تنديد شعبي ورسمي وحقوقي بالحملات التي تدعو لطرد اللاجئين الأفارقة من الجزائر

أثار التدفّق الكبير والانتشار العشوائي للمهاجرين الأفارقة في العاصمة وباقي المدن الجزائرية، في الفترة الأخيرة، نقاشًا حادًا هناك، خاصة بعد بروز حملات مجهولة المصدر على مواقع التواصل الاجتماعي تدعو إلى ترحيل وطرد اللاجئين والمهاجرين الأفارقة غير الشرعيين، بدعوى أنهم يشكلون خطرًا على المجتمع الجزائري، وهو ما استنكرته الحكومة وأطراف حقوقية.

أحياء خاصة بهم تحت الجسور

بداية الحملات التي تستهدف المهاجرين الأفارقة غير الشرعية، بدأت بنشر صور لـ"أفريكا تاون" وهي التسمية التي أطلقها سكان العاصمة الجزائرية على منطقة وادي الكرمة بالقرب من حي براقي ضواحي العاصمة، ففي أسفل أحد الجسور استقر الآلاف من اللاجئين والمهاجرين الأفارقة معظمهم من النيجر، ونصبوا الخيام، وأقاموا سوقًا لهم هناك، وأصبح أصحاب السيارات يتوقفون ويطلون من فوق الجسر على هذه القرية الإفريقية التي ظهرت في هذا المكان الذي تنعدم فيه أدنى شروط الحياة.

منذ العام 2014 رحّلت الجزائر أكثر من 17 ألف مهاجر أغلبهم من دولة النيجر

بعد نشر ذلك الفيديو، غزت مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر) منشورات تدعو إلى طرد المهاجرين الأفارقة غبر الشرعيين من الجزائر، بدعوى تورطهم في اعتداءات وجرائم اغتصاب، ودشّن عدد من المغردين الجزائريين، الأسبوع الماضي، حملة على تويتر لرفض الأفارقة تحت وسم عنوانه "#لا_للأفارقه_في_الجزاير"، ودعوا من خلالها إلى ترحيل الأفارقة إلى بلدانهم بحجة أنهم يشكلون "تهديدًا للسلم العام"، و"خطرًا على المجتمع"، حسب وصفهم.

وتحت هذا الوسم كتب جزائري يضع اسم عصام على حسابه الخاص على التويتر: "نحن لسنا بعنصريين لكن نطالب السلطات الجزائرية بتسوية وضعيتهم أو ترحيلهم"، وتحولت الجزائر في السنوات الأخيرة، حسب عديد من التقارير إلى منطقة استقرار للمهاجرين، بعد أن كانت منطقة عبور نحو القارة الإفريقية.

ومنذ العام 2014 رحّلت الجزائر أكثر من 17 ألف مهاجر أغلبهم من دولة النيجر، وكان آخر عمليات الترحيل نهاية ديسمبر الماضي، حيث رحلت السلطات الجزائرية مئات المهاجرين من غرب إفريقيا إلى أغاديز وسط النيجر، وهي بلدة صحراوية يدفع فيها المهاجرون من أرجاء غرب إفريقيا أموالاً لمهربين، لنقلهم في الرحلة الشاقة شمالاً عبر الصحراء الإفريقية.

اعتداءات في صفوف المهاجرين

تزامنًا مع هذه الحملة على مواقع التواصل الاجتماعي، برزت عديد من الاعتداءات ضد اللاجئين، حيث حاصر العشرات من الجزائريين، مساء الثلاثاء، محطة نقل المسافرين بمدينة الوادي (جنوب)، والتي يتمركز بها المهاجرون السريون القادمون من دول إفريقية جنوب الصحراء للمطالبة بترحيلهم.

وأضرم الجزائريون، النيران في العجلات المطاطية ووضعوا الحجارة، ورددوا عبارات منددة بما وصفوه بممارسات غير لائقة للمهاجرين غير الشرعيين، كالتسول والتحيّل، وإمكانية نشرهم أمراض خطيرة، واستغربوا من تزايد أعدادهم في المدينة، والذين يتخذون من محطة نقل المسافرين لبلديات الجهة الشمالية، موقعًا لاستقرارهم ونومهم و"تخييمهم".

ودعا المحتجون السلطات الجهوية للتدخل والحد من وجود المهاجرين، وترحيلهم نحو مراكز تجميعهم التي وضعتها الحكومة، في مدن ورقلة وأدرار وتمنراست، أو ترحيلهم بشكل كلي لبلدانهم.

تبون: "نحن أفارقة والجزائر بلد إفريقي"

هذه الحملات التي انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي والشوارع، قابلتها الحكومة بالرفض، حيث تعهّد رئيس الحكومة الجزائرية عبد المجيد تبون، بالردّ على أي طرف ومحاسبة كل شخص يتعرض للمهاجرين الأفارقة في الجزائر، وقال تبون، في تصريح للصحافيين على هامش مناقشة البرلمان برنامج حكومته مطلع الأسبوع: "نحن أفارقة والجزائر بلد إفريقي، ومنذ الاستقلال تأوي الجزائر كل من لهم مشاكل في بلدهم"ّ.

شدد رئيس الوزراء أن حكومته ستراجع ملف اللاجئين بشكل جذري لوضع حدّ لانتشارهم بصفة غير منظمة

وحذّر رئيس الحكومة الجزائرية من المساس بكرامة هؤلاء المهاجرين الذين لجأوا إلى الجزائر وقال: "لن نسمح لأي أحد أن يلطخ سمعة الجزائر على أساس قضية المهاجرين الأفارقة"، وانتشر المهاجرون الأفارقة خلال السنوات الأخيرة في كل مكان بالجزائر، وطالت مدة إقامتهم بعد أن فشلوا في العبور إلى أوروبا، فلا يكاد شارع يخلو منهم ويتدفّق هؤلاء المهاجرون إلى الجزائر بواسطة شبكات منظّمة، تؤمّن طريقًا لهؤلاء الفارين من الفقر والنزاعات، والآملين في الحصول على فرصة في هذه البلاد، أو الانطلاق منها نحو أوروبا.

تواصل معاناة اللاجئين الأفارقة في الجزائر يضع الدولة أمام عديد من التحديات

إلى جانب ذلك، أمر تبون وزير الداخلية نور الدين بدوي، بإجراء إحصاء دقيق للاجئين الأفارقة المتدفقين على شوارع ومحافظات البلاد، وشدد رئيس الوزراء أن حكومته ستراجع ملف اللاجئين بشكل جذري لوضع حدّ لانتشارهم بصفة غير منظمة في مختلف نواحي الجزائر ومن ذلك تحيين قاعدة المعطيات بإشراف لجنة مكونة من مسؤولين في وزارة الداخلية وقطاعات الدرك والأمن والجيش.

وقال تبون إنه سيتم اعتماد بطاقة لكل نازح يكون وجوده في الجزائر مقبولاً بعد دراسة لوضعية كل حالة، وبعد ذلك يجوز لهؤلاء العمل بطريقة قانونية، بينما تتولى لجنة حكومية تتبع وزارة الشؤون الخارجية إعداد الآليات الضرورية لترحيل بقية المهاجرين الأفارقة إلى بلدانهم، كما جرى مع رعايا من مالي والنيجر.

رفض لدعوات الطرد

رفض هذه الحملة لم يكن من الحكومة فقط، فقد جاء من أوساط حقوقية وإعلاميين أيضًا، فقد أكدت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان فافا بن زروقي أنه لا يمكن إجبار اللاجئين الأفارقة على الرحيل من الجزائر وإعادتهم القصرية لبلدانهم الأصلية التي تعاني من الحروب والنزاعات والمجاعة.

مديرة فرع منظمة العفو الدولية في الجزائر: "لحسن الحظ أن هذه التصرفات الصادمة لا تمثل كل الجزائريين"

وتحظر اتفاقية 1951 الخاصة باللاجئين، التي تعد الجزائر طرفًا فيها، الإعادة القسرية للاجئين والأجانب الذين قد يواجهون فيه خطر التعرض للاضطهاد والتعذيب أو للمعاملة اللاإنسانية والمهينة، كما تحظر الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، وتعد الجزائر كذلك طرفًا فيها، الطرد الجماعي للعمال المهاجرين وأفراد أسرهم.

رغم ارتفاع عددهم يحظى اللاجئون بمعاملات جيدة في أغلب الأحيان

وبدورها، قالت مديرة فرع منظمة العفو الدولية في الجزائر حسينة أوصديق، في ندوة بالعاصمة الجزائرية: "لاحظت أن خطابًا عنصريًا ودعوات للعنف، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي ضد الأفارقة في اليوم العالمي للاجئين، ولحسن الحظ أن هذه التصرفات الصادمة لا تمثل كل الجزائريين".

وشددت أوصديق على تطبيق قانون العقوبات بحق كل شخص يدعو إلى ممارسة العنف ضد أي شخص آخر، ونبهت أن عددًا كبيرًا من المهاجرين الأفارقة يتم استغلالهم في ورشات البناء في ظروف عمل سيئة، ولا يستفيدون من أي حماية، لهذا لا بد من تسوية أوضاعهم.

في ذات السياق، كتب جزائري يدعى فتح الدين ميهوب تغريدة على موقعه الخاص في التويتر جاء فيها: "يجب إعانة أخوتنا على تحرير بلادهم لا طردهم بعدما لجأوا إلينا لإعانتهم كما أعانهم أجدادنا المجاهدون سابقًا".