أطفال حارس الخمسة المحكومين بالسجن 15 عامًا

في مطلع مارس/آذار 2013 ، كان هناك 5 أطفال فلسطينيين على موعد مع انقلاب جذري في مسار حياتهم، فمحمد سليمان ومحمد كليب وتامر وعمار صوف وعلي شملاوي، أبناء  قرية "حارس" بقضاء مدينة سلفيت شمال الضفة الغربية، تحولت حياتهم في النصف الثاني من الشهر ذاته إلى جحيم بعدما اعتقلهم الاحتلال وزج بهم في سجونه دون محاكمة، بدعوى اتهامهم بإصابة مستوطنة إسرائيلية تعرضت لحادث سير وقع قرب قريتهم.

أصبحت عائلات هؤلاء الأسرى الأطفال تعيش في كابوس كبير، بعد صدور حكم عليهم، مطلع العام الماضي، بـ75 عاماً، لكل واحد منهم 15 عاماً، بتهمة إلقاء الحجارة على مركبة تقودها مستوطنِة، تسببت الحجارة حسب زعم الاحتلال إلى حادث سير فارقت المستوطنة الحياة بعد عام، في الوقت الذي أجبر الاحتلال عائلاتهم على دفع غرامة بقيمة 150 الف شيكل عنهم الخمسة.

عائلات الأطفال الأسرى

عائلات الأطفال، ما زالت ترفض هذا الظلم الذي وقع بحقهم، مؤكدة إن اتهامات الاحتلال للأطفال عارية عن الصحة، وأن ذنبهم الوحيد تزامن وجودهم في أرضهم مع وقوع الحادث، وأن كل الدلائل من استجواب الشرطة للمتواجدين ومعاينة المكان تؤكد أنه حادث سير عادي، وأن الاحتلال عدل الرواية وادعى "أنه عمل مدبر ومحاولة قتل" بحجة عثوره على حجارة في مكان الحادث واتهم الأطفال بإلقائها.

العائلات أكدت على أن التحقيق مع أطفالها على مدى عشرات الأيام داخل سجن مجدو حيث يقبعون الآن، تخللها تعذيب بشتى الأشكال والألوان، مثل التعرية والشبح المطول وعزل داخل الزنازين، وحرمان من النوم والطعام والشراب، نتيجة ساعات التحقيق الطويلة والمتواصلة.

تفاصيل الحكاية من البداية

في الرابع عشر من آذار / مارس عام ٢٠١٣، وبحسب الرواية الفلسطينية التي تتبناها عائلات الأطفال والمنظمات الحقوقية المدافعة عنهم، اصطدمت سيارة مستوطن إسرائيلي في الجزء الخلفي من شاحنة مستوطنة إسرائيلية أخرى على مدخل قرية "حارس" التابعة لمحافظة سلفيت (شمال الضفة الغربية)، حيث أن سائق الشاحنة توقف لتغيير إطار مخروق، مما أسفر عن تعرض أربعة مستوطنين للأذى بسبب هذا التصادم.

مدخل قرية حارس حيث أُتهم الأطفال برشق سيارة المستوطنة الإسرائيلية 

على إثر ذلك، قام المستوطن سائق الشاحنة بتقديم شكوى لسلطات الاحتلال على أنه تمت مهاجمته من قبل شبان فلسطينيين كانوا يرمون الحجارة، على حد قوله.

سائقو الشاحنات الذين كانوا متواجدين بالمكان كانوا قد شهدوا بأن سيارته توقفت سابقًا "بسبب الإطار المخروق "، لكنهم قاموا بعد ذلك بتغيير افاداتهم، لتصبح أن السبب في خرق ذلك الإطار هو وجود حجارة على الطريق ألقاها الأطفال الفلسطينيين. ولعدم وجود اثبات على الحادث تم تصويره من قبل المحاكم الإسرائيلية على أنه هجوم إرهابي من شبان فلسطينيين قاموا بإلقاء الحجارة.

المحكمة العسكرية الإسرائيلية، قامت بدورها بإحضار ٦١ شاهدًا بما في ذلك عناصر من الشرطة ليشهدوا ضد أطفال حارس الذين تم اعتقالهم وزجهم بالسجن، وإخضاعهم لأكثر من 50 جلسة تحقيق، تخللها أنواع شتى من العذاب!

فبعد أيام قليلة من الحادثة، قام أكثر من 50 جندي إسرائيلي المقنعين، برفقة الكلاب البوليسية المدربة، باقتحام قرية حارس، في ساعة مبكرة من الصباح وقاموا بموجة من الاعتقالات العنيفة، تضمنت خطف 19 طفلًا. ثم قاموا بنقلهم إلى سجن الجلمة (شمال البلاد) المحصن والمدعوم من شركة الحماية G4S السيئة السمعة.

وقامت سلطات الاحتلال بحبس الأطفال في زنازين انفرادية قذرة، لمدة تصل إلى أسابيع في غرف مساحتها 1*2 م، بدون نوافذ أو حتى فراش. وكان الأطفال يتعرضون للتعذيب بعنف، كما تعرضوا لتهديدات جنسية، وخصيصًا الأسيرات الفتيات، من أجل انتزاع الاعترافات من الفتيان.

ومع اعترافات أحد "شهود العيان"، تم توجيه التهم لخمسة من أطفال حارس كانت بمجملها 25 تهمة، أبرزها محاولة القتل العمد، على الرغم من وجود أربعة أشخاص فقط في السيارة، ويبدو من هذا الرقم أن المحكمة العسكرية الإسرائيلية قد قررت أن ٢٥ حجرًا ألقيت بنية القتل، وبذلك يكون مقابل كل حجر عام من السجن. ووجهت الاتهامات لكل من الأطفال: علي الشملاوي، محمد كليب، محمد مهدي سليمان، تامر صوف، وعمار صوف.

"أولاد حارس".. كتاب يحكي القصة للعالم

لا تزال قصة أطفال "حارس" تتصدر المشهد على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحظى بدعم من متضامنين دوليين تظاهروا واعتصموا في ميادين دولهم رفضًا لاعتقال الأطفال.

 والدة الأسير الطفل علي شملاوي تستقبل المتضامنات الأجنبيات بحارس

حيث قالت المتضامنة الكندية سو غولدستين (57 عامًا) لموقع "الجزيرة نت" في تقرير نشر العام الماضي، إن ما يجري مع الأطفال الفلسطينيين المعتقلين يدل على إرهاب وفاشية العدالة الإسرائيلية. مضيفة أن العديد من الناشطين ينظمون حراكًا أسبوعيًا أمام القنصلية الإسرائيلية في مدينة تورنتو الكندية، رفضًا لاعتقال الأطفال وسلب الفلسطينيين أرضهم. وذات الرسالة التي حملتها المتضامنة الأميركية ريتشيل ويست (64 عامًا)، التي قالت "إنها أم وواجب عليها مساندة أمهات الأطفال، موضحة أنها لا تعول على المسؤولين الأميركيين شيئًا، بعكس الشعب الذي يبدي تضامنًا واسعًا مع هؤلاء الأطفال".

وللمطالبة بتحريرهم وتعريف العالم بقضيتهم، أطلق نشطاء دوليون مؤخرًا حملة إنسانية حقوقية عبر فضاء الإنترنت، أصدروا ضمنها كتبياً يحكي قصتهم. حيث أطلق كتاب "The Hares Boys"، باللغة الإنجليزية عبر شبكة الإنترنت مجاناً، يحكي قصة الفتيان وظروف اعتقالهم منذ 2013 ، وإشكاليات محاكمتهم بشكل فوري وإدانتهم بالرغم من عدم كفاية الأدلة.

وفي 39 صفحة يحلل القائمون على الحملة حيثيات القصة، ويعرّجون على قضية اعتقال الاحتلال للأطفال الفلسطينيين عامة. حيث هناك مئات الأطفال الفلسطينيين باتوا يقبعون في سجون الاحتلال، معظمهم دون سن الثامنة عشرة، وآخرون بلغوا ذلك داخل المعتقل.

إلى ذلك، وبحسب دراسة أجرتها المنظمة غير الحكومية في دولة الاحتلال "بلا حدود القانونية" على مدى 12 شهرًا، أن 100٪ من الأطفال الفلسطينيين الذين يمثلون أمام المحاكم العسكرية الإسرائيلية تتم ادانتهم، ويتعرضون لتحقيق قاس.

وتبيّن أرقام محدّثة، تضاعف حالات اعتقال الأطفال عام 2016 بفلسطين، خاصة الذين تتراوح أعمارهم بين 12-15 عاماً. ويأتي ذلك في ظل سعي الاحتلال لسن قوانين تسمح بمعاقبة من هم دون الـ 14 عاماً. وبالمقابل، نشرت حركة الدفاع عن الأطفال في فلسطين إحصائية أوضحت أنه في عام 2016 اعتقل الاحتلال 1260 طفلاً، من بينهم 330 من فئة 12-15 عاماً.