يظهر هذا الرسم الرحم الاصطناعي

ترجمة وتحرير نون بوست

أثبتت دراسة حديثة أجريت مؤخرا على "رحم اصطناعي" تجريبي فعاليته في انقاذ حياة حملان ولدوا قبل أوانهم وإبقائهم على قيد الحياة  لأسابيع. وقد رجحت أحد الدراسات أن هذا الجهاز يمكن في المستقبل أن ينقذ حياة الرضع الذي يولدون في فترات مبكرة من الحمل. في هذا السياق، قال الباحثون إن الجهاز الجديد استطاع الابقاء على حياة الحملان لمدة تصل إلى 28 يوما، وهي أطول فترة ممكنة استطاع فيها الرحم الاصطناعي الحفاظ على الحالة الصحية للحملان مستقرة.

وعلى ضوء هذه المعطيات، أوضح المختص في الجراحة بمستشفى الأطفال في فيلادلفيا، ألان فليك، أنهم "حاولوا تطوير الرحم الاصطناعي من خلال محاكاة الرحم الأصلي ووظائف المشيمة". كما أفاد أنه من الناحية النظرية، بإمكان هذا الرحم المحافظة على حياة الأطفال الخدج لمدة أسابيع، مما سيساهم بشكل كبير في التقليل من معدلات وفيات الأطفال الرضع، وفي تحسين نتائجها على المدى القريب والبعيد على حد السواء".

وتجدر الإشارة إلى أن الخبراء قد أجروا التجربة على ثماني حملان وُلدوا قبل أوانهم، وحملتهم أمهاتهم لمدة تتراوح بين 100 و115 يوما فقط، علما وأن الحمل الطبيعي للأغنام يستمر 152 يوما. ووفقا للأبحاث، كان وزن الحملان قبل وضعهم في الرحم الاصطناعي يتراوح بين 3.3 إلى 5.3 رطلا، أي ما يعادل 1.5 إلى 2.4 كيلوغرام.

أما بعد خروج الحملان من الجهاز، لاحظ الخبراء أن وزن الحيوان كان يتراوح بين 5.7 و9.9 رطلا، أي ما يعادل 2.6 إلى 4.5  كيلوغرام. وحسب حجم الرئة، قال الخبراء إن عمر هذه الحملان يتراوح بين 22 و24 أسبوعا من الحمل.

وأضاف الباحثون أن الولايات المتحدة تشهد سويا ولادة قرابة 30 ألف رضيع بشكل مبكر، أي قبل الأسبوع 26 من الحمل. كما أشاروا إلى أن الولادة المبكرة تعتبر السبب الرئيسي وراء تفاقم عدد الوفيات في صفوف الرضع في الولايات المتحدة. لذلك، تمثل نسبة وفيات الرضع الخدج ثلث إجمالي وفيات الرضع، فضلا عن أن إجمالي التكاليف الطبية السنوية للخدج في الولايات المتحدة تصل إلى ما يقدر بنحو 43 مليار دولار.

في الحقيقة، يمكن لهذا الاختراع إنقاذ حياة الرضع الخدج الذين يولدون بين الأسبوع 22 و23 من الحمل، ويزنون أقل من 1.3 رطلا أي ما يعادل 600 غرام. وفي الوقت الحاضر، تصل "معدلات الوفيات إلى 90 في المائة"، وفقا لما ذكره الدكتور فليك لموقع لايف ساينس.

وفي شأن ذي صلة، أضاف الدكتور فليك أن الأطفال الذين يتجاوزون مرحلة الولادة المبكرة أكثر عرضة من غيرهم للإصابة بالأمراض الخطيرة حين يكبرون، مثل أمراض الرئة المزمنة وغيرها من الأمراض الأخرى، بنسبة تتراوح بين 70 و90 بالمائة. ويعزى ذلك، إلى عدم اكتمال نمو الرئتين أثناء فترة الحمل. وبالتالي، يهدف هذا الجهاز الجديد إلى دعم نمو وتطور هؤلاء الرضع الخدج لبضعة أسابيع فقط. وبمجرد أن يبلغ الجنين الأسبوع 28 من الحمل، سيكون قد تجاوز مرحلة الخطر.

والجدير بالذكر أن اختراع سابق لرحم الاصطناعي تمكّن من الابقاء على حياة جنين ماعز لمدة وصلت إلى حوالي 22 يوما، ولكن هذه الحيوانات كانت تحتاج لعملية غسيل الكلى بصفة مستمرة، فضلا عن أن عضلاتها كانت ضعيفة جدا. ووفقا للعاملين على هذه الدراسة، فإن الرحم الاصطناعي الجديد باستطاعته المحافظة على حياة الحملان حديثة الولادة لمدة 28 يوما، وفي صحة جيدة.

ومن أحد السمات الرئيسية لهذا الجهاز، أن الحملان تكون معزولة عن تنفس الهواء، حيث يتم تعليقها في كيس من البلاستيك الذي يحمل سائل يحاكي السائل الذي يحيط بالجنين في الرحم. وفي هذا الصدد، يقول فليك إن "الأجنة تتنفس عادة السائل الذي يساعد في نمو الرئة".

وفي هذا الصدد، يضيف الدكتور فليك أن "السائل السلوي الطبيعي يتكون في الغالب من بول الجنين، إذ أن الجنين يبتلع السائل الذي يحيط به ثم يتبوله. في الحقيقة، من الصعب علينا أن نُصدّق أننا قد نشأنا بهذه الطريقة".

وحسب الباحثين، تتمثل السمة الرئيسية الأخرى التي يتمتع بها الجهاز الجديد في أنه لا توجد مضخة خارجية لدفع تدفق الدم لأن ضغط الدم يمكن أن يقتل قلبا حديث النمو، حتى إن كان متأتيا من شرايين صغيرة. بدلا من ذلك، تم تزويد قلب كل حمل بالدم من خلال الحبل السري في آلة خارج الكيس، الذي خُصص لتعويض مشيمة الأم، مما يساعد على توفير الدم الغني بالأكسجين والمواد المغذية للجنين، بعد تنقيته من ثاني أكسيد الكربون.

بناء على ذلك، نمت الحملان في بيئة مغلقة معزولة عن الاختلافات التي يمكن أن تطرأ على درجة الحرارة ومستوى الضغط والضوء، ومحمية من الجراثيم المسببة للأمراض التي يمكن أن ينجر عنها عدوى خطيرة. وبعد أن قام العلماء بإخراج الحملان من الجهاز، وجدوا أن الرئتان تعملان بشكل جيد جدا، وكان عمل وظائفها مشابها جدا لتلك الموجودة في الحملان المولودة بصفة طبيعية. كما أن حالة الدماغ والكبد وبقية الأجهزة الحيوية الأخرى كانت في حالة جيدة، فضلا عن نمو الصوف بشكل طبيعي، ناهيك عن تمكن الحيوانات من فتح أعينها. كما يبدو أن الحملان لا تعاني من أي مشاكل في التنفس والبلع.

 وفقا للباحثين، فإنه ولئن توفي العديد من الحملان خلال التجارب التي قاموا بها، إلا أن البعض منها قد نجى، إذ يبلغ عمر أحدها حوالي 4 أشهر، ويبلغ عمر حمل آخر حوالي السنة. وقد تمّ نقل هذه الحملان إلى مزرعة في ولاية بنسلفانيا. وفي هذا الإطار، أضاف الدكتور فليك أن هذه الحملان نَمت بشكل طبيعي، و"لكننا وضعنا خطة لرصد حالتها الصحية على المدى الطويلة، لنكتشف نسبة إصابتها ببعض الأمراض الخفية."

على الرغم من كل الدراسات التي قمنا بها، إلا أنه من الصعب علينا اكتشاف إصابة الحملان بأمراض عقلية أو اضطرابات سلوكية. لذلك قال فليك إن "الباحثين يخططون لإجراء المزيد من الدراسات على الحيوانات باستخدام نسخ متقدمة من الجهاز "خلال السنتين أو الثلاث سنوات القادمة، ومن ثم إجراء أول تجربة بشرية خلال فترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات".

التجارب البشرية

أشار الباحثون إلى أن أجهزتهم الحالية تحتاج إلى تغييرات رئيسية لتصبح صالحة لتجرب على الأجنة البشرية، لعل أبرزها تقليص حجمها، لأن حجم الرضع الخدج يصل إلى حوالي ثلث حجم الحملان المستخدمة في الدراسة. بالإضافة إلى ذلك، يدرس الباحثون الجزيئات التي يمكن إضافتها إلى السائل الاصطناعي، الذي يحيط بالجنين، ليصبح مطابقا للسائل الطبيعي.

وفي المقابل، حذّر الدكتور فليك من أن هذا الجهاز لا يمكن اعتماده مع كل طفل وُلد قبل أوانه؛ مشيرا إلى أنه "من الشروط المُهمة لنجاح هذه التجربة ولادة الرضيع بعد إجراء عملية قيصرية وتسليمه مباشرة للأطباء لوضعه في الرحم الاصطناعي". وأضاف الدكتور فليك أنه "يتوقع أن يتمكن قرابة 50 في المائة من الرضع الخدج من التأقلم مع هذا الجهاز".

وتجدر الإشارة إلى أنه بمجرد وضع الرضع في الأجهزة، فمن المرجح أن يوضعوا في حاضنات مغطاة ومجهزة بكاميرات لتسهيل عملية المراقبة على الأطباء، فضلا عن أنه يمكن أن يتم تمرير أصوات أمهاتهم، حتى تكون بيئة الرحم الاصطناعي مألوفة للجنين". وأكد الباحثون أن هذا الجهاز لا يهدف إلى دعم الرضع الخدج الذين ولدوا بعد الأسبوع 23 من الحمل. وفي هذا الصدد صرح فليك بأن "أحجام الأجنة الصغيرة للغاية تجعل عملية توفير تدفق الدم الحيوي والتهوية صعبة على العلماء".

وفي الختام، بين الدكتور فليك أن هناك الكثير من الشائعات التي تحوم حول محاولة العلماء من خلال هذه الأبحاث خلق البشر بشكل اصطناعي. ولكن في الواقع لا توجد أي تكنولوجيا حالية تدعم هذه الفرضية وتؤكد صحة هذه الشائعات.

المصدر: لايف ساينس