخصية توافقية غير منحازة.

وارتباطًا بهذا تحرص الجزائر في تفاعلها مع تطورات الأزمة الليبية على ثلاثة أشياء رئيسية، أما الأول فهو ألا يكون الحسم العسكري هو الوسيلة الأساسية المفضية إلى تولي السلطة لأن ذلك يعني تشكل سلطة ليبية جديدة قد لا تكون متوافقة مع الجزائر بالضرورة ولذلك تدافع الجزائر بقوة على القرار الأممي الداعي إلى منع توريد السلاح إلى أطراف الصراع، أما الثاني فتعمل الجزائر على تقليص ربط تطورات الأزمة الليبية بالأجندات الخارجية لأنها كلها منحازة إلى أحد الطرفين، أما الثالث فهو توجيه انتباه الأطراف الليبية إلى ضرورة الاهتمام بمكافحة التنظيمات الإرهابية وهي تهديد مباشر للأمن القومي الجزائري.

لماذا يجب الرهان على الدور الجزائري؟

بشكل عام فإن الأطراف الخارجية المرتبطة بالنزاع الليبي تنقسم إلى مستويين أما المستوى الأول فيشمل الدول الإقليمية وهي كلها منحازة إلى أحد أطراف النزاع، فهناك دول تدعم وصول واستئثار الحركات الإسلامية المرتبطة بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، في حين أن دولاً أخرى تعمل على منع ذلك مع الاختلاف في الطرف المراهن عليه، فهناك من يراهن على الجنرال حفتر باعتباره الطرف الأقدر على منع استئثار تلك الحركات بالسلطة، في حين أن أطرافًا أخرى تراهن على تشكل نظام سياسي تكون الحركات الإسلامية في أحسن الأحوال جزءًا منه ولا تتبوأ فيه دور القيادة، أما المستوى الثاني فهو القوى الكبرى والتي تعتبر أنه لا توجد مصالح حيوية للاندماج في النزاع الليبي بشكل مباشر وتراهن على أدوار القوى الإقليمية.

تعتبر دبلوماسية الصمت من أكثر الأدوات تفعيلاً في السياسة الخارجية الجزائرية، اذ لا تعلن الجزائر كثيرًا عن تفاصيل مواقفها اتجاه الأزمات الإقليمية ولكن تفعل من الناحية العملية الكثير في سياق التعاطي مع تلك الأزمات

وفي سياق كل ذلك يظهر أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه الجزائر في الوصول إلى حل توافقي للنزاع الليبي، فمن جهة يحظى هذا الدور بدعم توافقي للدول الكبرى، فالجزائر تؤدي بالنسبة إلى الدول الغربية دورًا أمنيًا على قدر كبير من الأهمية في منطقة الشمال والساحل الإفريقي، بالإضافة إلى أن العلاقات الروسية الجزائرية على قدر كبير من الوثاقة ولذلك تعمل موسكو على دعم الدور الجزائري في معالجة الأزمات الإقليمية في تلك المنطقة، فالجنرال خليفة حفتر الذي راهن على دعم القوى الكبرى بشكل مباشر تعرض لانتكاسة نتيجة إحالته لضرورة التنسيق مع الجهود الجزائرية، أما مصدر القوة الثاني للدور الجزائري فهو وقوفها على نفس المسافة من جميع الأطراف.

ولذلك من المهم للأطراف الليبية المختلفة الاقتناع أن حل المشكلة الليبية لا يمكن أن يكون إلا من خلال مراعاة الدور والموقف الجزائري، وتوجه الجهود الجزائرية في الوقت الراهن بشكل كبير إلى تشجيع بناء نظام سياسي جديد في ليبيا تكون كل الأطراف مندمجة فيه، وأحد ما تراهن عليه الجزائر هو تكثيف اللقاءات المباشرة بين كل المكونات من أجل إقناعهم بذلك من خلال معالجة الاختلالات التي تضمنها اتفاق الصخيرات وذلك في سياق عملي وليس بالضرورة في بناء اتفاق جديد.

وفي كل الأحوال فإن الأطراف الليبية مجبرة على التفاعل الإيجابي مع الدور والموقف الجزائري لأن هذا الدور يستند إلى مصادر قوة كثيرة مثلما ذكرتها سابقًا وهو ما يدفع إلى ضرورة اقتناع الليبيين أن حل الأزمة الليبية لا يمكن أن يتم إلا وفقًا لما تريده الجزائر، والليبيون مخيرون بين أن يعتبروا الجزائر جزءًا من الحل ويسمحوا لمقاربتها أن تسود، أو أن يعتبروا الجزائر جزءًا من المشكلة مع مخاطر أن يؤدي ذلك إلى تصعيد النزاع وتعقيده بشكل أكبر.