الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في اجتماع القمة العربية بالأردن في شهر مارس

ترجمة حفصة جودة

في عالم غامض من الدبلوماسية العربية، كثير من الأمور ليست كما تبدو، فعلى السطح، كان السبب الذي دفع المملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات ومصر إلى قطع خطوط السفر البرية والبحرية والجوية مع شبه الجزيرة القطرية هذا الأسبوع، واضحًا بما فيه الكفاية، اتهمت دول الخليج جارتها القطرية بمنح المساعدة للتطرف الإسلامي ومن ضمنه ما يسمى بالدولة الإسلامية.

أيد الرئيس الأمريكي هذا الرأي عبر تويتر وأضاف أنه ناقش تمويل الفكر الراديكالي في أثناء زيارته الأخيرة للشرق الأوسط، وقال إن قادة دول الخليج ألقوا باللوم على قطر.

رغم ملاءمة هذه السردية، هناك قوى أخرى في هذه اللعبة، تعرضت قطر للنبذ من جيرانها الأشقاء لأنها لم تخضع للرؤية الجماعية في الشرق الأوسط الآن والتي يتشاركها بشكل عام المملكة العربية السعودية والإمارات والاحتلال الإسرائيلي.

تُعاقب قطر على رفضها القبول بالوضع القائم منذ 40 عامًا

لا شك بأن عشيرة آل ثاني التي تحكم قطر من عاصمتها الدوحة مولوا مسحلين يقاتلون ضد نظام الأسد في سوريا، كما أنها تدخلت في الشؤون الداخلية لدول عربية أخرى من خلال دعمها لجماعة الإخوان المسلمين خاصة في مصر، لكن هذه الأمور لها علاقة صغيرة نسبيًا بلعبة إقليمية واسعة، وحتى مع السماح للنفاق السعودي الواضح بتوجيه تلك الاتهامات، نظرا لتاريخ السعودية في دعم الجماعات السنية المسلحة في سوريا وتدخلها العسكري في اليمن، فمن المعروف أن هذه الادعاءات أخطأت كثيرًا في تلك النقطة.

الخطيئة الشنيعة التي تُعاقب عليها قطر هي استعدادها للاعتراف بأن إيران تحتل موقعًا كبيرًا كقوة إقليمية مهمة وأن الإسلاميين السياسيين مثل حماس وحزب الله لهم دور في تحديد مستقبل الشرق الأوسط، لذا تُعاقب قطر على رفضها القبول بالوضع القائم منذ 40 عامًا ولأنها تجرأت على تحدي العرف الشائع لدى دول الخليج والذي يقول بأن سحق طهران ودعم العسكريين الأقوياء وقمع الإسلام السياسي المسار المناسب للمنطقة.

وضع الدوحة منذ الربيع العربي كبطل الإصلاح السياسي يتعارض مع الطبيعة شبه الإقطاعية لنظامها الحاكم

بالنسبة لحكومات السعودية والإمارات والاحتلال الإسرائيلي فهذا التفكير المختلف ليس مجرد أمر غير مرغوب فيه لكنه هرطقة، وبينما تعلن هذه الدول الثلاثة دعمها للسلام في الشرق الأوسط، فإن مصالحهم الذاتية الضيقة توجه تفكيرهم، هذه النظرة الضيقة تدعم من حلفائهم غير المحتملين.

هذا الأمر لا يعني أن قطر بريئة ولا تستحق أي انتقاد، فوضع الدوحة منذ الربيع العربي كبطل الإصلاح السياسي يتعارض مع الطبيعة شبه الإقطاعية لنظامها الحاكم، حيث تفرض أسرة آل ثاني الحاكمة وما يقارب 200 ألف من المواطنين القطريين سيطرتهم على السكان الأجانب البالغ عددهم مليوني نسمة.

كان الموقف الغاضب للمهاجرين الذين يعملون في مشاريع البناء لكأس العالم 2022 قد حظي بتغطية واسعة، لكن هناك تاريخ من الانتهاكات الأخرى والتي لم تنل هذه التغطية، في إحدى هذه الحالات سحبت الحكومة الجنسية من 5000 فرد من إحدى العائلات منذ عام 2004 بعد اتهامهم بتورطهم في مؤامرة مقرها السعودية للإطاحة بوالد الأمير الحالي عام 1996.

وجهة نظر قطر عن إيران وحماس وحزب الله ليست السبب في هذا التحول المفاجئ

ولتبرير قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، أشارت السعودية إلى تصريحات نُشرت مؤخرًا منسوبة للأمير القطري تمتم بن حمد آل ثاني يثني فيها على إيران، رفضت قطر هذه الادعاءات ووصفتها بأنها "أخبار مزورة" وجزء من هجوم واسع النطاق على خدمة الأخبار الوطنية.

هذه التوترات ليست جديدة، ووجهة نظر قطر عن إيران وحماس وحزب الله ليست السبب في هذا التحول المفاجئ، فإلى حد ما كانت قطر - التي تحتوي على 10 آلاف جندي أمريكي في قاعدة العديد الجوية - قد اتخذت زمام المبادرة من مذهب أوباما في التعامل مع إيران الذي أدى إلى إبرام الاتفاقية النووية عام 2015، هذا التوافق الدبلوماسي ووجود القاعدة الجوية ذات الأهمية الاستراتيجية يعني أن قطر تتمتع بحماية أمريكية بينما تتابع العمل على أجندتها الإقليمية.

تغير الأمر مع وصول إدارة جديدة ومختلفة تمامًا إلى واشنطن، فبعد أن أحاط الرئس ترامب نفسه بمجموعة من المستشارين المهووسين بتهديد هذا الثنائي "النفوذ الإيراني" و"الارهاب الإسلامي المتطرف"، أصبح منطقيًا أن تقرر السعودية بأنه قد حان وقت العمل، معاقبة قطر وعزل إيران يتناسبان أيضًا مع تقدير حكومة الاحتلال الإسرائيلي لمصالحها الاستراتيجية، حيث تواجه قوات حزب الله في الشمال وحماس في غزة على حدودها الجنوبية الغربية.

ومع اكتشافها للتوجه الجديد للولايات المتحدة، تتعلم قطر أن هناك ثمن يجب أن تدفعه نتيجة حب الاستطلاع بشأن الموقف التقليدي القائم.

المصدر: نيويورك تايمز