كيث إليسون أول نائب مسلم في الكونغرس الأمريكي

انتخب الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة أمس السبت في ختام أعمال الاجتماع الشتوي للحزب بمدنية أتلانتا، بولاية جورجيا، وزير العمل السابق توم بيريز رئيسًا له بعد تغلبه على كيث إليسون عضو مجلس النواب عن مينيسوتا في الجولة الثانية من الانتخابات التي شهدت إقبالا وتنافسًا على قيادة الحزب منذ عقود.

حيث حصل على 235 مقابل 200 صوت لمنافسه إليسون الذي يعد أول مسلم ينتخب في الكونجرس الأمريكي عام 2006 ولاقى تأييدًا كبيرًا من السيناتور بيرني ساندرز وإليزابيث وارين وعمدة مدينة نيويورك بيل دوبلازيو وبات يعتبر نجمًا صاعدًا في أوساط الحزب الديمقراطي الأمريكي.

بيريز رئيسًا للحزب الديمقراطي وإليسون نائبًا له

ينحدر توم بيريز من أسرة من المهاجرين من جمهورية الدومنيكان، وهو أول أمريكي من أصل لاتيني يتولى رئاسة حزب سياسي أمريكي كبير، ينحدر الرجل من خلفية أكاديمية وعائلته تعتبر من النخبة في بلادها وليست بعيدة عن السياسة منذ قدومها إلى أمريكا.

بعد انتخابه ليكون رئيس الحزب الديمقراطي سيأخذ بيريز المنصب من الرئيسة بالوكالة دونا برازيل، بعدما بقي المنصب شاغرًا على إثر استقالة رئيسة الحزب ديبي واسرمان شولتز منتصف العام الماضي وتعد آخر من قاد الحزب منذ العام 2011.

إليسون أول مسلم ينتخب في الكونجرس الأمريكي عام 2006  صار يعتبر نجمًا صاعدًا في أوساط الحزب الديمقراطي الأمريكي

بيريز عد من مؤيدي هيلاري كلينتون في حملتها الرئاسية، وهو أحد المفضلين لدى مسؤولي إدارة الرئيس السابق باراك أوباما الذي سارع للترحيب بانتخاب "صديقه"، قائلاً إنه مقتنع بقدرته على جمع أسرته السياسية وإبراز جيل جديد من القياديين، بينما انتقد الرئيس الأمريكي الحالي ترامب، انتخاب بيريز والديمقراطيين في إحدى تغريداته على حسابه الرسمي قائلاً: "لا أعرف هل أفرح له أكثر أم للحزب الديمقراطي"، ودعا إليسون بعد هزيمته إلى الوحدة، وقال "أطلب منكم أن تفعلوا كل ما في وسعكم لدعم بيريز.. لا يمكننا السماح لأنفسنا بالبقاء منقسمين".

من المؤكد أن قيادة الحزب الديمقراطي في هذا التوقيت بالذات تعد من المهمات الشاقة التي سيشرف عليها بيريز بعد اليوم، فالحزب مُني بخسارة على مستوى الرئاسة والكونغرس بعد خسارة فادحة لمرشحته هيلاري كلينتون أمام المرشح الأكثر جدلاً في تاريخ الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة دونالد ترامب، وقد وجهت انتقادات كثيرة إلى الحزب الديمقراطي للحالة التي وصل إليها، ويعولون على هذه الانتخابات لإعادة توحيد حزبهم واستجماع قواه من جديد.

لذا فإن بيريز سيتولى مهمة إعادة بناء الحزب وتزعم المعارضة ضد الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، ويواجه بيريز تحديات جمة لتوحيد صفوف الحزب من جديد وإعادة تجديده بعد خسارة مرشحتهم في الانتخابات الرئاسية، كما يواجه الحزب تحدي الحفاظ على قاعدته بين الأقليات والمدن الكبرى، مع استعادة شرائح من الطبقة العاملة البيضاء التي خسرها الحزب الديمقراطي لصالح الحزب الجمهوري.

يحرص قادة الحزب الديمقراطي على استخدام أدوات جديدة لمواجهة ترامب والحزب الجمهوري من خلال استثمار الرفض الشعبي لترامب وخططه وآرائه وقراراته الأخيرة التي تلقى استهجانًا شعبيًا كبيرًا

وفور انتخابه تعهد بيريز بقيادة المعركة ضد ترامب وتغيير ثقافة اللجنة الوطنية ليجعل عملها أكثر اتصالاً بالقواعد الحزبية، وقال إن الحزب يعاني من أزمة ثقة، وأضاف "نحن عائلة واحدة وأعرف أننا سنخرج من هنا ونحن متحدون، حزب ديمقراطي متحد ليس فقط أفضل أمل لنا لكنه أيضًا كابوس دونالد ترامب".

وبعد خسارة الانتخابات الرئاسية وعدم استعادة الأغلبية في الكونجرس، يحرص قادة الحزب على استخدام أدوات أخرى لمواجهة ترامب والحزب الجمهوري من خلال استثمار الرفض الشعبي لترامب وخططه وآرائه وقراراته الأخيرة التي تلقى استهجانًا شعبيًا وعالميًا بشكل كبير، وقد أقر بيريز ومنافسه في إحدى المناظرات بضرروة توجيه رسالة اقتصادية قوية إلى الأمريكيين من العاملين والطبقات الوسطى، بعدما قال العديدون منهم خلال الحملة الانتخابية العام الماضي إنهم يشعرون بأن الديمقراطيين تخلوا عنهم، ودعا بيريز إلى إصلاح النظام الخاص بالانتخابات التمهيدية لتعيين مرشح الحزب للبيت الأبيض.

كيث إليسون.. ولادة زعيم

حتى العام 2006 لم يكن كيث إليسون يحظى باهتمام كبير في ولاية مينسوتا والولايات المتحدة بشكل عام إلى أن رشح نفسه لمجلس النواب الأمريكي بعد ذلك العام وصار فيما بعد أول نائب مسلم في الكونجرس، وعلى حد قوله، لم يفكر أحد أن يسأله عن ديانته بسبب اسمه الإنجليزي، وقد بدأ الحديث عن ديانته يطفو على السطح.

مرد إليسون لعائلة كاثوليكية في مدينة ديترويت بولاية ميشيجان، وهو الابن الثالث بين خمسة أبناء ولد في العام 1963، تخرج في كلية الحقوق بجامعة ديترويت في عام 1981 وعمل بالمحاماة.

اعتنق الإسلام وهو في الـ19 ربيعًا في جامعة واين ستيت في مدينة ديترويت، موضحا ذلك بقوله: "لا أستطيع أن أدعي أنني كنت كاثوليكيًا ملتزمًا حينما فكرت في اعتناق الإسلام، فقد بدأت حقًا أنظر حولي، وأسأل نفسي عن الظروف الاجتماعية للبلاد، وقضايا العدالة والتغيير، وعندما نظرت إلى حياتي الروحية، وما أود تحقيقه من التغيير الاجتماعي، والعدالة في المجتمع، لم أجد سوى الإسلام".

اعتنق إليسون الإسلام وهو في الـ19 ربيعًا في جامعة واين ستيت في مدينة ديترويت

يُذكر أن ترشحه لمقعد في مجلس النواب الأمريكي في ولاية مينيسوتا عن الحزب الديمقراطي أثار ضجة عارمة وتعرض لحملة شرسة، وذلك ليس لأنه أمريكي من أصول إفريقية فحسب، ولكن لأنه مسلم، كما لقي ترشيحه اعتراضًا من اليهود والمحافظين الجدد، وطالب منافسه مرشح الحزب الجمهوري بتغيير قوانين الهجرة حتى لا يدخل الكونجرس مسلمون.

وعلى الرغم من الحملة الكبيرة التي واجهها، فقد استطاع إليسون تحقيق الفوز في انتخابات مجلس النواب في عام 2006 وتمكن من تحقيق عدة مكاسب في مقدمتها أن يكون أول نائب مسلم وأول أمريكي أسود يمثل ولاية مينيسوتا في الكونجرس، إلى جانب أنه أول من أدى مراسم قسم اليمين أمام رئيس مجلس النواب الأمريكي، حالفًا على القرآن، وليس على الإنجيل كما هو متعارف، وقد اختار مصحفًا كان ضمن مقتنيات الرئيس الثالث للولايات المتحدة توماس جيفرسون، في إشارة إلى إمكانية أن يكون عضو الكونجرس أمريكيًا ومسلمًا في الوقت ذاته.

وقد استطاع خلال الدورتين السابقتين أن يُصبح عضوًا بارزًا وناشطًا سياسيًا ليُختار ضمن الوفد الأمريكي الذي يزور الشرق الأوسط، ودشن مساره السياسي منذ بدئه، بمواقف خارجة عن المتعارف عليه لدى السياسيين الأمريكيين، كمطالبته بانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من العراق وبمنح المواطنة للمهاجرين غير الشرعيين وانتقاده للمؤسسات المالية الكبرى.

لم يقدم إليسون نفسه كمرشح لرئاسة الحزب الديمقراطي لطائفة بعينها (السود أو المسلمين)، لكن كمرشح يرغب في الدفع بالحزب الديمقراطي لكي يصير "منظمة تجمعنا وتضع مشروعًا يحسن حياة الناس" كما يقول في إعلان ترشيحه.

تمكن إليسون من أن يكون أول نائب مسلم وأول أمريكي أسود يمثل ولاية مينيسوتا في الكونجرس وأول من أدى مراسم قسم اليمين أمام رئيس مجلس النواب الأمريكي، حالفًا على القرآن

ووعد بتقديم أطروحات جديدة داخل الحزب أو يحيي أخرى كانت قد تراجعت مثل التضامن وخدمة المهمشين، ويعد بحزب "تقدمي"، وهي المفاهيم التي طورها أكثر وعبر عنها في كتابه "بلدي: الإيمان، العائلة، مستقبلنا" الذي أصدره في العام 2014.

وفي ظل ما يشهده المجتمع الأمريكي من خلافات حادة وسياسات شعبوية أدت للتصويت لصالح برنامج الرئيس ترامب المتشدد والذي يناهض المهاجرين غير الشرعيين والمسلمين، لذا فإن اختلاف إليسون في هذا المجتمع كما أنه يشكل نقطة قوته فهو يشكل نقطة ضعف أيضًا في هذا المجتمع المنقسم في المواقف.

فإسلامه دفع الكثير لانتقاده أكثر من مرة، والتشكيك في وطنيته، واتهم بمعاداة السامية لأنه دافع أمام القاضي في التسعينيات من القرن الماضي، عن لويس فرح خان زعيم تنظيم "أمة الإسلام"، علمًا أن إليسون ينفي عن نفسه هذه التهمة، وأعلن أكثر من مرة أنه مع حل الدولتين لإنهاء النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، كما يصوت داخل مجلس النواب لصالح معونات لإسرائيل.

صحيح أنه خسر في رئاسة الحزب الديمقراطي ولكنه لا يزال في منصب مهم فهو ليس نائبًا عاديًا في الحزب بل هو نائب رئيس الحزب، ووجوده له دلالة رمزية عالية في الكونغرس، في مواجهة ترامب الذي تعهد بمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة، والمضي قدمًا في خطط لطرد المهاجرين غير الشرعيين.

ورغم أنه لا يحرص على الإشارة كثيرًا إلى دينه الإسلامي والدور الذي يلعبه في واجباته كمشرع، إلا أنه يحتفظ بصلات وثيقة مع المجتمع الإسلامي والعربي في أمريكا، ولطالما أشار أنه ليس عضو الكونجرس الأمريكي المسلم، وإنما عضو الكونجرس الذي تصادف أن يكون فيه مسلمًا.

وجود إليكسون له دلالة رمزية عالية في الكونغرس، في مواجهة ترامب الذي تعهد بمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة، والمضي قدمًا في خطط لطرد المهاجرين غير الشرعيين

يذكر أن المنظمات الإسلامية في أمريكا سارعت إلى الاصطفاف خلف ترشيحه كعضو الكونجرس عن ولاية مينيسوتا، مشيرة إلى أن انتخابه سيكون "الترياق للبيئة المعادية للمسلمين" التي تنامت على مدار سنوات حكم أوباما، وأفرزت كنتيجة صعود ترامب إلى الحكم، وينظر تلك المنظمات لإليسون بأنه سيبعث رسالة مفادها أن المسلمين في أمريكا جزء أصيل من المجتمع، وبمقدورهم أن يقودوا حزبًا سياسيًا كبيرًا في هذا البلد، وأن كون المرء مسلمًا لا ينتقص شيئًا من قدرته على أن يتولى منصبًا كهذا"، كما يقول أسامة جمال الأمين العام للمجلس الأمريكي للمنظمات الإسلامية.

الدعم الذي لاقه إليسون في ترشيحه لرئاسة الحزب، في فترة رئاسة ترامب يشير إلى أن الحزب الديمقراطي وخصوصًا الجناح اليساري والتقدمي فيه، قرر مجابهة ترامب وتقديم البديل عنه بدلًا من التراجع والتحرك نحو الوسط.