يرجع تاريخ مدينة تيميمون إلى آلاف السنين

أقصى جنوب غرب الجزائر على هضبة تدميات بأعماق صحرائها الشاسعة، بسطت مدينة تيميمون ردائها الموشّح بالأخضر والأحمر والأصفر، وفتحت ذراعيها لاستقبال محبي الطبيعة ورحالات السفاري ومستكشفي التاريخ.

رائحة المدن تشدّ الرحال في جولتها الأسبوعية في مدن المغرب العربي إلى عروس الصحراء الجزائرية، أو ما يطلق عليها "الواحة الحمراء"، تيميمون الساحرة بنخيلها والمتألقة بقصورها العتيقة والثرية بتاريخها الحضاري.

طبيعة ساحرة

لم تمنعها الكثبان الرملية الصحراوية الممتدّة مدى البصر أن تتألق بل كانت أحد أهم روافد بروزها وإشعاعها ليس في الجزائر فقط بل على الصعيد الدولي أيضًا، فتيميمون عرفت بكونها نموذجًا في مجال مواجهة التحديات المناخية بالمناطق الصحراوية والجافة، وفيها يمكن للزوار أن يمتطوا الجمال مع السكان الطوارق ويناموا على الكثبان الرملية تحت النجوم.

كثبان رملية تحيط بالمدينة من كل جانب

هضاب وتلال صغيرة ذات تربة حمراء مترامية تتوسطها واحات نخيل شامخة، وقصور متناثرة ومغارات وقصبات قديمة، بعض المشاهد التي تعترضك أول ما تطئ قدماك مدينة تيميمون مشكلة لوحة فنية تشكيلية، جعلت من المنطقة مقصدًا سياحيًا مميزًا يفتتن بها السياح الذين يجدون في هذه المدينة السكينة والهدوء، ففي فصل الشتاء تكون المدينة ملجأ لكل من يبحث عن الدفء، حيث تتميز بالإضافة لطبيعتها الخلابة خاصة مشهد الشمس عند الغروب وهي تختفي بين كثبان الرمال حتى تلتقي بالأرض في مشهد بديع، بطقسها الدافئ المعتدل الذي يشدّ السياح له الرحال للتمتع به.

قصور وقصبات

إلى جانب اشتهارها بواحات النخيل الكثيفة والأشجار والنباتات الصحراوية وطقسها الدافئ، تشتهر تيميمون أيضًا بقصورها الحمراء مترامية الأطراف بين كثبان الرمال، حيث كونت قديمًا كل قبيلة قصورًا تتجاور بناياتها في شكل هندسي جذاب، لا يمكن التعرف على بدايتها من نهايتها إلا عند حدود الأبواب، ويجمع بينها دروب طويلة ضيقة تحمي السكان من حرارة الشمس، إذ يمنح السقف المصنوع من سعف النخيل بعض الانتعاش ولطافة الجو.

أحد قصور المدينة

والقصر بالمفهوم المحلي عبارة عن تجمعات سكانية مبنية بالطوب الأحمر المحلي، ومنه أخذت تيميمون اسمها أي الواحة الحمراء، فاللون الأحمر الطيني منتشر في كل مكان، وعلامة يد الإنسان التي تعد إرثًا حضاريًا تزين واجهة المباني في شكل هندسي جذاب، وما زاد المكان روعة أشجار النخيل الباسقة والتي ألقت بظلالها على الشوارع وبعثت بالجو بعض الانتعاش.

أزقة تيميمون

كما تتميز تيميمون إلى جانب القصور العتيقة بالقصبات الكثيرة المتألقة بجمالها، والقصبة هي تجمع سكاني قديم يشيد غالبًا على قمة جبلية وتكون أسفله مغارة، وكانت تستعمل قديمًا للاختباء في أثناء الغزو والحروب، وتضم القصبة أربعة أبراج للمراقبة، إذ يمكّن التموقع فوق الجبل من رؤية العدو من مسافات بعيدة، ويعود تاريخ بعض القصبات والقصور التي تعكس ثقافة أهل الصحراء بالمدينة إلى القرن الـ12 الميلادى، وهناك ما يزيد على هذه الحقبة التاريخية مثلما هو الحال مع قصر إيغزر الذي يحتوي على مغارة كبيرة جدًا ينصح بزيارتها.

وهناك قصر أغلاد الواقع الذي استفاد من مشروع ترميم من برنامج الأمم المتحدة للتنمية ضمن برنامج ضخم أطلق عليه "طريق القصور"، وتحكي هذه المعالم للمارين بها والوافدين إليها تاريخ آثار وكنوز لا يمكن صنع شبيه لها، ولا للطبيعة محوها بحكم صلابتها وطبيعة مكوناتها المختلطة بتربتها الحمراء اللون ومائها الباعث للحياة

رحلات السفاري

عند زيارتك لتيميمون لا تفوت فرصة صعود الكثبان الرملية الشاهقة ومعايشة المعنى الحقيقي للإثارة والاستمتاع بالمناظر الطبيعية الصحراوية الشاسعة من منظور واضح، من خلال رحلات السفاري عبر السيارات ذات الدفع الرباعي أو الجمال، في هذه المغامرة لك أن تمتّع عينيك من المناظر الساحرة إلى الثروات الحيوانية والنباتية والبحيرات المائية، بالإضافة إلى المواقع الأثرية التي تزخر بها والتي تعتبر استثنائية في منطقة الصحراء، وتتعرف على الأكلات الصحراوية الخاصة بأهل الجنوب مثل الرغدة، المسقي، السفة، الملة، التّڤلّة.

مغامرات استكشافية على ظهر الجمال

هناك ستنام في العراء في عمق الصحراء لتكتشف أسرار الطبيعة ومعنى الوجود والاستمرارية، وتتمتع بحركة النجوم وسكون الليل والتمعن في ضوء القمر الساطع، حيث تُنصب الخيام وتشعل النيران، فيكون الليل غير النهار تمتزج فيه الألوان خاصة إن كانت ليلة اكتمال القمر، وبمجرد أن تبزغ الشمس تبدأ الرحلة من جديد بنفس أطول وإحساس يتوق إلى اكتشاف باقي مميزات الصحراء.

لحظة غروب الشمس في الصحراء

وضمن هذه المغامرة البديعة في الصحراء الجزائرية لك أن تتسلق الكثبان الرملية العالية، وينصح أن يكون ذلك ساعة الغروب عندما تبدأ الشمس في الغروب، حينها ستودّعك بأشعتها الحمراء المتوهجة رغم المحاولات اليائسة للغيوم بكتمها، وتستمع بمشهد لا يمكن رؤيته إلا في الصحراء، وهو اختفاء الشمس بشكل تدريجي بين كثبان الرمال حتى التقائها مع الأرض، وفي تلك اللحظات أيضًا يمكنك الاستمتاع بالرمال الدافئة والناعمة تحت قدميك قبل أن تعاود الصعود للسيارة أو الجمل.