عبد الفتاح السيسي

بدأت ثورة شعبية تلقفها محدثو النعمة من ائتلافات وأحزاب وجماعات وحركات قادوا آمال شبابها إلى مقصلة العسكر، حتى صرنا ننعي أحلامنا وذكرياتنا بها عبر هاشتاج #لساها_ثورة_يناير، وها نحن بعد ستة أعوام من الثورة لم ندرك أن هزيمتنا تحمل علامة تصديرية شعارها "صنع بأيديكم"، نرمي آمالنا على شعب قد فهم ووعي الدرس أنه: لا خير فيمن أضاعوا أحلامهم يومًا من بين أيديهم.

تأتي الذكرى وقد انقسم كل فريق في داخله إلى قسمين، فلم يعد الاصطفاف ينادى به للجمع بين الجماعات المختلفة والأفراد، بل أصبح ينادى به للجمع بين أبناء التيارالواحد (الإخوان المسلمون)، ورغم هذا ما زال هناك من يحاول تسطيح المشكلة، دون البحث في أسبابها وتحمل تبعات توضيحها ومكاشفة الجموع بها، ليكتفي بدلاً من هذا في صرف آلاف الساعات من الوقت وآلاف الأموال في محاولة تجميع لصورة أو بيان، ولكنه لا يعي أن الشعب قد فهم الدرس وأن شريحة من الشباب قد فهمت أيضًا.

دعوني أفترض أننا قد استيقظنا يومًا على خبر وفاة أو مقتل أو رحيل السيسي، فهل تظنون أن بلدًا بحجم مصر وشعبها الذي قارب تعداده المئة مليون نسمة سوف يتم إدارتها من المعارضة؟

فمن ائتلافات الثورة وصولًا للانقلاب العسكري واصطفافات تحالف دعم الشرعية ثم المجلس الثوري المصري ثم حملة راجعين الميدان ثم اللجنة التحضيرية للتغيير، ما بين كل هذا هناك قلة من المخلصين ولكن لا أحد يعترف أن كل هذه المشاهد لم يعد أحد من الشباب أو الجموع الشعبية تهتم بها بل حتى لم تعد تثير نقاش على مواقع التواصل الاجتماعي والسبب واحد أن الحقيقة أنهم {بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ}.

نعم إن كلامي شديد القسوة، ولكنها الحقيقة التى أواجهها كل يوم، الحقيقة التي تجعلني عاجزًا عن الإجابة عن والدة أحد المختفين قسريًا الذي ظهر ابنها على ذمة أحد القضايا مؤخرًا، لا أعلم في كل مرة كيف اطمئنها وأنا أعلم أن ابنها ينتظره مصير كمصير محمود رمضان وشباب عرب شركس وعادل حبارة وغيرهم.

هل أقول لها الحقيقة أم أعيش أنا وهي على أمل ما زالت كثير من الجموع التابعة للجماعات والأحزاب تضعه في أيدي غير أمينة؟ هل سيتم إنقاذ هؤلاء الشباب الذين تعرضوا للاختفاء القسري ثم تم إلحاقهم بقضايا إعدامات؟ هل سينقذوهم؟ أم علينا أن نتحضر لسرادقات العزاء، بينما يبنون هم مجد لقاءاتهم المتلفزة ومقدماتهم النارية، فوق أجسادنا المعلقة على أعواد المشانق في ثبات؟

صرت لا أستطيع الضحك أو حتى الاستهزاء أو الغضب وأنا أرى أن الناس تظن أن ثورة قد تنتصر أمام نظام غير قيادته ثلاث مرات من مبارك لطنطاوي وسامي عنان ثم للسيسي، ثم أنظر إلى أنفسنا فأجد أن من قادونا إلى التهلكة هم هم، من يفترض بهم أن يقودوا للنصر هم في الأصل لا يعترفون أنهم قادونا للتهلكة، كم هو أمر بائس أن ترى أن هناك من يظل يدافع عن محمود حسين وإبراهيم منير ومحمد البرادعي وحمدين صباحي وأبو الفتوح وأحمد ماهر وغيرهم ممن يراد لهم أن يظلوا في مواقع القيادة بعد كل ما حدث وكأننا نطمح وونادي في الشعب بأن يؤمن بتغيير لا يراه فينا.

ليس هذا انتقاصًا من شخوص هؤلاء، ولكنها الحقيقة، من قادك للهزيمة مرة تلو مرة بلا حساب، فلن يقودك يومًا إلى نصر حتى تلد الأمة ربتها.

تأتي الذكرى وقد انقسم كل فريق في داخله إلى قسمين، فلم يعد الاصطفاف ينادى به للجمع بين الجماعات المختلفة والأفراد

ولكن دعوني أفترض أننا قد استيقظنا يومًا على خبر وفاة أو مقتل أو رحيل السيسي، فهل تظنون أن بلدًا بحجم مصر وشعبها الذي قارب تعداده المئة مليون نسمة سوف يتم تسليمها لمعارضة عجزت على مدار ثلاث سنوات أن تدير وتنظم شئون حياة بضعة آلاف من المصريين المطاردين في الخارج؟ بل هل تظنون أن تلك الجماعات أو الأحزاب قد أعدت العدة لمثل هذا اليوم إعداد كوادر تم توفير التعليم الأكاديمي والتخصصي لها في المجالات المختلفة؟حتى إذا تغيرت الأوضاع ورحل النظام لا نجد أنفسنا نكرر نفس أخطاء تجربة يناير 2011؟ بل هل تظنون انه سيكون هناك حينها اصطفافًا أم سيتصارع القوم كل يبحث عن غنيمة ومكسب في معركة كلها مغارم؟ كما حدث سابقاً بعد تنحى مبارك؟

علينا كشباب الآن أن نقف وقفة صادقة مع النفس وينادي بعضنا بعضًا للعمل والتجديد والخروج من أطر الماضي وذكرياته وأفراده مع الأخذ بدروسة المستفادة، وإلا سنظل كل عام نتذكر تلك الثورة بشكل يخفت عامًا بعد عام قائلين #لساها_ثورة_يناير لساها بكل جمالها وبكل من قام بذبحها، فهل نستيقظ قبل أن تطوينا صفحة الزمان؟