صورة تذكارية على هامش القمة الألمانية الإفريقية التي انتهت أمس في برلين

بعد استقلال كل الدول الإفريقية، سعت كل دولة استعمارية للحفاظ على نفوذها في هذه القارة السمراء لما تتمتع به من إمكانيات وموارد مالية وطبيعة وخبرات بشرية، تؤهلها لاحتلال مراتب متقدمة في الاقتصاد العالمي لولا حالة الارتهان إلى الأجنبي، وهو ما يفسر المساعي الألمانية الأخيرة من خلال استضافة برلين لقمة ألمانية إفريقية لبحث سبل التعاون بين الطرفين وتقديم خطة للإقلاع بالقارة الإفريقية اقتصاديًا، وضمان حصة برلين من الكعكة.

قمة ألمانية - إفريقية

طيلة أمس وأول أمس، احتضنت العاصمة الألمانية برلين، قمة ألمانية إفريقية للتنمية تحت شعار "الاستثمار في مستقبل مشترك"، استضافت فيها المستشارة الألمانية آنجيلا ميركل عددًا من القادة الأفارقة منهم رؤساء تونس ومصر ومالي وغانا والنيجر وإثيوبيا وأكثر من 100 جهة استثمارية لتعزيز التعاون من أجل نمو اقتصادي دائم للدول الإفريقية، حسب المتحدثة باسم المستشارة الألمانية، وتأتي هذه القمة قبل أقل من شهر على قمة لمجموعة العشرين في هامبورغ.

وزراء مالية مجموعة الدول العشرين الأكثر ثراءً في العالم، دعوا نظراءهم من ساحل العاج والمغرب ورواندا وتونس إلى الانضمام إليهم لتشكيل شراكة سيطلق عليها اسم "معاهدة مع إفريقيا"

وقبل ذلك، وضعت المستشارة الألمانية آنجيلا ميركل الشراكة مع دول إفريقيا على رأس أولويات اجتماع قمة العشرين وأعلنت تخصيص 300 مليون دولار إضافي لمساعدة الدول الإفريقية الراغبة في الإصلاح، وذلك في إطار مشروع "مارشال" لتنمية إفريقيا بهدف تجفيف منابع الهجرة.

قامت ميركل في الخريف الماضي بجولة في مالي والنيجر وإثيوبيا وأكدت خلالها أن رفاه إفريقيا من مصلحة ألمانيا، وكان وزراء مالية مجموعة الدول العشرين الأكثر ثراءً في العالم، دعوا خلال قمة في آذار/مارس نظراءهم من ساحل العاج والمغرب ورواندا وتونس إلى الانضمام إليهم لتشكيل هذه الشراكة التي سيطلق عليها اسم "معاهدة مع إفريقيا (كومباكت ويذ أفريكا).

خطة مارشال مع إفريقيا

هذه القمة الأخيرة تأتي بعد أشهر قليلة من إعلان ألمانيا مشروع اقتصادي جديد تحت اسم "خطة مارشال مع إفريقيا" موجه للدول الإفريقية، ويعتمد على برنامج مساعدات كبيرة لدول القارة وإعادة النظر بالمساعدات التنموية التي تقدمها ألمانيا إليها.

وفي شهر فبراير الماضي، أعلن وزير التنمية الألماني جيرد مولر، لأول مرة، خلال قمة اقتصادية ألمانية إفريقية انعقدت في العاصمة الكينية نيروبي، عن خطته لتنمية القارة، أطلق عليها اسم "خطة مارشال مع إفريقيا"، شبيهة لخطة مارشال التاريخية التي اعتمدها الولايات المتحدة الأمريكية لإعادة إعمار غرب أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية، يومها دعا مولر إلى تعزيز التدريب المهني ووقف الاستفادة الاستغلالية للموارد الإفريقية.

وزير التنمية الألماني جيرد مولر 

وأكد مولر أن مشروعه مع إفريقيا وليس لإفريقيا، بمعنى أن الأمر يتعلق بمبادرة تشاركية وليس بإملاء فوقي، ومن المتوقع أن يرتفع عدد سكان إفريقيا بنسبة 20% في العام 2050، وهو ما يطرح عدة تحديات من حيث ضمان مصادر التغذية والطاقة ومناصب الشغل للشباب الإفريقي.

وتهدف ألمانيا من خلال خطة مارشال إلى حماية المصالح المشتركة، على حد زعمها، والاستجابة لما تمليه ضرورة الموقف من إيجاد المساواة في إطار التعاون الأوروبي الإفريقي، فيما يخص الحفاظ على مصالح الطرفين، من خلال ثلاث ركائز أساسية، هي الاقتصاد والتجارة وخلق الوظائف، إلى جانب إحلال الأمن والسلم والديمقراطية ودولة القانون.

تعتمد "خطة مارشال مع إفريقيا" للحكومة الألمانية، حسب القائمين عليها، على مبدأ الإصلاح كأساس للشراكة مع إفريقيا

 وترى برلين، حسب الخطة الجديدة، ضرورة إعادة إبرام اتفاقيات التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بين الاتحاد الأوروبي وإفريقيا مجددًا، على أن تقوم العلاقة الثنائية الجديدة على ضوابط جديدة على غرار وضع حد على الصادرات المضرة بإفريقيا والانتقال من التبادل التجاري الحر إلى التجارة العادلة وإلزام شركات الاتحاد الأوروبي بخلق القيمة المضيفة في الدول الإفريقية التي تستثمر فيها، ومحاربة التهرب الضريبي والتدفق غير المشروع لرؤوس الأموال المهربة من إفريقيا.

وتعتمد "خطة مارشال مع إفريقيا" للحكومة الألمانية، حسب القائمين عليها، على مبدأ الإصلاح كأساس للشراكة مع إفريقيا، حيث يمكن للدول الإفريقية، التي تكافح الفساد وتنشئ نظمًا ضريبية وتستثمر في التعليم وتعمل على المساواة بين الجنسين، توقع المزيد من الدعم الألماني.

مؤهلات كبيرة في القارة السمراء

التوجه الألماني نحو قارة إفريقيا، يرجع في جزء كبير منه إضافة إلى ما ذكرنا، إلى رغبها في الاستفادة من الإمكانيات الهائلة التي تمتلكها دول القارة، التي يتوقع أن يصل تعداد سكانها إلى ملياري نسمة بحلول عام 2050، حسب خبراء، حيث تمتلك القارة السمراء أكثر من 15% من احتياطات النفط في العالم، و40% من احتياطات الذهب، إضافة إلى 80% من المعادن، وأهم الأراضي الزراعية في العالم.

وتمتلك دول القارة روح المبادرة والمهارات الإبداعية والإمكانات الهائلة في الطاقة المتجددة والزراعة، بالإضافة إلى الخبرات الشبابية الكبيرة والمختصة.

تمتلك القارة الإفريقية مساحات زراعية كبرى

وفي إفريقيا إمكانات هائلة غير مستغلة، وتعود الأسباب المؤدية إلى ذلك حسب خبراء إلى استغلال النخبة الفاسدة نفوذها في كثير من الدول الإفريقية، حيث تفضل بعض النخب تحويل أموالها إلى الدول الأجنبية على حساب الاستثمارات الداخلية وبيع الأراضي الزراعية الشاسعة بدلاً من استغلالها لضمان الغذاء للمواطنين، إلى جانب السماح للشركات العملاقة باستغلال الموارد المعدنية دون توفير القيمة المضافة للبلدان.

وتنشط في القارة الإفريقية، قوى اقتصادية تقليدية كبرى مثل فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، فضلاً عن القوى الصاعدة وفي مقدمتها الصين والهند والبرازيل، ووفق بيانات رسمية، بلغت المبادلات التجارية بين ألمانيا وإفريقيا عام 2013 نحو 60 مليار دولار، في حين تجاوزت معاملات القارة مع الصين عتبة المئتي مليار دولار، وتستثمر ألمانيا سنويًا نحو 10 مليـارات يـورو في إفـريقيا %90 منها في ثـلاث دول فقـط، هي جنوب إفريقيا ونيجيريا والجزائر، ولا تتعـدى أنشطة الشركـات الألمـانية في إفريقيا 2%.

الحدّ من تدفّق المهاجرين الأفارقة

"خطة مارشال مع إفريقيا"، تهدف أيضًا من خلال دعم الاقتصاد الإفريقي، إلى تجفيف أسباب موجات هجرة الشباب وكبح تدفقات المهاجرين من قارة إفريقيا إلى أوروبا، وترى المستشارة الألمانية آنجيلا ميركل أن السبيل الأساسي لوقف تدفق المهاجرين هو معالجة أسباب الهجرة وإيجاد آفاق لهذه الشعوب في دولها حتى لا تضطر للخروج منها.

تصدرت ألمانيا قائمة الدول التي منحت الحماية لطالبي اللجوء، حيث منحت 445 ألف لاجئ الحماية في 2016

ووصل عدد المهاجرين واللاجئين الذين دخلوا أوروبا عن طريق البحر، حتى 11 من يونيو الحالي، 73 ألفًا و189 مهاجرًا، تُوفي منهم 1808 أشخاص، مقارنة بـ211 ألفًا و433 وافدًا عن الفترة ذاتها خلال عام 2016، حسب تقرير صادر عن منظمة الهجرة الدولية، يوم أمس الثلاثاء.

وتصدرت ألمانيا قائمة الدول التي منحت الحماية لطالبي اللجوء، حيث منحت 445 ألف لاجئ الحماية في 2016، تلتها السويد بـ69 ألف لاجئ، ثم إيطاليا بـ35 ألف و450، ثم فرنسا بـ35 ألف و170، حسب التقرير الصادر عن منظمة الأممية، وتوقع وزير التنمية الألماني، مولر، أن يجاوز عدد اللاجئين من إفريقيا إلى أوروبا مليون لاجئ إن لم يتم إيجاد فرص شغل لشباب القارة.

معارضة داخلية للخطة

رغم الجهود الكبيرة التي تقوم بها السلطات الألمانية لإقناع الداخل والخارج بأهمية هذه الخطة، فقد عرف مشروعها الجديد الخاص بإفريقيا نقدًا كبيراً من الداخل الألماني، حيث اعتبر حزب الخضر أنه يجب النظر إلى إفريقيا برؤية أكثر اختلافًا وتنوعًا، وقال المتحدث باسم سياسة التنمية في الفريق البرلماني للحزب أوفه كيكيريتز، في وقت سابق لموقع دويتشه فيله الألماني، إن الإجراءات التي يتعين اتخاذها في منطقة الساحل مثلاً تختلف تمامًا من حيث البنية والتمويل بالمقارنة بجنوب القارة أو الكونغو.

ملف اللاجئين يمثل أحد أكبر الملفات جدلاً في ألمانيا

ودعا الحزب إلى معاهدات دولية للتجارة أكثر عدلاً، وكذلك محاربة الفساد والتهرب الضريبي. ودعا الوزير الألماني لإحداث سوق مشتركة بين الاتحاد الأوروبي من جهة ودول المغرب الكبير إضافة إلى مصر من جهة ثانية.

إلى جانب ذلك، تظاهر نحو ألف معارض للعولمة في برلين السبت، قبل يومين من انعقاد القمة الألمانية الإفريقية، هاتفين أن "إفريقيا ليست للبيع"، ومنتقدين القمة في برلين بأنها محاولة جديدة لوضع اليد على الموارد الإفريقية.