إن كنت تحلم بالعيش في دولة تستجيب لجميع قيمك وتطلعاتك وتتناسب مع أسلوب حياتك، فلماذا لا تقوم ببناء بلد خاص بك؟

ترجمة وتحرير: نون بوست

حوالي نصف مساحة الكرة الأرضية يصطبغ باللون الأزرق؛ ويتمثل في مياه دولية لا تخضع لسيادة أي دولة، ولذلك فإن المدن الجديدة التي يتم ابتكارها الآن والتي توجد في المياه الدولية سوف تصبح قريبا الحل الأفضل من ناحية النجاعة الاقتصادية، خاصة مع تطور وسائل البناء وتقلص كلفتها، وظهور أدوات جديدة مثل الطابعات ثلاثية الأبعاد، وأفكار جديدة صديقة للبيئة. كل هذه التطورات سوف تخدم مشروع المدن العائمة، التي ستكون وطنا جديدا في عرض البحر.

بحلول العام 2020، ستنجح شركة بلو فرونتيرز، وهي مؤسسة ربحية نشأت كفرع من معهد دراسات المدن العائمة "سيستاد"، في استصدار تشريعات جديدة وخلق فرص لتشييد جزر عائمة صالحة للحياة وصديقة للبيئة، ومصممة للتأقلم مع تغير مستوى سطح البحر. هذه المشاريع سيتم تمويلها وبناؤها من قبل شركات صناعات بحرية محلية، تعتمد على أحدث صيحات في عالم التكنولوجيا البحرية.

وقد نجحنا بالفعل في استقطاب تمويلات ضخمة، من أجل تغطية كلفة الأبحاث العلمية والجهود لاستصدار تشريعات لهذا الغرض، ولذلك فإن العالم مقبل على موجة جديدة من أعمال البناء والتوسع السكاني.

ويأتي هذا التطور في وقت يظهر فيه المزيد من السكان حاجة ملحة للهروب من الواقع في اليابسة، إذ أن أعداد متزايدة من الأمريكيين يعبرون عن نفاذ صبرهم حيال السياسات الحكومية، وقد أظهر استطلاع للرأي أجرته صحيفة الواشنطن بوست مؤخرا أن قرابة ثلثي الأمريكيين لا يثقون لا بالحزب الديمقراطي ولا بالجمهوري، ويشعرون بأن كليهما لا يمثلانهم.

ولكن هذا الشعور ليس جديدا، إذ أن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة كانوا هم أيضا يشعرون بالإحباط في أوطانهم الأصلية، وبعد أن نفذ صبرهم قرروا الرحيل. وفي ذلك الوقت مثّل العالم الجديد أو القارة الأمريكية منصة رحل إليها كل من يدفعهم الطموح السياسي من أجل تجربة أفكار مبتكرة وغير تقليدية. وفيما تم إرساء حدود ودول جديدة في أنحاء القارة، مثّل هذا الفضاء حقل تجارب لأنماط جديدة من الحكم، وهو ما أدى لتشكيل الولايات المتحدة كما نعرفها اليوم.

 

نموذج لمدينة "أرتيسانوبوليس" البحرية المزودة بمصدّات للأمواج، من تصميم مؤسسة "سيستاد"، في المياه الساحلية الضحلة. قباب البيوت المكيفة ستوفر المجال لإنتاج مواد فلاحية محلية

وبعد مرور أكثر من 200 عام على اكتشاف القارة، تم الاستحواذ على أغلب هذه الأراضي والسيطرة عليها من قبل حكومات دول أوروبية نشأت في القرون السابقة، وهو ما جعل أعالي البحار آخر سبيل بالنسبة لمحبي التجديد والابتكار.

وفي خطاب له في مؤتمر تيد توك في سنة 2008، قال مستكشف المحيطات روبرت بالارد: "لماذا وضعنا مخططات لبناء مجمعات سكنية في كوكب المريخ، ولكننا إلى حد الآن لم نضع خطة للاستيطان في بعض أجزاء الكوكب الذي نعيش فيه؟ رغم أن التكنولوجيا التي تمكننا من ذلك موجودة."

وفي نفس السنة، قرر اثنان من أبرز المستثمرين في وادي السليكون، وهما بيتر ثييل وباتري فريدمان، تأسيس معهد دراسات المدن العائمة "سيستاد"، من أجل توعية الشركات الناشئة بضرورة إيجاد حل لتسلط الحكومات واستحالة نجاحها في اجتذاب الناس للعيش تحت سلطتها.

 

أول شركات ستتخذ من أعالي البحار مقرا دائما لها قد تكون مؤسسات الرعاية الصحية التي تقدم خدمات متطورة للمرضى الذين يقدمون على هذا الاختيار  

وقد أعلن المستثمر المغامر بيتر ثييل أن الشكل الحالي التقليدي للدول لا يتناسب مع التكنولوجيات الجديدة والمرنة التي تظهر باستمرار. إذ أن الدراسات تشير على سبيل المثال إلى أن العديد من الأقسام والإدارات التابعة للحكومة الأمريكية لا تزال إلى حد الآن تستعمل القرص المرن في حفظ المعلومات. أما الباحث والمنظر الاقتصادي والسياسي باتري فريدمان، الذي يعمل أيضا كمهندس في شركة غوغل، فقد أشار إلى أن ستيف فوزنياك لم يقم بتغيير شركة "أتش بي" لتصنيع الحواسيب من الداخل. إذ أن مقترحه الفريد لاعتماد تصميم جديد للحاسوب الشخصي تم رفضه في خمس مناسبات، ولذلك غادر الشركة وأسس شركة "آبل" بالتعاون مع ستيف جوبز.

إذا أين سيذهب أشباه فوزنياك من الحالمين بأسلوب حوكمة جديد؟

سارع للاتحاد مع من يشبهونك في التفكير، وقم بوضع خطة عمل من أجل بيع منتج جديد وغير مسبوق للعالم، وأقنع الناس بالقدوم للعيش فوق جزيرتك العائمة. إذا قرر المهاجرون القدوم وتأسيس مجتمع صغير ومزدهر، فإن هذه القرية العائمة التي أسستها سوف تتوسع وتصبح مدينة كبرى. أما إذا تعرضت هذه الجزيرة العائمة للإفلاس، فيمكن تفكيكها والتفويت فيها على أجزاء للمدن العائمة الأخرى، لتعويض الخسارة.

 

المنصات العائمة المبنية بواسطة طابعات ثلاثية الأبعاد في المحيطات لن تشابه ناطحات السحاب المثبتة في الأرض. هذه المدينة البحرية تشبه في تصميمها سمكة شيطان البحر

وهذا العالم الذي نعيش فيه لا يعوزه الحالمون والمبتكرون الذين يؤمنون بأنهم يمكنهم خلق مجتمعات أفضل، كما أنه لا يعوزه المؤسسون المستعدون للاستثمار في هذا العالم الأزرق الجديد. وبما أن الناس سيكون بإمكانهم قبول أو رفض العيش في هذه المستعمرات المائية بمحض إرادتهم، فإن سوقا جديدة ستتطور وستدفع نحو اكتشاف طرق جديدة للتعايش المشترك وتحقيق حياة أفضل.

كما أن المتساكنين سيمارسون تأثيرا مباشرا في مجتمعاتهم العائمة، حتى لو كان عددهم لا يتجاوز المئات، وهو ما لا يتمتعون به في بلدانهم الأصلية ومجتمعاتهم القديمة التي تعد مئات ملايين السكان. إضافة إلى ذلك فإنه على عكس الحكومات الموجودة حاليا، فإن الجزر العائمة لا توجد بينها توترات وتهديدات كالتي تنشأ بين الدول.

ويذكر أن المدن الصغيرة العائمة بدأت بالتكاثر في المحيطات، إذ أن عمال منصات التنقيب على النفط يتواجدون على الغالب لمدة أسبوعين من كل شهر في عرض البحر، أي أنهم يعيشون في مجمعات سكنية عائمة تشبه الفنادق الفخمة، حيث يتمتعون هنالك بحمامات البخار وقاعات الرياضة وخدمة تنظيف الملابس ومشاهدة القنوات المشفرة. كما أن هذه المنصات البحرية التي تبلغ مساحتها غالبا ضعف مساحة ملعب كرة قدم، تتمتع باستقرار كبير لدرجة أنه يمكن لعب كرة الطاولة فيها.

 

تصميم متروبوليس 2055، أحياء نموذجية يمكن فصلها ونقلها لإلحاقها بمنصات بحرية أخرى أو تشكيل مدن جديدة. هذا تجسيد لفكرة حرية الحركة في المجتمعات الحرة

كما أن إدارة هذه المنصات العائمة بشكل ذاتي هي أيضا ظاهرة تشهد تزايدا مستمرا. ففي بحر العام الحالي، سيختار 20 مليون شخص التواجد في عرض البحر، منهم سياح سيذهبون لقضاء عطلات وموظفون سيذهبون للقيام بعملهم، وفي كلتا الحالتين فإنهم سيتمتعون بالشعور بالأمان وبحماية شخصية ورعاية صحية متكاملة. في هذا الصدد يذكر أن مدينة ألعاب ديزني كانت دائما محط إعجاب بسبب قدرة القائمين عليها على إدارة شؤونها كأنها دولة مستقلة بذاتها. واليوم يوفر قطاع السياحة البحرية فرص عمل موسمية لعدد كبير من الناس في العالم النامي، ولكن مع وجود المدن العائمة فإنه ستتوفر لهؤلاء فرص عمل دائمة وليست فقط موسمية، بالإضافة إلى مساكن وخدمات متكاملة.

وفي الأثناء قررت حكومة بولينيزيا الفرنسية تقديم عرض لاحتضان أول دولة عائمة. هذه الأرخبيلات الواقعة في جنوب المحيط الهادي، والتي ورثت ثقافة البحّارة واكتشاف المحيطات، قررت حكومتها مد يد العون لمعهد دراسات المدن العائمة، وإعلامه بأنها تمتلك كل المقومات اللازمة من أجل إنشاء بلد عائم في عرض البحر: مياه دافئة وهادئة، مصدّات طبيعية لكسر الأمواج، وثقافة شبابية تتوق للعمل في عرض البحر.

في 31 كانون الثاني/يناير 2017، وقعت حكومة بولينيزيا الفرنسية على مذكرة تفاهم مع معهد دراسات المدن العائمة، نص على الاتفاق على العمل جنبا إلى جنب من أجل إصدار تشريع جديد يتيح "آلية حكم خاصة"، حتى يمكن لرواد هذه الفكرة إنشاء مجتمعات جديدة في منتجعات محمية قرب تاهيتي.

وقد تم بناء مجسم حقيقي لهذه الجزر العائمة، وهو موجود الآن في هولندا، وقام بتصميمه مهندسون من شركة دلتا سينك، بالتعاون مع مجموعة من المهندسين المعماريين. هذا النموذج العائم موجود في مدينة روتردام، ويمتاز بكونه مستداما ويمكن نقله من مكان إلى آخر، ويعتمد على الطاقة الشمسية، وبالتالي فهو يمثل نموذجا حيا على ما يسميه الهولنديون "الهندسة المقاومة لتغيرات المناخ".

المصدر: سي إن إن