أكثر أفلام الأوسكار جماهيرية والأقرب لقلب المشاهد العربي

أحيل أوفي وهو رجل أرمل في نهاية العقد الخامس من عمره للتقاعد بعد ثلاثة وأربعين عامًا من العمل في محطة القطار، توفيت زوجته سونجا بعد معاناة مع السرطان منذ ستة أشهر فقط، وأصيب بالاكتئاب إثر وفاتها، فانعكس ذلك على معاملته للآخرين، فهو فظ غليظ، يقابل الجميع بتكشيرة منفرة، بات رجلاً يرفض التواصل مع الآخرين، يهتم أوفي بالحي الذي يسكن فيه، ودائمًا ما يقوم بدورية صباحية للتأكد من عدم وجود أي مخالفات في الحي، ويواظب يوميًا على زيارة قبر زوجته، واضعًا عليه باقات الورد.

بعد إحالته للتقاعد، يقرر أوفي الانتحار، وقبل إقدامه على ذلك، يفاجأ بانتقال عائلة جديدة للسكن بجواره، وتحطيمهم صندوق بريده بطريق الخطأ في أثناء ركن سيارتهم، يخرج أوفي من منزله غاضبًا، ويقوم بركن السيارة بالشكل الصحيح، يؤجل الانتحار لصباح اليوم التالي.

في الصباح، يغلق أوفي ستائر النوافذ، ويبدأ في شنق نفسه، ليستعيد ماضيه في لحظاته الأخيرة، ونعرف حكاية الرجل الذي يدعى أوفي، لكن مرة أخرى يجد من يدق بابه ويعطل عملية انتحاره، فهل سيقدم أوفي على الانتحار؟ أم ستخلق له البيئة المحيطة به دافعًا للبقاء؟

"الناس اليوم عاجزون حتى عن القيام بأبسط الأعمال وغير أكفاء، لا يستطيعون القيادة من الخلف أو إصلاح الإطارات، لا يهتمون سوى بتناول الغداء"!

السيناريو

اقتبس المخرج هانز هولمز الفيلم عن رواية بنفس الاسم للروائي فريدريك باكمان، الحدوتة تقليدية جدًا، شبيهة ببناء أفلام جراند تورينو لكلينت إيستوود والقديس فينسينت الذي قام ببطولته المخضرم بيل موراي، وهي أفلام تتمحور حول بطل طاعن في السن غاضب ومستاء، تتغير نظرته للحياة بعد انتقال جيران جدد بجواره وتفاعله معهم. 

البناء التقليدي ليس عيبًا بقدر ما هو تحدٍ للمخرج هولمز، فأي مخرج مبتدئ مكانه كان سيخرج بفيلم ضعيف أحداثه متوقعة للمشاهد، نجاح هذه النوعية من الأفلام قائم على عنصرين مهمين، أولهما أن تكون الشخصية الرئيسية جذابة ومستحوذة على انتباه وتعاطف المشاهد، وثانيهما تجسيد الممثل الرئيسي للشخصية.

نجح هولمز في العنصر الأول بامتياز لسببين، السبب الأول يكمن في كونه خلق شخصية منفرة، إلا أن مواقفها مع الآخرين تثير الضحك لدى المشاهد، وإذا كانت الشخصية الرئيسية تضحكك كمتفرج، فبالتأكيد سترغب أن تتابع هذه الشخصية، السبب الثاني استخدام هولمز الفلاش الباك لسرد قصة أوفي منذ الصغر وحبه وارتباطه بزوجنه سونجا، وهو ما خلق حالة من التعاطف لدى المشاهد تجاه أوفي وأزمته الوجودية.

التمثيل والشخصيات

وفق المخرج في العنصر الثاني، واختار الممثل رولف لاسجارد للقيام بدور أوفي في سن الكهولة، والممثل فيليب بيرج للقيام  بدور أوفي في سن الشباب.

الطريف أن هولمز اضطر للاستعانة بفريق المكياج السويدى المخضرم إيفا فون بور ولاف لارسون من أجل إظهار لاسجارد طاعنًا في السن على الشاشة، فرغم أنه يقترب من الستين، نفس سن شخصية أوفي، يبدو أصغر من سنه بكثير.

أوفي شخصية انطوائية وذكائها الاجتماعي محدود، فهو يعمل كمنظف للقطارات، واختلاطه بالناس محدود، على الجانب الآخر فهو واسع الحيلة ولديه موهبة تمكنه من فهم ميكانيكا الأشياء، فهو قادر على بناء الأثاث بنفسه، وإصلاح الأشياء الكهربائية والميكانيكية.

نجح المخرج في جعل أداء الممثلين لاسجارد وبيرج متقارب بحيث نصدق أنهما نفس الشخص، فقد قام المخرج بإحضار بيرج لمشاهدة لاسجارد وهو يؤدي مشاهده من أجل أن يقلد طريقة حركته ولغة جسده وصوته العميق.

لاسجارد توقيته الكوميدي رائع وقد أظهر نطاقًا تمثيليًا مبهرًا في المشاهد التي يظهر فيها فظاظته للآخرين، والمشاهد التي يقرر الانتحار فيها، وأخيرًا المشاهد التي يبدأ فيها التعلق بجيرانه الجدد عاطفيًا.

المحور الرومانسي للفيلم يكمن في شخصية سونجا حب أوفي التي جسدتها الممثلة إيدا انجفول، سونجا شخصية مثالية، مثقفة، قادرة على التعبير عن نفسها وتطمح للعمل كمدرسة، وظاهريًا تبدو كنقيض لأوفي، إلا أنها الوحيدة القادرة على فهم أوفي بكل نقائصه الاجتماعية مثل خجله وعدم قدرته على التعبير عن ذاته.

المشهد بالأسفل غير مترجم، لا يهم الحوار، تأمل أداء إيدا انجفول هنا، وكيف استطاعت أن تمتص توتر أوفي في المشهد.

الشخصية الفاعلة التي ستغير من مجرى حياة أوفي هي بارفاناه التي قامت بدورها باهار بارس، بارفاناه سويدية من أصل إيراني، ومتزوجة من باتريك (قام بدوره توبياس ألمبورج) وحامل في طفلها الثالث منه، تواجه بارفاناه العديد من التحديات بعد انتقالها بجوار أوفي، سواء التحضيرات للولادة أو التجهيزات التي يحتاجها المنزل الجديد، لذلك تجد في أوفي خير رفيق يعتمد عليه بالأخص في الأمور المنزلية.

بارس استطاعت تطعيم أدائها ببعض التفاصيل التي منعتها من الوقوع في فخ النمطية خاصةً فيما يتعلق بتجسيد مهاجرة من إيران، فهي شخصية صبورة وكريمة مع أوفي رغم فظاظته، ولا تتوانى رغم ذلك عن فرض نفسها عليه كي يساعدها في شؤون المنزل والأطفال.

الإخراج والتصوير

استخدم هولمز أسلوبًا مقيدًا في الإخراج قائمًا على التقطيع بين الكادرات الثابتة مع استخدام حركات الكاميرا قليلًا، الملاحظ أن هولمز حرك الكاميرا بعد ظهور بارفاناه وعائلتها في حياة أوفي، بينما قبل ظهورها اعتمد على الكادرات الثابتة للتأكيد على الرتابة والجمود الذي يسيطر على أوفي بعد وفاة زوجته.

عمل هولمز في العديد من الأفلام الكوميدية قبل هذا الفيلم، ولذلك نجد شكله الإخراجى بسيط ودون استعراض عضلات سواء بحركة كاميرا غير مبررة أو تقطيع استعراضي في غير محله، يتماشى هذا الأسلوب مع ميزانية الفيلم البسيطة التي لا تسمح بفرد العضلات، والتي جعلت هولمز يركز على العنصرين الذين تحدثنا عنهما سابقًا وهما الكتابة والأداء.

مدير التصوير جوران هالبيرج اعتمد على أسلوب إضاءة محاكي لطبيعة المكان والأجواء، فأغلب اللقطات ذات إضاءة متوسطة أو عالية، مما كان موفقًا مع دراما وجو الفيلم.

عرض الفيلم في السويد العام الماضى، وحقق نجاحًا مدويًا في شباك التذاكر هناك، رشح الفيلم لجائزة الأوسكار في فئة أحسن فيلم أجنبي ممثلًا للسويد، وفي فئة أحسن مكياج وتصفيف شعر، فيلم عبقري بامتياز.

التقييم: (X) فيلم عبقري ( ) جيد جدًا ( ) يستحق المشاهدة ( ) ممل ( ) بشع

رابط الفيلم على imdb

رابط إعلان الفيلم

رابط الفيلم على الوكيبيديا