العمل الخيري نافذة الملايين من المصريين للبقاء على قيد الحياة

بعد 6 أشهر من الشد والجذب، والمناوشات هنا وهناك، ورهان البعض على وعي النظام بخطورة الآثار المترتبة عليه، ها هو قانون الجمعيات الأهلية في مصر يخرج للنور رسميًا عقب تصديق رئيس الدولة عليه ونشره في الجريدة الرسمية الأربعاء 24 من مايو 2017 ليدخل حيز التنفيذ، مسدلاً الستار على حالة الجدل التي صاحبها منذ إقرار البرلمان له.

التصديق الرسمي على هذا القانون يضع نهاية شبه حتمية للعمل الخيري في دولة كان يتحمل هذا القطاع الأهلي فيها الجزء الأكبر من التزامات الدولة تجاه مواطنيها الفقراء، أما اليوم وبعد إقرار هذا القانون بات الحديث عن العمل الخيري "صرحًا من خيال فهوى".

صدمة حقوقية ومجتمعية جرّاء تجاهل النظام لاستغاثات ومناشدات الملايين من المتضررين من هذا القانون، والمضي قدمًا في اتخاذ تلك الإجراءات والقرارات التي تزيد كاهل الفقراء بالمزيد من الأعباء في الوقت الذي تتراجع فيه الحكومة وبشكل ملحوظ عن دورها المجتمعي، ليبقى السؤال: إن تخلى النظام عن الفقراء بزعم أنه أيضًا فقير فلما يغلق أبواب الخير أمامهم بعدما باتت المنفذ الأخير للبقاء على قيد الحياة؟ أو كما يقول المصريون في أمثالهم (لا بيرحم ولا بيسيب رحمة ربنا تنزل).

قانون سيئ السمعة

انتقادات لاذعة وجهت لهذا القانون منذ أن تم عرضه أول مرة تحت قبة البرلمان، سواء من قبل برلمانيين أو حقوقيين أو مهتمين بالشأن العام، فضلاً عن حالة القلق والترقب التي سيطرت على حزمة كبيرة من المواطنين المهددين بسبب بعض البنود التي وردت بالقانون.

التهديدات التي حملها "للجمعيات الأهلية" لا تتعلق بالنشاط المجتمعي وتأثيره على الفقراء فحسب، بل امتدت لتشمل مساحة كبيرة من الحريات والحقوق، إلى الحد الذي دفع البعض إلى وصفه بأنه "شهادة وفاة" لمنظومة الحقوق في مصر.

نستعرض هنا أبرز الانتقادات التي وجهت للقانون والتي لم ينظر إليها لا البرلمان ولا الرئيس بعين الاعتبار، رغم تأثيرها الكارثي على المجتمع داخليًا وعلى صورة مصر خارجيًا كما يحذر الحقوقيون.

أولاً: ديكتاتورية القرار

منذ أن كان القانون في صورته الأولية كمشروع مقدم لمجلس النواب للدراسة والنقاش، بدت ملامح ديكتاتورية القرار تظهر للعلن، حيث التصميم على المضي قدمًا في مناقشة المشروع رغم الاعتراضات عليه سواء من داخل المجلس أو من المنظمات الحقوقية المصرية والدولية.

وبعد مناوشات وجدل هنا وهناك، أقر البرلمان القانون بصورته الأخيرة دون أي تعديلات أو الأخذ بوجهات نظر الحقوقيين والجمعيات المعنية في هذا الشأن، ليتحول القانون بعدها إلى رئيس الدولة، وهنا توقع البعض أن الكرة باتت في ملعب الرئيس الذي طالما عزف على وتر الحوار المجتمعي والتحيز لصالح الفقراء.

ولكن بعد مرور ستة أشهر على بقاء مسودة القانون فوق مكتب السيسي، ورغم المناشدات والاستغاثات المقدمة للحيلولة دون تمريره، فوجئ الجميع بقرار التصديق عليه منشورًا في الجريدة الرسمية في الرابع والعشرين من مايو الحالي، دون أي تعديلات تذكر على القانون، وهو ما كان صدمة للجميع.

تهديدات"الجمعيات الأهلية" امتدت لتشمل مساحة كبيرة من الحريات والحقوق، إلى الحد الذي دفع البعض إلى وصفه بأنه "شهادة وفاة" لمنظومة الحقوق في مصر

ثانيًا: إجهاض العمل الخيري

طيلة العقود الماضية حلت الجمعيات الأهلية كـ"حكومة موازية" تسعى إلى علاج جوانب القصور في الدور المجتمعي للحكومة، لا سيما أنها كانت تغطي المناطق البعيدة داخل الأقاليم والنجوع والتي تسقط في كثير من الأحيان من حسابات الأنظمة الحاكمة.

عوضت تلك الجمعيات غياب دور النظام في تقديم الخدمات المجتمعية للفقراء، من علاج وتعليم وتنمية مجتمعية ودعم مادي، إلى غير ذلك من تلك الخدمات التي تفوقت فيها تلك الجمعيات ونجحت من خلالها في تحمل الجزء الأكبر من أعباء الحكومة.

لكن اليوم وبعد التصديق على القانون الجديد لا مجال للحديث عن العمل الخيري مرة أخرى، وهو ما تجسد خلال الفترة الماضية التي استبقت مناقشة القانون عبر غلق المئات من الجمعيات الخيرية بدعوى تجفيف منابع التطرف والإرهاب وهو ما نجم عنه سد نوافذ العلاج والدعم أمام الملايين من الفقراء ممن كانوا يعتمدون في المقام الأول على هذه المنافذ.

بحسب القانون لا يجوز للجمعية تلقي التبرعات إلا بعد موافقة الجهات المختصة، كما لا يجوز التصرف فيها إلا بموافقة تلك الجهات أيضًا، وفي مدة زمنية محددة تقدر بـ60 يومًا، إن مرت دون أن يتم الرد على تلك الجمعيات تصبح لاغيه ولا يجوز التصرف فيها، مما يعني تعرض حياة الملايين للخطر خاصة فيما يتعلق بعلاج الأطفال والحالات الحرجة.

كما أنه من حق تلك الجهات عزل وإقالة مجلس إدارة الجمعيات في أي وقت طبقًا لبعض البنود المتعلقة بمخالفة لوائح تلقي التمويل والتبرعات أو إنفاقها في غير الجهات التي خصصها القانون، إضافة إلى أنه لا يمكن إنشاء أي جمعية إلا بضوابط محددة أبرزها دفع مبلغ عشرة آلاف جنيه عند التأسيس، وهو عكس ما كان معمولاً به في القانون رقم 84 لسنة 2002.

إلزام الجمعيات الأجنبية في مصر الحصول على ترخيص بالمزاولة كل ثلاث سنوات، مع دفع مبلغ قرابة 300 ألف جنيه مصري (16.6 ألف دولار) تزيد بنسبة 5% كل خمس سنوات

ثالثًا: تقليص الجمعيات الأجنبية

رسخ القانون الجديد بعض المبادئ والبنود التي من شأنها عرقلة وتطويق دور الجمعيات الأجنبية العاملة في مصر، وهو ما دفع البعض إلى اتهام النظام بمحاولة تقليم أظافر الجمعيات الحقوقية الدولية التي تراقب الوضع الحقوقي داخليًا وتسعى لخدمة المصريين في الدفاع عن حقوقهم المغتصبة هنا وهناك.

القانون الجديد يلزم أي جمعية أجنبية في مصر الحصول على ترخيص بالمزاولة كل ثلاث سنوات، مع دفع مبلغ قرابة 300 ألف جنيه مصري (16.6 ألف دولار) أو ما يعادله بالدولار تزيد بنسبة 5% كل خمس سنوات، وأن تكون جميع أنشطة الجمعية تحت سمع وبصر أجهزة الدولة المعنية، سواء من حيث التمويل والدعم المقدم، كذلك الجوانب الإدارية والتحركات التي تقوم بها.

كما ينص القانون أيضًا أن "يحظر على المنظمة الأجنبية غير الحكومية المصرح لها إرسال أو نقل أو تحويل أي أموال أو تبرعات إلى أي شخص أو منظمة أو هيئة أو مؤسسة أو جهة في الداخل أو الخارج إلا بعد التصريح لها بذلك من الجهاز وباتباع القواعد المقررة التي يضعها الجهاز"، كما أنه في جميع الأحوال لا يجوز للجمعيات أو الكيانات الخاضعة لأحكام هذا القانون الاستعانة بالأجانب سواء في صورة خبراء أو عاملين دائمين أو مؤقتين أو متطوعين إلا بعد الحصول على ترخيص بذلك من الجهاز وفق الإجراءات والمستندات التي تحددها اللائحة التنفيذية لهذا القانون.

رابعًا: التعتيم المعلوماتي

من البنود التي أقرها القانون الجديد في مادته الـ(14) حظر المشاركة في تمويل أو دعم أو ترويج الحملات الانتخابية لأي مرشح في الانتخابات الرئاسية أو النيابية أو المحلية أو حملات الدعاية الحزبية أو تقديم الدعم المالي للأحزاب أو لمرشحيها أو للمرشحين المستقلين أو تقديم مرشح في تلك الانتخابات باسم الجمعية، كذلك حظر إجراءات استطلاعات الرأي أو نشر أو إتاحة نتائجها أو إجراء الأبحاث الميدانية أو عرض نتائجها قبل عرضها على الجهاز للتأكد من سلامتها وحيادها.

كما حذر القانون من إبرام اتفاق بأي صيغة كانت مع جهة أجنبية داخل أو خارج البلاد قبل موافقة الجهاز به وكذلك أي تعديل يطرأ عليه.

تضييق الخناق بهذه الصورة يحصر منافذ المعلومات في منفذ واحد فقط وهو الدولة، ويجعلها المتحكم الوحيد في نشر المعلومة بالكيفية والصورة التي تريدها، ويحول بين المواطنين والمعلومات الموضوعية التي تعكس الواقع بصورة كاملة.

القانون حظر على الجمعيات إجراءات استطلاعات الرأي أو نشر أو إتاحة نتائجها أو إجراء الأبحاث الميدانية أو عرض نتائجها

خامسًا: المجتمع المدني في قبضة الأمن

بحسب المادة (72) فإنه سيتم تشكيل ما سمي بـ"الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية" وهو المختص بعمل ومراقبة الجمعيات الأجنبية العاملة في مصر، ومن المفترض أن يتم تشكيله من ممثل لوزارة الدفاع، ممثل لوزارة الداخلية، ممثل لجهاز المخابرات العامة، ممثل لوحدة غسيل الأموال بالداخلية، ممثل لهيئة الرقابة الإدارية، ممثل لوزارة العدل، ممثل لوزارة الخارجية، ممثل لوزارة التعاون الدولي، ممثل للبنك المركزي، ما دفع البعض للسخرية من هذا التشكيل بالقول: "هذا مجلس حرب وليس مجلس جمعيات أهلية".

أما المادة (73) فأشارت إلى أنه من الممكن أن تكون كل أعمال تلك الجمعيات في مهب الريح ويتم رفضها حال عدم اكتمال النصاب القانوني لاجتماع الجهاز والمقرر له مرة كل شهر، إذ قالت: "ويعتبر الموضوع المعروض على الجهاز مرفوضًا إذا لم يتوافر النصاب اللازم لاتخاذ القرار، ويبطل كل عمل أو قرار على خلاف ذلك".

سادسًا: تغليظ العقوبة

وفي النهاية من لم يلتزم بما سبق وفق البنود واللوائح التي أقرها القانون الجديد فإنه معرض للحبس والغرامة وليس الغرامة فقط كما كان معمولاً به في القانون السابق.

القانون الحالي تتراوح فيه العقوبة بين الحبس الذي يصل في بعض الأحيان إلى خمس سنوات، والغرامة التي تصل إلى نصف مليون جنيه، ومن ثم بات العاملون في هذا المضمار مهددون في أي وقت لو فكر أي منهم مخالفة ما سبق، كما أن ذريعة ملاحقة كل العاملين في مجال جمعيات حقوق الإنسان والعمل الأهلي باتت قانونية مئة بالمئة.

عبد الغفار شكر:  قانون الجمعيات الأهلية سيجعل الجمعيات تحت وصاية الأمن ويمنع استقلالها

سجل مشين لحقوق الإنسان في مصر

علامات استفهام

العديد من التساؤلات فرضت نفسها على ألسنة بعض الحقوقيين عقب التصديق على القانون الجديد ونشره في الجريدة الرسمية، أبرزها : لماذا الآن؟ علمًا بأن مثل هذه القوانين تسيء لمصر خارجيًا وتضعها في موقف حرج أمام منظمات حقوق الإنسان الدولية.

المحامي والحقوقي نجاد البرعي لفت إلى أن السيسي لم يستمع لنداءات وانتقادات كل طوائف المجتمع الرافضة للقانون، وأنه أصر على تمريره دون وجود مبرر معلن حتى الآن.

البرعي في تصريحات له استبعد أن تكون دوافع إصدار القانون داخلية، ملفتًا أنه من المرجح أن تكون هناك ضغوطًا خارجية دولية تقف وراء إقرار هذا القانون في هذا التوقيت.

أما عبد الغفار شكر نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، فقال معلقًا على التصديق على القانون "إنه جاء مفاجئًا للجميع" مضيفًا "أن قانون الجمعيات الأهلية سيجعل الجمعيات تحت وصاية الأمن ويمنع استقلالها ونص القانون على وجود لجنة تنسيقية من شأنها تلقي التمويل الأجنبي واختيار الشخصيات المرشحة للجمعيات وبذلك يجعل أغلب الأشخاص الابتعاد عن العمل التطوعي للجمعيات".

إساءة لسمعة مصر

كان "نون بوست" قد نشر تقريرًا قبل فترة استعرض فيه ردود فعل بعض البرلمانيين عن مشروع القانون خلال مناقشته بالبرلمان، ورغم مرور 6 أشهر على تلك الاستغاثات إلا أنه قد تم التصديق عليه دون أي اعتبار لتلك المطالب والتحذيرات.

فقد استنكر البرلماني السابق باسل عادل، الموافقة على القانون قائلاً: "أما بالنسبة "لسلق" قانون الجمعيات الأهلية، فعلينا تحية النائب الوحيد الذي تمكن منفردًا من صنع قانون كبير وحساس "كسلقي" أولى في تاريخ البرلمان".

من جانبه علق ناصر أمين عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، على القانون بقوله: "إقرار قانون الجمعيات الأهلية غير الدستوري يعني تدمير كل مقومات العمل الأهلي، وآثاره ستكون مفزعة إلى حين إلغائه مثل القانون رقم 32 لسنة 1964".

أما النائب هيثم الحريري، فقال: "قانون الجمعيات الأهلية خرج في مناخ غير صحي"، مشيرًا إلى أنه لا يوجد أي حوار مجتمعي عن القانون، مضيفًا أن"القانون سيقيد عمل الجمعيات، لأنه خلق جهازًا موازيًا للتضامن الاجتماعي يرأسه مجلس حرب مصغر".

الحريري أضاف "الجمعيات الأهلية في مصر بتشتغل في 60 مليار جنيه في خدمة المصريين، منها مستشفيات وغيره، وليس كل الجمعيات الأهلية في مصر جمعيات حقوقية"، وتابع "لو الجمعيات الحقوقية مسببة للحكومة مشاكل تقتلها أو تقفلها، لكن بلاش نقيد عمل الجمعيات الأخرى التي تستهدف تحسين صحة المواطن والنظر في شؤونه".

هيومن رايتس ووتش: القانون سيدمر المجتمع المدني في البلاد لأجيال وسيحوله إلى ألعوبة في يد الحكومة

إدانات حقوقية دولية

في بيان لها استنكرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" القانون، مؤكدة أنه سيمنع المنظمات غير الحكومية المستقلة من العمل، لأنه سيجعل عملها وتمويلها خاضعين لمراقبة السلطات الحكومية، بما في ذلك الأجهزة الأمنية.

المنظمة على لسان سارة ليا ويتسن مديرة قسم الشرق الأوسط، قالت في بيان لها: "إذا مُرر هذا القانون، فسيكون من المضحك القول بأن مصر تسمح بعمل المنظمات غير الحكومية لأنه سيجعلها تحت رقابة الأجهزة الأمنية".

وفي السياق نفسه قال ماينا كياي المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات في 23 من نوفمبر الماضي: "القانون سيدمر المجتمع المدني في البلاد لأجيال وسيحوله إلى ألعوبة في يد الحكومة"، مضيفًا أنه يشبه مشروعًا مماثلاً اقترحته الحكومة في 2014 ونحّته جانبًا بعد انتقادات واسعة، من بينها انتقادات من هيومن رايتس ووتش.

25 مليون مصري تحت مستوى خط الفقر

من للفقراء؟

بعيدًا عن الآثار السلبية لهذا القانون على جمعيات حقوق الإنسان وشرعنته لمزيد من تضييق الخناق على المنظومة الحقوقية داخل مصر، إلا أن التأثير الأكثر خطورة يتمثل في مصير الملايين من الفقراء المعتمدين على هذه الجمعيات الخيرية في تدبير شؤون حياتهم.

25 مليون مواطن مصري يعانون من الفقر بحسب تقرير للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فضلاً عن عشرات الملايين من المرضى ممن لا يستطيعون العلاج في المستشفيات الخاصة في ظل الغياب شبه التام للخدمات الصحية الجيدة في المصحات الحكومية، معظم هؤلاء كانوا يجدون ضالتهم إلى حد ما في الجمعيات الخيرية والعمل الأهلي، لكن حين تغلق هذه الجمعيات من يبقى للفقراء؟

ومن ثم فإن المشرع في مصر سواء كان برلمانًا أو نظامًا لا تقلقه صرخات المحتاجين ولا أنات المرضى ولا استغاثات الجوعى قدر ما يهمه السير قدمًا في تنفيذ ما يريد دون أي اعتبارات لانتقادات هنا أو اعتراضات هناك، ويظل المواطن المصري ضحية الديكتاتورية في اتخاذ القرار ليسقط وبصورة كاملة من حسابات القائمين على أمور هذا الوطن.