لوبان رفضت وضع غطاء على رأسها عند مقابلتها مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان

موجة من الجدل أثارتها اليمينية المتطرفة مارين لوبان القادمة من باريس، خلال زيارتها للعاصمة اللبنانية بيروت؛ فزعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية، والمرشحة الأوفر حظًا لرئاسة فرنسا، لم تضع بحسبانها أي اهتمام للمواقف السياسية للتيارات اللبنانية المحافظة، مثل تيار رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، عندما صرحت من بإعلان دعمها للرئيس السوري بشار الأسد من مقر الحكومة اللبنانية.

لوبان اُتهمت بتعمدها المباشر لاستفزاز اللبنانيين وساستهم بهذه التصريحات، ففي بلاد منقسمة على ذاتها لأصغر تجمع أو فصيل، جدل لا ينتهي حول نظام الأسد ودعمه من قبل حزب الله بالمقاتلين والعتاد والسلاح.

الموقف من الأسد ليس وحده ما صنع موجة الاستياء هذه، مواقف لوبان العنصرية ضد اللاجئين والمهاجرين في بلادها أيضًا، اعترضتها قبل زيارتها لبيروت وأثنائها، ونددت بها مواقف سياسية وبيانات ومقالات صحفية لبنانية.

"الأسد يشكل اليوم حلا يدعو إلى الاطمئنان أكثر بالنسبة إلى فرنسا"، بهذه الكلمات صرحت لوبان خلال اجتماعها مع الحريري، مشيدة في الوقت نفسه بما وصفته "سياسة الأسد الواقعية".

وأقرت لوبان بأن "هناك بعض الاختلاف في وجهات النظر"، مضيفة أنها "أوضحت للحريري موقفها الثابت حيال الأزمة السورية، وأصرت على أنه لا يوجد أي حل قابل للحياة ومعقول خارج الاختيار ما بين الثنائي بشار الأسد من جهة"، و"داعش" من جهة أخرى، قائلة: "قلت بشكل واضح إنه في إطار السياسة الأقل ضررًا والأكثر واقعية، أرى أن بشار الأسد يشكل اليوم حلاً يدعو إلى الاطمئنان أكثر بالنسبة إلى فرنسا من "داعش".

الحريري بدوره اكتفى بالقول -بحسب مكتبه الإعلامي- أن "المسلمين هم أول ضحايا الإرهاب المتستر بلباس الدين"، وأضاف أنه من الخطأ الأكبر في مقاربة هذا الموضوع هو "الخلط الطائش الذي نشهده في بعض وسائل الإعلام والخطابات بين الإسلام والمسلمين من جهة وبين الإرهاب من جهة ثانية". مؤكدًا في الوقت نفسه أن "اللبنانيين والعرب ينظرون إلى فرنسا على أنها المنبع لحقوق الإنسان وفكرة الدولة، التي تساوي بين جميع أبنائها من دون أي تمييز".

توافق فرنسي يميني على بشار

لكن لوبان ليست وحدها من تعلن دعمها لبشار الأسد وتراه حلًا للأزمة السورية، فمنافسها وابن التيار اليميني الفرنسي أيضًا فرانسوا فيون، قال في تصريحات صحفية أكثر من مرة، أنه مع وجود بشار الأسد في مستقبل سوريا. وخلال مناظرة بين مرشحي اليمين والوسط قبل الانتخابات التمهيدية، اعتبر فيون أن دحر تنظيم الدولة الإسلامية أهم من رحيل "بشار الأسد"، وقال: "هناك تياران في سوريا فقط، أحدهما "داعش" والآخر بشار الأسد، وأُفضِّل بقاء الأسد، وأعِد بفتح سفارة فرنسا في دمشق للتعامل مع الدولة السورية".

متظاهرون من اليمين الفرنسي المتطرف خلال وقفة تأييد للأسد في سبتمبر 2013 بباريس

وسبق وأن نظم اليمين الفرنسي أكثر من مرة منذ اندلاع الثورة السورية لوقفات تأييد لبشار الأسد، شارك فيها يمينيون بلجيكيون أيضًا، وسوريون داعمون لبشار الأسد، معتبرينه –الأسد- "حامل لواء معاداة الإمبريالية في العالم، وأن سوريا هي آخر دولة علمانية في الشرق الأوسط ويجب الوقوف مع قيادتها".

شماعة "مسيحيو الشرق"

بالعودة لتداعيات زيارة لوبان للبنان، لا تنفك المرشحة اليمينية –كغيرها من مرشحي اليمين الفرنسي- التأكيد على مظلومية "مسيحيي الشرق"، حيث قالت لوبان خلال لقائها مع رئيس الجمهورية اللبناني ميشال عون، إنها ناقشت معه "مسألة نمو التطرف الإسلامي التي تثير قلقا أساسيًا وخوفًا على مسيحيي الشرق".

وزادت على هذا الموقف ما قالته بعد اجتماعها بوزير الخارجية جبران باسيل من أن أفضل طريقة لحماية المسيحيين في الشرق الأوسط هي في "القضاء على التطرف الإسلامي"، وأنه أمر أخذته على عاتقها في فرنسا، "لأن هذا الخطر قاتل".

ويرى مراقبون أن زيارة لوبان للبنان ولقاءها بالمسؤولين، منحها منصة للترويج لحملتها الانتخابية، وفي هذا الصدد يقول رئيس القسم السياسي في صحيفة العربي الجديد أرنست خوري إن لبنان قدم للسياسية الفرنسية خدمة كبيرة لتقول -كمرشحة مرفوضة من طيف هائل من الداخل الفرنسي- إنها تمكنت من لقاء رؤساء جمهورية وحكومة ومرجعيات دينية.

"هذه الزيارة لا تعكس أي تقارب بين مسيحيي لبنان وحزب "الجبهة الوطنية"، فالمسيحيون والمسلمون في لبنان يتوزع تأييدهم على سائر المرشحين الفرنسيين"

ويقول الصحفي اللبناني إن لوبان تعاني من عدم استقبال مسؤولين رسميين لها في العالم، وقد "وجدت ضالتها في لبنان"، رافضًا اعتبار زيارتها للبنان رسالة دعم لمسيحيي الشرق، فهذا مجرد "ذر للرماد في العيون، وهو كلام رخيص".

إلى ذلك، قال رئيس تحرير إذاعة مونت كارلو الدولية، كمال طربيه، إن "هذه الزيارة لا تعكس أي تقارب بين مسيحيي لبنان وحزب "الجبهة الوطنية"، فالمسيحيون والمسلمون في لبنان يتوزع تأييدهم على سائر المرشحين الفرنسيين سواء من اليمين أو من اليسار. وبالتالي فهم يدركون تمامًا أن أي تأييد لـ "الجبهة الوطنية" سيلحق ضررًا بالغًا بصورتهم في الداخل والخارج".

ويضيف طربيه، أن "بعض المثقفين المسيحيين في لبنان وفي طليعتهم الوزير السابق طارق متري خرجوا بمواقف مناهضة لزيارة مارين لوبان، وحذروا مما وصفوه "محاولة لوبان للمتاجرة بقضية مسيحيي الشرق" و"استخدامها في البازار الانتخابي" داخل فرنسا.

لماذا استقبلها عون إذا؟

يتفق محللون ومراقبون على أن مارين لوبان تطرح جملة من المسائل التي تلقى تأييدًا من قبل الرئيس عون، أبرزها ضرورة تقديم الأسرة الدولية حلولًا لأزمة اللجوء السوري إلى لبنان، والحفاظ على المكون المسيحي في الشرق، ومقاومة "التطرف الإسلامي"، ودعم لوبان للنظام السوري - وهو موقف مشترك مع مواقف ميشال عون قبل أن يصبح رئيسا للبنان.

وسبق وأن التقت لوبان قيادات سنية بارزة منها إمام الأزهر الشيخ أحمد الطيب في عام 2015. وهي الآن في لبنان تحاول زعيمة "الجبهة الوطنية" تلميع صورتها من خلال لقائها بالقيادات الإسلامية التي توصف بالمعتدلة كرئيس الحكومة سعد الحريري ومفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، والقول إنها غير معادية للإسلام كدين إنما للجماعات الإرهابية المتطرفة التي ترفع لواء الإسلام.

لوبان ترفض الحجاب.. وناشطون يعلّقون

لوبان، وخلال زيارتها للبنان اليوم، غادرت دار الفتوى دون أن تلتقي مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، بعد رفضها أن ترتدي غطاءً على رأسها لمقابلته –رغم إبلاغها بذلك مسبقًا- قائلة بأنها "لن ترتديه، لأنها لم ترتديه كذلك عندنا زارت الشيخ أحمد الطيب في مصر عام 2015".

وقالت لوبان بعد اقتراب أحد الموظفين منها لإعطائها منديلاً لتغطية رأسها: "لم تطلب مني السلطة السنية الأعلى في العالم هذا –إشارة منها للأزهر- ولذلك لا أرى سبباً له، الأمر ليس مهماً، انقلوا للمفتي احترامي، ولكنني لا أغطي رأسي".

هذا التصرف، فتح مزيدًا من الغضب والاستنكار بعد تصريحاتها المستفزة لدى اللبنانيين، فقد رفض ناشطون لبنانيون زيارة لوبان، مؤكدين على أنه "غير مرحب بها في لبنان، لأنها تعتبر رمزًا للعنصرية والفاشية، فكيف يتم استقبالها في بيروت؟!".