الوثائق السرية التي أفرجت عنها "سي أي أيه" تؤكد أن الإدارة الأميريكة كانت تراقب الإخوان عن كثب

نشرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي أيه" ما يقرب من 13 مليون وثيقة سرية، على الانترنت، وجعلتها متاحة للعامة على موقع مكتبة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. هذه الوثائق، كان الوصول إليها متاحًا فقط من خلال 4 أجهزة حاسوب في الأرشيف الوطني في "كوليج بارك" بولاية ماريلاند.

أرشيف الوثائق المفرج عنها يلقي الضوء على تاريخ وكالة المخابرات المركزية الواسع كمنظمة، منذ إنشائها، وبحسب ما قال متحدث باسم الوكالة، فالوثائق لم يتم انتقاءها، بل إنها التاريخ الكامل، "بمحاسنه وسيئاته" بحسب تصريحاته التي نقلتها سي إن إن.

ويقول جوزيف لامبرت، مدير إدارة المعلومات في وكالة المخابرات المركزية إن "الوصول إلى هذه المجموعة التاريخية المهمة لم يعد محدودًا جغرافيًا".

سلطت الوثائق الضوء على أنشطة الوكالة في الحرب الفيتنامية، وكذلك في كوريا الشمالية والحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، بل أنها تشمل وثائق متعلقة بمشاهدات لأجسام طائرة مجهولة وغير ذلك.

جدير بالذكر أن الأرشيف الكامل للوكالة يتكون من نحو 800 ألف ملف، وقد أصدر الرئيس الأمريكي الأسبق، بيل كلينتون، في العام 1995 مرسومًا رئاسيًا يُلزم بفتح الوثائق التاريخية التي انقضى عليها 25 عامًا فما فوق أمام الرأي العام؛ بغرض الشفافية.

الإخوان المسلمون ووثائق الاستخبارات الأمريكية

حللت وثائق الاستخبارات الأمريكية في أحد تقاريرها المفرج عنها مؤخرًا وضع جماعة الإخوان المسلمين في مصر إبان العام 1986، واللافت  في الأمر أن توقعات الاستخبارات الأمريكية في ذلك الوقت تحقق الكثير منها بعد مرور أكثر من ثلاثين عام.

كشفت الوثائق عن النظرة الأمريكية إلى الإخوان المسلمين بصفتهم "أخف الضررين" مقارنة بالجماعات الجهادية، ولكنهم في نفس الوقت يرون أن بسط نفوذ الإخوان في المجتمع المصري في الثمانينات سوف يضر بالمصالح الأمريكية بشكل كبير، ومع ذلك فإنهم لا يفضلوا الصدام مع جماعة بحجم "الإخوان المسلمين"، لما لذلك من ضرر على المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط ككل.

تحدثت الوثائق أن الجماعة في ذلك الوقت تهدف لاستعادة شرعيتها القانونية أمام نظام مبارك بما يمكنها من الحركة وتوسيع نشاطها للتوفق على الجماعات الإسلامية الأخرى

ووفق التحليل الذي أعدته الاستخبارات الأمريكية فإن أعداد الإخوان المسلمين في ذلك الوقت قاربت 500 ألف عضو، وتكشف الوثائق معلومات عن قوة الجماعة في ذلك، ومكامن ضعفها، وتشير إلى أنها جماعة تمتلك أهداف استراتيجية بعيدة، تُغطى بأخرى آنية، ولكنهم في وجهة نظر تحليل الاستخبارات لا زالوا يسعون إلى إقامة مجتمع "أصولي".

وتحدثت الوثائق أن الجماعة في ذلك الوقت تهدف لاستعادة شرعيتها القانونية أمام نظام مبارك بما يمكنها من الحركة وتوسيع نشاطها للتوفق على الجماعات الإسلامية الأخرى، وفي سبيل ذلك تظهر الجماعة أمام النظام مرونة في ظل مواجهة مندلعة بين الجماعات الجهادية والأمن المصري.

في حين تروى الوثائق أن الجماعة ركزت في أثناء انشغال الدولة في هذه الحرب على الدخول في غمار الاتحادات الطلابية والنقابات المهنية، والحصول على مصادر مالية توفر الدعم لهذه النشاطات.

وتشير الوثائق إلى أن المشاريع الصغيرة للأفراد كانت أحد روافد تمويل التنظيم الهامة، وقد استغلوا حينها كل مصادر مالية لديهم لبدء تلك المشروعات الصغيرة، وكذلك تبرعات المتعاطفين خاصة من منطقة الخليج، وتشير أيضًا إلى أن أعضاء الجماعة من رجال الأعمال يدفعون اشتراكات شهرية تجاوز 10% من دخلهم، ولكن الأنشطة التجارية ظلت المصدر القانوني الأكبر للتمويل، مع توافر حُسن الإدارة والحيطة من تحركات النظام ضد هذه الاستثمارات الصغيرة.

لقاءات أمريكية مزعومة مع الإخوان

تزعم الوثائق أن عدة لقاءات تمت بين الولايات المتحدة وممثلين لجماعة الإخوان المسلمين لم يتم تسميتهم منذ عام 1983، وقد حدثت هذه اللقاءات طبقًا للوثائق مع عدد من فروع الإخوان في عدة دول عربية أخرى كالأردن وسوريا وشمال اليمن والكويت، مؤكدين على ولاء هذه التنظيمات الفرعية للجماعة الأم في مصر.

قدرت وثائق الاستخبارات الأمريكية حينها أعضاء الجماعات الجهادية الأكثر تشددًا في وجهة نظرهم من جماعة الإخوان ما بين 20 : 30 ألف، والمشترك بين تلك الجماعات والإخوان المسلمين هو وجود صراعات قيادية بداخلها بين تيارات مختلفة، وبالتحديد في جماعة الإخوان بين "المعتدلين والأصوليين" حسب تصنيفهم، ولكنها أقل حدة من تلك الموجودة في الجماعات الجهادية، التي أرجعت المخابرات الأمريكية الصراع بداخلها إلى "التنافس الشخصي" بين زعمائها.

نظام مبارك والإخوان

في حين تزعم الوثائق أن النظام والإخوان حاولوا عقد تحالف ضد الجماعات الجهادية في ذلك الوقت لكبح جناح العنف المستشري وقتها، ولكن تعود التقارير لتدلل بأن الجماعة لم تلتزم بهذا التحالف المزعوم في عدة مواقف سردتها بالتفصيل، وهو ما استدل به معدو هذه الوثائق على أن الجماعة لا يؤمن جانبها بأي حال.

زعمت الوثائق أن المفاوضات مع الإخوان من جانب نظام مبارك حددت 4 شروط مقابل استعادة الجماعة لشرعيتها

وتتحدث التقارير الأمريكية عن محاولة الجماعة حصد مكاسب بالحوار مع النظام المصري إبان عهد المرشد الراحل عمر التلمساني، والذي أثبت في عدة مواقف إمكانية هذا الحوار، بالرغم من تعثره في كثير من الأحيان، وعدم استطاعة الجماعة نزع شرعيتها كاملة من بين فكي نظام مبارك، رغم هذا التواصل الخفي الذي تشير إليه الوثائق الأمريكية.

وقد زعمت الوثائق أن المفاوضات مع الإخوان من جانب نظام مبارك حددت 4 شروط مقابل استعادة الجماعة لشرعيتها، منها إلغاء القسم السياسي من الجماعة، والتخلي عن أحزاب المعارضة كالوفد، وإيقاف أي تجنيد للأعضاء داخل الجيش المصري، وإيقاف نقد معاهدة كامب ديفيد، وهو ما رفضته الجماعة على الأرجح طبقًا لظن التقارير.

يعتقد الأمريكيون من خلال تلك الوثائق أنهم لا يمكنهم الوثوق في الجماعة لحفظ مصالحهم في الشرق الأوسط، نظرًا لمعارضة الإخوان لمعاهدة كامب ديفيد، ومناهضة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، وخاصة تشكيكهم في جدوى التعاون العسكري مع أمريكا، ومع ذلك يرى الأمريكيون أن إضعاف الإخوان المسلمين يعني قوة للتنظيمات الجهادية الصاعدة في ذلك الوقت.

وعن مصير نظام مبارك توقعت الاستخبارات الأمريكية أن استمرار تدهور معيشة المصريين قد يشكل خطرًا وجوديًا على النظام، وهنا يشكل الإخوان تهديدًا فوريًا بسبب توقعهم استغلال هذه الفرصة من جانب الجماعة لتأجيج الاحتجاجات ضد النظام، وهو الأمر الذي يراه البعض قد حدث في ثورة يناير في العام 2011.