إدارة ترامب

كتب مارك بيري

في الخامس والعشرين من مارس / آذار من عام 2011 انطلقت طائرة مراج من طراز 2000-5 تابعة لسلاح الجو القطري من قاعدة سودا الجوية في جزيرة كريت للمساعدة في تعزيز منطقة حظر الطيران التي أقيمت حماية للثوار الذين كانوا يتعرضون لهجوم من قوات معمر القذافي في ليبيا. كانت قطر أول دولة في الخليج الفارسي تهب لمساعدة الولايات المتحدة في هذا الصراع. 



كانت العمليات القطرية أكثر من مجرد رمزية. فقد درب الجيش القطري وحدات تابعة للثوار وشحن إليهم الأسلحة ورافق وحداتهم القتالية في أرض المعركة، وقام بمهمة ضابط الاتصال بين قيادة الثوار والناتو، ووجه قادتهم العسكريين، وساهم في ضم وحدات الثوار المتناثرة لتشكل قوة موحدة، ثم قادها في هجومها الأخير على مقر القذافي في طرابلس. وفي ذلك يقول ضابط عسكري أمريكي كبير متقاعد: "لم نحتج إطلاقا إلى الإمساك بيدهم. كانوا يعرفون جيدا ما الذي يفعلونه". ولتبسيط الأمر يمكن القول بأنه بينما كانت الولايات المتحدة تقود العمليات في ليبيا من الخلف كان القطريون في مقدمة الصفوف. 



لم ينس المسؤولون في البنتاغون (وزارة الدفاع الأمريكية) المشاركة القطرية، وهذا ما حفز وزير الدفاع جيمز ماتيس على العمل بجد لرأب الصدع الذي وقع بين القطريين وتحالف من عدد البلدان تتزعمه السعودية (ويضم دولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر)، وكان من نتائجه عزل قطر وفرض حصار عليها. والحقيقة هي أن ماتيس صدمه التحرك السعودي. يقول مسؤول عسكري رفيع المستوى: "كان أول رد فعل له هو الشعور بالصدمة، وكان رد فعله الثاني التعبير عن عدم قدرته على تصديق ما يسمع ويرى. ثم عبر عن رأيه بأن السعوديين افتعلوا معركة غير ضرورية، وخاصة في الوقت الذي ظنت الإدارة الأمريكية أنها نجحت في جمع كافة الأطراف في الخليج ونظمهم في جبهة واحدة ضد إيران".



عندما أعلن السعوديون عن إجراءاتهم كان ماتيس موجودا في سيدني برفقة وزير الخارجية ريكستيلارسون بهدف تبديد القلق بشأن انسحاب إدارة ترامب من الشراكة حول المحيط الهادي ومن اتفاقيات باريس للمناخ. صافح المسؤولان نظراءهما الأستراليين وأصدرا بياناً مطمئناً حول النوايا الأمريكية خلال مؤتمر صحفي مقتضب في الخامس من يونيو/ حزيران نظم لهما بمشاركة وزير خارجية أستراليا ووزير دفاعها. وعندما تطرق البعض إلى ذكر الشقاق المتنامي بين السعوديين والقطريين، وصفه تيلارسون بأنه لا يزيد عن كونه واحداً من "قائمة متنامية من المنغصات في المنطقة" والتي لن تضر "بالحرب الموحدة ضد الإرهاب ...".



ولكن بينما كانت إجابة تيلارسون يقصد منها التخفيف من القلق تجاه الأزمة، كان هو وماتيس فيما وراء الكواليس يبحثان في كيفية إزالة الضرر الذي سببه الإجراء السعودي. مكث الاثنان في سيدني وقررا أن يقود تيلارسون الجهد المبذول لحل الإشكال ورأب الصدع. وهذا ما يفسر قيام تيلارسون بعد ثلاثة أيام من مؤتمره الصحفي في سيدني بالاتصال بالمملكة العربية السعودية وبدولة الإمارات العربية المتحدة وبالبحرين ومصر طالباً منهم تخفيف الحصار، ثم أعلن أن الولايات المتحدة تدعم جهود الوساطة التي تقوم بها الكويت. لكن المشكلة بالنسبة لتيلارسون هي أن تصريحاته كان يناقضها دونالد ترامب الذي بادر في ظهور له في حديقة الورد بالبيت الأبيض في نفس اليوم بتوجيه نقد لاذع إلى قطر قائلا إن الإمارة "ما فتئت تاريخيا تمول الإرهاب وعلى أعلى المستويات."



يقول شخص مقرب من وزير الخارجية إن تيلارسون لم يكن فقط "مصدوما بسبب تصريح ترامب" وإنما "يشتاط غضبا لأن البيت الأبيض ووزارة الخارجية لم يوحدا موقفهما من القضية". ولقد علمت بأن مساعدي تيلارسون كانوا على قناعة تامة بأن الذي كتب تلك العبارة التي نطق بها ترامب كان سفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة، الصديق الحميم لصهر ترامب جاريد كوشنر. يقول الشخص المقرب من تيلارسون بهذا الشأن: "فكر ريكس في الأمر وحسب حسبته، وخلص إلى أن ذلك الولد التافه بات الآن يدير سياسة خارجية ثانية من داخل مقر إقامة العائلة في البيت الأبيض. والذي حدث أن العتيبة مال على جاريد وجاريد بدوره مال على ترامب. يا لهذه الفوضى" كان تصريح ترامب هو القشة الأخيرة بالنسبة لتيلارسون، ويبين هذا الشخص المقرب منه ذلك بقوله: "لقد بلغ الإعياء من ريكس مبلغا. فهو لا يتمكن من الحصول على موافقة على أي من مرشحيه لشغل المناصب العليا داخل الوزارة، بينما تراه يجري حول العالم لينظف من وراء رئيس عين مستشارا له في السياسة الخارجية هاويا في الحادية والثلاثين من عمره".



والأسوأ من ذلك، على الأقل من وجهة نظر تيلارسون، أن مسؤولا في البيت الأبيض شرح التباين بين التصريحين من خلال الطلب من وسائل الإعلام تجاهل ما صدر عن وزير الخارجية. وفي تصريح لصحيفة الواشنطن بوست، قال مسؤول في البيت الأبيض: "ربما كان لدى تيلارسون في البداية رأي في الموضوع، ثم عبر الرئيس عن رأيه هو، من الواضح في هذه الحالة أن رأي الرئيس هو الذي يسود".



أو ربما لن يحصل ذلك. بينما فهم من تصريح ترامب في التاسع من يونيو / حزيران أن الولايات المتحدة تميل نحو تأييد السعوديين والإماراتيين، إلا أن تيلارسون وماتيس لم يلبثا يميلان نحو قطر. ولسبب وجيه. يقول الضابط العسكري الأمريكي الكبير المتقاعد الذي كنت قد تحدثت معه: "ما من مرة طلبنا من القطريين شيئاً إلا قالوا نعم، وهذا ما لا يصدق في حق السعوديين. بدأ ذلك في الحقيقة من خلال المساعدة التي قدمها لنا القطريون في ليبيا، ولكنه يتجاوز ذلك إلى ما هو أبعد. لقد كانوا أفضل المتعاونين معنا في موضوع تنظيم الدولة الإسلامية. أما السعوديون، في المقابل، فكانوا باستمرار مصدراً للإشكال – وبشكل خاص في اليمن. لقد كانت اليمن كارثة بكل ما تعنيه الكلمة، بل لطخة عار. والآن جاءوا بهذا الأمر".



وهذا هو الرأي الذي تعكسه تصريحات ومواقف كل من ماتيس وتيلارسون. فبعد ستة أيام من تصريح ترامب التقى ماتيس بوزير الدفاع القطري خالد العطية لتوقيع اتفاق لبيع تلك الدولة الخليجيةستة وثلاثين طائرة مقاتلة من طراز F-15. كانت الصفقة التي تبلغ قيمتها 12 مليار دولار محل نقاش وتفاوض لعدة أعوام، حيث أن وزارته هي التي تشرف على مبيعات السلاح إلى الخارج. ومع ذلك، يبدو أن تصريحات ماتيس التي أعلن فيها عن إبرام الصفقة إنما أقتت لتعكس وجهة النظر التي يحملها ماتيس وتيلارسون. 



في نفس النهار الذي أعلن فيه ماتيس عن صفقة السلاح مع قطر، أخبر تيلارسون لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب بأنه سيكون من الخطأ تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، رغم أن ذلك كان من أهم الأسباب التي برر بها التحالف المعادي لقطر عزله للجارة الخليجية. قال تيليرسون حينها: "لقد أصبح بعض عناصر الإخوان المسلمين جزءا لا يتجزأ من الحكومات." وسمى تركيا والبحرين من الحكومات التي يشارك في برلماناتها أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين. وأضاف تيليرسون: "هذه العناصر نأت بنفسها عن العنف والإرهاب. لذلك، إذا ما صنفنا جماعة الإخوان المسلمين بأسرها منظمة إرهابية ... أظن أن بإمكانكم تصور التعقيدات التي ستشوب علاقاتنا مع حكومات المنطقة".



إلا أن أهم سبب وراء الميل تجاه قطر لا يخفى على من يعرفون كيف يقرأون الخريطة. وذلك أن الولايات المتحدة تستأجر من قطر قاعدة العديد الجوية جنوب غربي العاصمة الدوحة، حيث يوجد الجناح 379 التابع لسلاح الجو الأمريكي. لا يقتصر الأمر على انطلاق القاذفات الجوية التابعة للولايات المتحدة (ولقطر أيضاً) من قاعدة العديد لمهاجمة وحدات تنظيم الدولة الإسلامية في كل من العراق وسوريا، بل تعتبر القاعدة أيضاً بمثابة خط الدفاع الأول ضد أي تجاوزات إيرانية في المنطقة. والأهم من ذلك هو أن العديد لا توفر فقط حماية لحلفاء أمريكا في الخليج الفارسي وإنما أيضاً تحمي إسرائيل – ويمكن أن تشكل نقطة انطلاق للطيران الأمريكي ضد إيران فيما لو تعرضت إسرائيل لهجوم من الجمهورية الإسلامية. 



والأخطر من ذلك، وبشكل خاص من وجهة نظر ماتيس، أن الخلاف السعودي القطري لم يؤد فقط إلى تحطيم التحالف الموجه ضد إيران والذي بنته الإدارة خلال رحلة الرئيس إلى الرياض، وإنما أعاد رسم الخريطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط. فبعد الشقاق الذي وقع بين السعودية وقطر سارعت تركيا إلى التعهد بدعم قطر (ونشرت قوات لها في قاعدة عسكرية داخل قطر لحماية سيادة البلد)، بينما بادرت إيران إلى اتخاذ خطوات من شأنها التخفيف من آثار الحصار الذي فرضته السعودية. 



قال لي مسؤول رفيع المستوى يعمل مع البنتاغون مستشاراً حول الشرق الأوسط: "لقد أخبرنا السعوديون والإماراتيون مراراً وتكراراً أنهم يريدون إضعاف إيران، ولكنهم في واقع الأمر مكنوها وقووها." وذهب هذا المسؤول ليبين أن إجراءات السعوديين ارتدت عكسياً، فبدلاً من أن يخيفوا القطريين "قاموا برميهم في أحضان الإيرانيين." والنتيجة التي تمخضت عن ذلك كانت بروز تحالف تركي قطري إيراني مرتبك تسانده روسيا. وفي ذلك يقول مستشار البنتاغون: "لسنا هنا بصدد نوع من التنظيف الخليجي المحلي بحيث نتمكن من الخروج إلى هناك والأخذ على أيدي الجميع. لقد قدم السعوديون إلى الإيرانيين هدية ثمينة بينما نحن واقفون في الخارج نتفرج."



ثم هز المسؤول رأسه وقال: "أفهم موقف كل من ماتيس وتيلرسون، وأعني من كان له أصدقاء كهؤلاء فمن يحتاج لأعداء".

المصدر: عربي 21