صورة جوية لمدينة الدوحة العاصمة القطرية

إيران المستفيد الأكبر من الأزمة، "في هذه الظروف فإن قطر لا يمكنها تفعيل علاقاتها التجارية إلا عبر إيران، وهذا يخلق فرصة مهمة جدًا لإيران من الناحية الاقتصادية"، هكذا اتخذت طهران مكانها منذ الوهلة الأولى لاشتعال فتيل الأزمة القطرية الخليجية كبديل حاضر لسد رمق شهيتها الاقتصادية والسياسية، وهو ما ورد على لسان رئيس اتحاد المصدرين الإيراني، محمد لاهوتي، الذي أعرب صراحة عن توقعاته بأن تصبح قطر سوقًا لمنتجات عديدة تصدرها إيران بدلاً من دول الخليج.                   

وكانت دول خليجية تشمل السعودية والإمارات والبحرين بالإضافة إلى مصر، أعلنت، يوم الإثنين الماضي، قطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية ووقف الحركة البحرية والبرية والجوية مع قطر، وانضمت إلى هذه القائمة لاحقًا حكومة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، وحكومة شرق ليبيا برئاسة عبد الله الثني، وبالإضافة إلى المالديف وموريشيوس وموريتانيا، وصولاً إلى استدعاء تشاد سفيرها في قطر.    

البيانات الصادرة عن الدول الخليجية حمَّلت قطر اتهامات بالجملة جمعت فيها بين ما صنع الحدادون جميعًا، وكان أبرزها التدخل في شؤون الدول العربية، دعم الدوحة لمليشيات الحوثي الانقلابية، استخدمها وسائل الإعلام لتأجيج الفتنة، أما التهمة العظمى فكانت "دعم تنظيمات إرهابية طائفية متعددة" منها الإخوان وداعش والقاعدة، بهدف زعزعة أمن المنطقة.        

هذه الأسباب قد لا تبدو مفهومة للوهلة الأولى، لكن لا بد من النظر إليها بعدسة أوسع تتعلق بالصراع الدائر بشأن النفوذ في المنطقة والحرب على الإرهاب، فكل الدلائل تشير إلى أن طهران تبدو مستعدة لتلبية كل الاحتياجات القطرية الناجمة عن الضغوط الخليجية.  

كيف رأت إيران القرار؟

بعد إعلان قطع العلاقات، سارعت إيران - الدولة الحليفة لقطر - بمُهاجمةً قرار دول الخليج لتطويق قطر، في محاولة ناعمة منها لكسب نقطة ثمينة في الداخل القطري إن لم يكن العربي، واتخاذ موقف مغاير لكثير من ردود الفعل العالمية التي حاولت الحد من التوتر وحل الأزمة بين قطر وأشقائها العرب.

التصريحات الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين، والخطوات التي تبنتها إيران لحل الأزمة بين قطر وعدد من الدول العربية تشكل فرصة مواتية تسعى طهران لاستغلالها من الناحية الاقتصادية والسياسية وأيضًا العسكرية، رغم أن الإعلام الإيراني يحاول أن يصور الدولة على أنها تتبع "سياسة الحياد"

رد الفعل الإيراني أيضًا لم يختلف في الظاهر عن مواقف عديدة عرضت الوساطة ودعت إلى استئناف الحوار لتسوية الخلافات بين الأطراف المتشاحنة، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، في تغريدة حملت هجومًا حادًا قال فيها إن فرض دول الخليج المجاورة لقطر للحظر في الوقت الحالي غير فعال وغير مقبول وموضع تنديد أيضًا. 

لكن التصريحات الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين، والخطوات التي تبنتها إيران لحل الأزمة بين قطر وعدد من الدول العربية تشكل فرصة مواتية تسعى طهران لاستغلالها من الناحية الاقتصادية والسياسية وأيضًا العسكرية، رغم أن الإعلام الإيراني يحاول أن يصور الدولة على أنها تتبع "سياسة الحياد" حتى عندما تأزمت الأمور بشكل غير مسبوق. 

وهنا تتبادر إلى الذهن أسئلة عديدة تتعلق بسُبل استفادة إيران من قرار الدول الخليجية قطع علاقاتها مع قطر، وكيف يمكنها تحويل الأزمة لصالحها؟ وإلى أي مدى يمكنها أن تساند قطر؟ 

كيف يمكن لإيران تحويل الأزمة لصالحها؟

هكذا استغلت الفرصة!

بعد فرض الحصار البري والبحري والجوي على قطر من جانب السعودية والإمارات والبحرين ومصر، أصبح منفذ قطر الوحيد إلى أوروبا هو إيران ثم تركيا، خاصة أن قطر دولة تعتمد على الواردات في المقام الأول.  

وبعد غلق المملكة العربية السعودية لحدودها مع الدوحة، وهذه الحدود كانت تؤمن عبور ما يقارب 80% من المواد الغذائية للسوق الاستهلاكية القطرية، أصبحت إيران الآن المنفذ الوحيد لقطر بعد قطع العلاقات.   

وفي الواقع، حوَّل قرار قطع العلاقات قطر إلى ما يشبه جزيرة لها حدود بحرية مع إيران فقط، لذلك بدأت محادثات مكثفة مع بعض الدول على رأسها إيران وتركيا لإيجاد مصادر جديدة لاستيراد المحاصيل وتأمين إمدادات الغذاء والماء، بعد أن كانت تستورد نحو 40% من المواد الغذائية من السعودية.            

وغداة نشر رويترز معلومات عن بحث قطر عن بديل جديد، نقلاً عن مسؤول قطري رفض ذكر اسمه، كشفت قناة "برس. تي. في" الإيرانية، في تغريدة على حسابها بموقع تويتر، الخميس، أن إيران أرسلت أول طائرة شحن محملة مواد غذائية إلى قطر.  

إيران البديل الحاضر

لم تنتظر إيران أن تبدأ قطر بالمحادثات، وتدخلت بوتيرة متسارعة على خط الأزمة القائمة بين دول الخليج وقطر، محاولةً استغلال الموقف لصالحها، وخدمة أهدافها الاقتصادية، وأعلنت استعدادها التام لتزويد السوق القطرية بما تحتاجه من محاصيل ومواد غذائية وسلع استراتيجية.    

وبدا ذلك جليًا في تأكيد رضا نوراني، رئيس نقابة مصدري المحاصيل الزراعية في إيران، استعداد بلاده لتصدير مختلف المحاصيل الزراعية، والمواد الغذائية إلى دولة قطر عبر ثلاثة مواني في جنوب البلاد. 

عروض مغرية

وتوالت العروض بعد ذلك، حيث ذكر مسؤولون إيرانيون، على رأسهم محمد لاهوتي، رئيس اتحاد المصدرين الإيراني، أن قطر تستورد سنويًا من البلدان المحيطة بها أغذية بقيمة قرابة 5 مليارات دولار، موضحًا أن إيران يمكنها تلبية هذا الطلب. 

محاولات إيران لاستغلال الفرص الثمينة الناتجة عن الأزمة لم تتوقف عند هذا الحد، لكنها واصلت عروضها السخية، عندما طالت الأزمة القائمة حركة الملاحة الجوية التي تضررت بشكل كبير جراء منع الخطوط الجوية القطرية من العبور في الأجواء السعودية والإماراتية والبحرينية، وهنا أبدت إيران استعدادها للسماح للخطوط القطرية بعبور أجوائها. 

وكانت شركات مصر للطيران وطيران الإمارات والاتحاد للطيران وفلاي دبي وطيران العربية وطيران الخليج والخطوط السعودية، قد أوقفت رحلاتها من قطر وإليها، مما دفع طهران للترحيب بأي طلب تتقدم به قطر للسماح لخطوطها الجوية بعبور الأجواء الإيرانية.

ونقلت وكالة "مهر" عن مسؤول إيراني قوله: "عدد الرحلات التي ستمر فوق الأجواء الإيرانية ستزداد بنحو مئتي رحلة إذا حولت الخطوط القطرية مسارها إلى أوروبا وإفريقيا عبر الأجواء الإيرانية".

مصالح اقتصادية مشتركة

قطر وإيران تربطهما أيضًا مصالح اقتصادية مشتركة، أهمها حقل الغاز العملاق المشترك بين الدولتين في مياه الخليج العربي،، وتزداد أهمية هذا المصدر النفطي بالنسبة لإيران حفاظًا على مصالحها فيه، مما يجعلها لا تهوى البُعد عن قطر، خاصة أن الأولى فتحت باب الاستثمار في هذا الحقل، وتمتلك قطر 6000 كيلومتر مربع منه، بينما تمتلك إيران باقي مجمل مساحة الحقل البالغ 9700 كيلومتر مربع.  

من ناحية أخرى، فإن إيران تحاول تطوير العلاقات الاقتصادية مع قطر، خاصة لجلب الاستثمارات وتغيير وجهة المستثمرين، كما أنها تبحث عن فرص للمستثمرين القطريين في إيران، وعلى هذا الصعيد وقع البلدان منذ 1991 اتفاقيات عدة في مجال النقل الجوي والتعاون التقني والعلمي والثقافي والتعليمي.  

واستنادًا إلى الأرقام الرسمية الصادرة عن الدوحة، وصل مجموع واردات الدوحة من السعودية والإمارات والبحرين إلى نحو 5 مليارات دولار، كما بلغ إجمالي حجم تجارة قطر مع دول مجلس التعاون الخليجي العام الماضي قرابة 10 مليارات دولار، أي 11% من تجارتها مع العالم، مما يمثل فرصة ذهبية لإيران تلهث وراءها من خلال العروض المغرية للجانب القطري.   

وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف

نحو مزيد من التقارب

العلاقات القطرية الإيرانية كانت ولا تزال يسيطر عليها الدفء والتقارب، ولا يخفي الموقف المستقل واللهجة التصالحية بين البلدين رائحة العداوة سواء المعلنة أو الخفية التي تكنها إيران للسعودية والتي تعتبرها الأخيرة المنافس الرئيسي لها في المنطقة.

وهناك توجه بالفعل لدى إيران، للسعي لاحتواء قطر في أزمتها في حالة تزايدت الضغوط عليها من قبل السعودية والإمارات، ويصب ذلك التوجه أيضًا في مصلحة طهران التي ستبتهج بالتأكيد لاستقطاب عضو في مجلس التعاون الخليجي. 

وتمثل آخر تجليات التقارب العلني بين البلدين في الاتصال الذي أجراه أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني بالرئيس الإيراني حسن روحاني لتهنئته بإعادة انتخابه رئيسًا لإيران والاتصال الأخير قبل أيام لتهنئته بحلول شهر رمضان.

وعقب ذلك شنت وسائل إعلام سعودية حملة شديدة على الدوحة متهمة إياها بالتنصل من مقررات قمم الرياض الأخيرة والتي كان محورها "مواجهة الإرهاب الذي ترعاه إيران في المنطقة"، حسب ما نقلته صحيفة الشرق الأوسط السعودية عن خبير سعودي لم تسمه.  

وتختلف سياسة قطر تجاه إيران كثيرًا عن سياسة كل دول مجلس التعاون الخليجي وهي تملك مساحة من التفاهم مع إيران لكن ذلك لا يرضي السعودية، وربما يكون السبب الخفي للتصعيد السعودي ضد الدوحة.

وسياسيًا

كما صبت الاستفادة من الناحية الاقتصادية جراء قرار الدول الخليجية قطع العلاقات مع قطر في جعبة إيران، عملت أيضًا ومنذ اللحظة الأولى للاستفادة من القرار من الناحية السياسية، وبدأت بشن هجوم حاد على تصرفات حكام السعودية في المنطقة.

وتؤكد طبيعة العلاقات المتوترة بين السعودية وإيران أنها ليست المرة الأولى التي تشهد سجالاً بين البلدين، فقد أعربت السعودية أكثر من مرة عن مخاوفها بشأن طموحات طهران الإقليمية، لكن الموقف هذه المرة يتمثل في مساندة طهران للدوحة بدعوى الدفاع عمن اعتبرتها علانية حليفة لها في موقفها ضد سياسة المملكة في المنطقة.

فرصة ذهبية

ولقى الانهيار المفاجئ للتحالف الخليجي ترحيبًا في طهران، خاصة أنه جاء بعد أقل من شهر من زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السعودية ودعوته إلى تشكيل جبهة موحدة لعزل إيران، وبتشجيع من الإدارة الأمريكية الشديدة العداء لإيران صممت السعودية على مواجهة وضع إيران القوي في المنطقة، الأمر الذي قد لا يكون مستغربًا طالما أن إيران لها علاقات جيدة مع قطر. 

عقب إعلان قطع العلاقات مع قطر، وجدت إيران الفرصة سانحة أمامها لتكيل المكاييل اللاذعة لتصرفات السعودية

وفيما يسود الترقب للرد القطري الذي اقتصر على التعبير عن أسفها لقرار الدول الخليجية "غير المبرر"، فإن المحللين الإيرانيين وجدوا في الموقف السعودي الحالي مادة خصبة لدعم الصورة الشريرة لهذه الدول وعلى رأسها السعودية. 

وعقب إعلان قطع العلاقات مع قطر، وجدت إيران الفرصة سانحة أمامها لتكيل المكاييل اللاذعة لتصرفات السعودية، وهو ما وصفه مساعد رئيس مجلس الشورى الإسلامي في إيران، حسين أمير عبد اللهيان، بـ"صداع سياسي شديد"، أصاب حكام السعودية، كما باتوا عاجزين عن حل مشاكلهم في مجلس التعاون، بحسب ما نقلته وكالة أنباء "فارس".

تحييد السعودية

ومع فشل جهود المصالحة حتى الآن، هناك أحد السيناريوهات التي تتوقع دخول القطريين في حلف جديد يشملهم بجانب إيران وسوريا وروسيا والعراق في حال تزايد الضغوط على قطر من قبل السعودية والإمارات، وهو ما تعتبره إيران وسيلة لتحييد منافستها الأولى، وتقويض نفوذها المطرد في المنطقة. 

أمريكا أيضًا ليست بمنأى عن الأزمة، فموقفها الذي رآه البعض متوازنًا في البداية بلعب دور الوسيط سرعان ما تغير بعد أيام قليلة، وذلك على لسان ترامب الذي دعا، الجمعة، قطر إلى التوقف عن دعم الإرهاب وتمويل الأيديولوجية المتطرفة. 

أيًا كان الموقف الأمريكي من الأزمة فإنه يمنح إيران الفرصة لزيادة علاقاتها مع قطر، فأمريكا لا يمكن أن تتبنى موقف عدوتها إيران، وبينما يُعاقَب القطريون لأنهم لا يشاركون السعودية "هاجسها الإيراني"، يُعاقب السعوديون لأنهم لا يقاومون الضغط الأمريكي

ويبدو جليًا من تغريدات ترامب وتصريحاته الأخيرة عن الملف القطري أنه أقرب للموقف السعودي، خاصة أنه أعرب عن أمله صراحة بأن يكون عزل قطر بداية لنهاية "رعب الإرهاب" في المنطقة، وذلك في موقف معارض للدولة التي تحتضن قاعدة عسكرية ضخمة وتشكل مقرًا لعملياتها ضد تنظيم داعش، لكن ترامب يعي أن التسوية ستتم في صالح الولايات المتحدة.

وأيًا كان الموقف الأمريكي من الأزمة فإنه يمنح إيران الفرصة لزيادة علاقاتها مع قطر، فأمريكا لا يمكن أن تتبنى موقف عدوتها إيران، وبينما يُعاقَب القطريون لأنهم لا يشاركون السعودية "هاجسها الإيراني"، يُعاقب السعوديون لأنهم لا يقاومون الضغط الأمريكي. 

أما موسكو التي تربطها بالسعودية علاقة تنافسية في سوق النفط، فقد بدا موقفها واضحًا بعد إعلان الموقف الأمريكي، لكنها حاولت أن تنأى بنفسها عن التدخل في شؤون الدول الأخرى، وأعلنت بالأمس القريب استعدادها لبذل جهود الوساطة لتسوية الأزمة، لكنها لم تخف قلقها على مصالحها مع الأطراف المتنازعة، لذلك تسعى إلى محاصرة السعودية عبر إقامة علاقات مع دول الخليج، وهو ما يصب بدوره في جعبة صديقتها البعيدة إيران. 

عسكريًا

يرى المراقبون أن إيران لن تضحى بعلاقاتها الإقليمية والدولية مقابل إرضاء الدولة الصغيرة الغنية في نفس الوقت، وهو ما أكد عليه المحلل السياسي عبد الباري عطوان في حديثه لقناة "يورو نيوز"، قائلاً: "إيران لن تجازف وتدخل حربًا ضد السعودية والإمارات ومصر وبالتالي أمريكا، فهي لم تدخل الحرب في سوريا بشكل مباشر وبالتالي لن تدخل حربًا من أجل قطر"، حسب تعبيره.

وعلى أرض الواقع، تختلف مواقف السعودية وإيران تجاه النزاع السوري، وكلا منهما يدعم طرف مضاد، فبينما توفر إيران القوات البرية لنظام بشار الأسد، تُكال الاتهامات لقطر بتمويل جماعات معارضة مسلحة تحاول الإطاحة بالأسد، كذلك الموقف في اليمن، فقطر كانت تشارك - حتى وقت قريب - بوحدات عسكرية قوامها أكثر من 1000 جندي في التحالف العربي الذي تقوده السعودية، بينما تكثف إيران من مساعداتها لمليشيات الحوثيين، نكايةً في السعودية، بحسب الاتهامات التي توجهها المملكة لطهران، لكن الأخيرة تنفي كالعادة.   

والنتيجة التي يمكن استنتاجها هنا تشير إلى أن طهران ستعمل على استمرار الأزمة بين دول الخليج، وتقف بجانب الموقف القطري رغبةً منها في التوسع بشكلٍ أكبر داخل المنطقة من الناحية الاقتصادية، مما يجعلها قريبة من صنع القرار الخليجي من الناحية السياسية.