شاب يلتقط صورة سيلفي في حديقة السلام بمقديشو

ترجمة حفصة جودة

بعد ظهر يوم الجمعة والضوء الخافت يمر عبر الأمواج التي تنكسر عند الشاطئ الطويل، وخلف الكورنيش المدمر يلعب مئات الأطفال كرة القدم بين منازلهم المهدمة، هذه أنقاض الميناء القديم لمقديشو الصومال، تلك المدينة التي مزقتها الحرب.

بعد أقل من 10 دقائق بالسيارة على الطريق السريع الذي أعُيد بناؤه حديثًا يبدو المشهد مختلف تمامًا، مئات الشباب والنساء يتنزهون على طول الشريط الرملي الضيق الذي خلّفه المد العالي، يجدفون ويسبحون ويشربون القهوة والمياه الغازية في المقاهي، وهناك انحشرت في زحمة المرور سيارة ليموزين قديمة مؤجرة من أجل حفل زفاف، أما سائقو سيارات "ريكشاو" فينادون من أجل التقاط الركاب.

"هناك جانبين لمقديشو: الجانب المروع، والجانب الذي نجلس فيه الآن"، هذا ما قاله عبد الرحمن عمر ياريسو وزير الإعلام الصومالي المعين حديثًا والذي كان يجلس على طاولة في فندق "بيتش فيو" ويشاهد الحشود المجتمعة للاستجمام بعد ظهر الجمعة.

الحشود تستجم وتستمتع بشواطئ مقديشو

هناك القليل من المدن التي تمر بتلك التناقضات الصارخة مثل مقديشو، لقد مرت 6 سنوات منذ أن انسحب مسلحو حركة الشباب الإسلامية من حرب الشوارع التي استمرت لـ20 عامًا متواصلة، لكن العنف اليومي يذكرهم بأن الحركة ما زالت تشكل تهديدًا هائلاً حتى لو اقتصر الأمر على المناطق الريفية، فقذائف الهاون تقتل الأطفال وقوافل الإغاثة تتعرض للقصف على الطريق، ورجال السياسة يُقتلون في الشوارع كل يوم، والمسلحون يهاجمون المخيمات والفنادق العسكرية بينما يفجر الانتحاريون أنفسهم في مطاعم المأكولات البحرية على الشاطئ.

يقول عبدي فاتا جاما، 29 عامًا، ومدير فندق "بيتش فيو": "تعرض المكان المجاور لنا للقصف لكن لم ينزعج أحد، فنحن دائمًا مشغولون ولا نشعر بالقلق"، على الرغم من هذا العنف المستمر فإن الاقتصاد مستمر في نموه، فقد عاد مئات المغتربين من الدول الغربية أو الإفريقية وافتُتحت العديد من الكليات لتلبية احتياجات الشباب الآخذ عددهم في الازدياد، وهناك العديد من الاستثمارات المزدهرة للمغتربين، كما ازدهرت وكالات العقارات فمنزل من طابقين يكلفك 100 ألف جنيه إسترليني، كما استضافت مقديشو مؤتمر "تيداكس" مؤخرًا.

في وسط المدينة، كانت حديقة السلام الجديدة مجهزة بالمراجيح والقلعة النطاطة وملعب كرة القدم والمقاعد التي تزدحم بالناس في عطلة نهاية الأسبوع وفي المساء عندما تنخفض درجة الحرارة، يقول ياريسو: "شعب الصومال شجاع ومرن جدًا، لا أحد يستطيع تغيير الوضع عندما يأتي الموت، لذا فهم يتجاهلون المشاكل والمدينة مستمرة في الازدهار والتقدم".

انفجار في سوق مقديشو في فبراير، أسفر عن مقتل أكثر من 12 شخصًا

الوضع ضعيف للغاية

لكن مقديشو والتي أصبحت بالفعل من أسرع دول العالم نموًا، على وشك أن تشهد تحولاً هائلاً يجلب لها تحديًا كبيرًا آخر، فالريف الصومالي القاحل يواجه مجاعة، نتيجة 40 عامًا من الجفاف والتمرد المستمر، هناك أكثر من نصف مليون شخص ينتقلون الآن بحثًا عن طعام ومياه ومأوى ورعاية طبية، وقد وصل إلى مقديشو الآن نحو 100 ألف شخص والعدد مستمر في الازدياد كل يوم، يخشى موظفو الإغاثة من الزيادة المستمرة لهذا العدد إذا لم تهطل الأمطار الشهر القادم، وحينها من المحتمل وصول مليون شخص إلى المدن الصومالية بحثًا عن مأوى بنهاية العام.

هذه الأرقام تسبب ارتباكًا للجهود الحكومية والمجتمع الدولي، توسع منظمة "انقذوا الأطفال الخيرية" نطاق جهودها في الصومال لتقديم المساعدات الأساسية لأكثر من مليوني شخص من بينهم 70 ألف في مقديشو، يقول حسن نور المدير القطري للمنظمة: "لقد أصبح الوضع هش للغاية"، كما يخطط موظفو الأمم المتحدة لتوزيع السلع على نطاق واسع.

في أحد المخيمات في ضواحي مقديشو، كانت المشكلة واضحة للغاية، فالمنطقة كانت مأوى لـ6 آلاف شخص، وكانت الخيام والملاجئ الضيقة قد استقبلت أكثر من 700 وافد جديد خلال يومين فقط في بداية هذا الشهر، والطعام الذي تقدمه المنظمة قد بدأ في النفاد.

تقول زارا على محمود - مدير المخيم، 29 عامًا -: "لا يمكننا التعامل مع الأمر، فالطعام ينفد وكذلك الوقود وكل شيء، هؤلاء الناس اضطروا للاقتراض أو التسول أو بيع ممتلكاتهم للحصول على المال والوصول إلى هنا، إنهم يصلون بلا شيء وصحتهم ضعيفة للغاية، كما يموت الكثير من الأطفال وهم في الطريق إلى هنا".

بارواكا عدن تسير 3 أيام مع طفليها التوأم - 5 أشهر - وطفلتيها 8 و10 سنوات لتصل إلى مقديشو

تنتشر الكوليرا وغيرها من الأمراض المعدية التي تقتل آلاف الناس في ريف الصومال، وهؤلاء النازحين من المناطق النائية قد ينشرون العدوى في المدن أيضًا، فقد تم تسجيل نحو 19 حالة في المخيم، تقول زارا: "من المتوقع وصول آلاف الناس في الأسابيع القادمة، نحن بحاجة للمساعدة وإذا لم نحصل عليها فسوف يموت الناس بكل بساطة".

تعاني الجهود الإغاثية من العنف المتوطن أيضًا، فحركة الشباب تستهدف بشكل ممنهج العاملين في المجال الإنساني الدولي، فقد تعرضت قافلة من "برنامج الغذاء العالمي" لهجوم بالقنابل على الطريق قرب مدخل المخيم، تدفق الناس يؤدي إلى إضعاف عملية إعادة إعمار مقديشو الهشة، مما يضع ضغوطًا هائلة على الخدمات الأساسية القليلة المتاحة لسكانها البالغ عددهم مليوني شخص، ويشكل تهديدًا أمنيًا على المدى البعيد.

يعترف المسؤولون أن المنطقة المحيطة بمقديشو "أرض محايدة" ومن المستحيل أن يتمكن رجال الشرطة والمسؤولون من دخول اثنين من أحياء المدينة على الأقل والمعروفين بدعمهم لحركة الشباب، وحتى المطار الدولي المحاط بحماية شديدة - حيث يوجد آلاف الدبلوماسيين وموظفي الأمم المتحدة والقوات الإقليمية للاتحاد الإفريقي - يتعرض للهجوم كثيرًا.

دار السلام منطقة سكنية جديدة شمال مقديشو

تكافح مقديشو لاستيعاب هذا التدفق القادم من الريف، فقد انتقل مئات الآلاف إلى المدينة في السنوات الأخيرة، بعضهم جاء من قريته بعد المجاعة الأخيرة عام 2011، ويعيش معظمهم في المستوطنات الشائعة على المساعدات أو الوظائف غير الدائمة، الظروف صعبة للغاية وهناك مخاوف من أن هذا العدد الكبير من الشباب العاطلين عن العمل قد يجعل هذه المخيمات بيئة خصبة للتطرف، ومع ذلك فهناك عدد قليل من الناس يفكر في العودة إلى دياره قريبًا.

تقول فادوما يوسف - 43 عامًا من قرية صغيرة تبعد 250 ميلاً عن مقديشو، وتعيش مع أطفالها الست في مخيم شابيل منذ 4 سنوات -: "لا يوجد ماشية ولا طعام، الوضع صعب للغاية ونحتاج جرافات لإزالة الشجيرات من أرضنا، لذلك سوف نبقى هنا".

يقول الخبراء إن الأمثلة من المراكز الحضرية الأخرى في إفريقيا تشير إلى أن مقديشو وغيرها من المدن الصومالية قد يحدث بها تحولاً اقتصاديًا، فقط في حالة وجود إدارة دقيقة وتدفق جديد من المساعدات الدولية.

يقول مايكل كيتنغ - الممثل الخاص للأمم المتحدة في الصومال -: " هذا التحول الهائل في المناطق الحضرية بمثل فرصة عظيمة، إنه طريق المستقبل، وهذا ما ينبغي القيام به لبناء اقتصاد مختلف وبلد مختلف، لكن الأمر يتطلب استثمارات ضخمة".

يهدف الطلب الحالي للحصول على أموال لتلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة في الصومال إلى جمع نحو مليار دولار (770 مليون جنيه إسترليني)، يعتقد كيتنغ أنهم بحاجة لكمية مماثلة من هذا المبلغ لمعالجة عواقب الأزمة الحالية.

نشأ ياريسو - وزير الإعلام - في مقديشو وعاد إليها عام 2008 بعد عدة سنوات قضاها في لندن، كانت المدينة وقتها تقع تحت سيطرة حركة الشباب، يقول ياريسو: "لقد كان وقتًا صعبًا، لكن الوضع تغير الآن بشكل كبير، الآن أفضل بكثير، نحن نعلم أن المجتمع الدولي سوف يساعدنا لكن الأمر يعتمد على الصوماليين، يجب عليهم أن يقوموا بذلك بأنفسهم".

المصدر: الغارديان