أتراك يهتفون بشعارات وهم يحملون حاملين أعلام تركية وقطرية، خلال مظاهرة مؤيدة لقطر نُظمت وسط إسطنبول، في 7 من يونيو / حزيران سنة 2017

ترجمة وتحرير: نون بوست

في أعقاب، مبادرة كل من البحرين ومصر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة بقطع علاقاتها مع قطر في مطلع شهر حزيران / يونيو، على خلفية اتهامها بدعم المتطرفين والجماعات الإرهابية فضلا عن التحالف مع إيران، سارعت هذه الدول بتقديم لائحة تضم 13 شرطا على الدوحة التقيد بها. ومن بين هذه الشروط، إغلاق القاعدة العسكرية القطرية التركية المشتركة التي تقع في قطر.

من جانبها، أعلنت تركيا أن استهداف حليفتها المقربة، التي تعد عضوا بارزا في مجلس التعاون الخليجي، يعتبر عملا "لا إنسانيا ومُخالفا للقيم الإسلامية". فضلا عن ذلك، أفاد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان أن طلب إغلاق القاعدة العسكرية يعتبر انتهاكا صارخا للقانون الدولي.

في الحقيقة، تحيل الشروط التي فرضتها الدول الخليجية الثلاث التي أقدمت على معاقبة قطر من خلال فرض حظر عليها، على أن الدول الخليجية يعتقدون أن الأتراك يقوضون بشدة جهودهم للضغط على أسرة آل ثاني المالكة لدفعها للانصياع لأوامرها. وتجدر الإشارة إلى أن تركيا لم ترفض الاستجابة لمطالب المملكة العربية السعودية وحلفائها فحسب، بل قامت أيضا بإرسال المزيد من القوات إلى قطر. ومؤخرا شُوهدت الدبابات التركية وهي تجوب أرجاء الدوحة، وقد أدى ذلك إلى تفاقم حدة الأزمة، في ظل تنامي حدة التوتر بين الدول الإسلامية السنية في الشرق الأوسط.

مما لا شك فيه أن الوجود العسكري الأمريكي في قطر كفيل أن يضمن أمن الإمارة الصغيرة، مع العلم أن الرادع الرئيسي ضد أي غزو سعودي إماراتي محتمل لدولة قطر يتمثل في قاعدة "العديد" الأمريكية

على العموم، تعتبر كل من تركيا، وقطر، والمملكة العربية السعودية من البلدان ذات الأغلبية السنية في المنطقة. ولكن، تربط كل من تركيا وقطر علاقات ودية مع بعض الجماعات الإسلامية السنية على غرار جماعة الإخوان المسلمين التي تعتبرها السعودية، والإمارات، ومصر من المنظمات الإرهابية.

من جانب آخر، وفي حال فشلت الكويت وبقية الوسطاء "المحايدين" في حل الخلاف القائم بين قطر وبقية دول الجوار، يمكن أن يؤدي استمرار الوجود العسكري التركي في قطر إلى تعميق الأزمة وتشابكها أكثر. ومما لا شك فيه أن الوجود العسكري الأمريكي في قطر كفيل أن يضمن أمن الإمارة الصغيرة، مع العلم أن الرادع الرئيسي ضد أي غزو سعودي إماراتي محتمل لدولة قطر يتمثل في قاعدة "العديد" الأمريكية.

في المقابل، يتمثل الهدف الحقيقي وراء دعوة دولة الإمارات العربية المتحدة لواشنطن وحثها على نقل المقر الرئيسي للقيادة المركزية الأمريكية، وقواتها البالغ عددها 10 آلاف جندي من قطر إلى أراضيها، في تجريد الدوحة من الدعم الأمريكي وجعل قطر فريسة سهلة لضغوط جيرانها المتزايدة في المستقبل.

في الواقع، أعرب العديد من الدبلوماسيين الغربيين عن قلقهم إزاء تصاعد الخلاف بين دول مجلس التعاون الخليجي الأمر الذي قد ينتهي بمواجهة عسكرية. وبالتالي، سيترتب عن ذلك بروز معضلة رئيسية أخرى على مستوى السياسة الخارجية التركية في الشرق الأوسط، التي لا تزال تعاني من تبعات الأزمة في كل من العراق وسوريا التي امتدت إلى تركيا.

وفي الأثناء، من غير الواضح كيف سيؤثر الوجود العسكري التركي في قطر على توازن القوى الخليجية، في حال تواصلت هذه الأزمة.  وبغض النظر عما إذا كانت القوات التركية المتمركزة في إمارة قطر تتمتع بالقوة العسكرية الكافية لصد أي غزو محتمل، إلا أن وجودها هناك يعد بمثابة دعم سياسي ومعنوي لأسرة آل ثاني. كما أن ذلك من شأنه أن يثير مخاوف أي دولة من الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، التي قد تبادر باتخاذ إجراءات عسكرية ضد الدوحة.

في الحقيقة، تعتبر عملية نشر أنقرة لقواتها في قطر، إبان اندلاع الأزمة الخليجية بمثابة رسالة قوية موجهة للدوحة تحثها من خلالها على عدم الاستسلام لضغوط جيرانها. وعلى الرغم من أن أغلب أحزاب المعارضة التركية قد نددت بهذا القرار، محذرة من الخطر الذي قد يشكله الوجود العسكري لبلادها في قطر وموقفها المؤيد للدوحة، إلا أن أنقرة تؤمن بأن حمايتها لإمارة قطر من الضغوط السعودية الإماراتية من شأنه أن يعزز المصالح الوطنية التركية.

والجدير بالذكر أن أنقرة تصر على إظهار تقديرها لمواقف الدوحة المؤيدة لها في خضم العديد من الصراعات الإقليمية سواء في ليبيا، أو سوريا أو مصر أو كردستان العراق، حيث أن كلا الدولتين يدعمان معسكر الإسلاميين السنة في الشرق الأوسط.

يسعى الأتراك إلى الدفع بعلاقاتهم مع قطر إلى آفاق جديدة من خلال مساندتها في ظل التهديد الوجودي وغير المسبوق الذي تعيشه في الوقت الراهن، والذي يشكل خطرا محدقا بسيادة دولة خليجية عربية واستقلالها

علاوة على ذلك، يرغب الأتراك في استقطاب المزيد من الاستثمارات القطرية بغية دعم اقتصادهم. وفي هذا الصدد، تسعى شركات البناء الضخمة التركية، التي تلعب دورا مهما في نمو اقتصاد بلادها، إلى توقيع المزيد من العقود التي من شأنها أن تدر عليها أرباحا طائلة، مع الدوحة. ومن جانب آخر، تعتبر تركيا قطر بمثابة وجهة مهمة وسوق رئيسي لضخ شحنات الأسلحة التي تصنعها شركاتها الدفاعية. في الوقت ذاته، ترى أنقرة أن قطر، التي تعتبر أول دولة عربية تقيم فيها تركيا قاعدة عسكرية، تمثل جزءا لا يتجزأ من سياستها الخارجية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

وبغض النظر عن العلاقات الاقتصادية والعسكرية التي تربط أنقرة والدوحة، يسعى الأتراك إلى الدفع بعلاقاتهم مع قطر إلى آفاق جديدة من خلال مساندتها في ظل التهديد الوجودي وغير المسبوق الذي تعيشه في الوقت الراهن، والذي يشكل خطرا محدقا بسيادة دولة خليجية عربية واستقلالها.

ومن المثير للاهتمام أن أمير قطر كان أول زعيم عربي يعلن دعمه للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، منذ سنة تقريبا، إثر محاولة الانقلاب الفاشلة التي طالت تركيا. وقد رجّح الرئيس التركي مؤخرا أن بعض أعضاء مجلس التعاون الخليجي لهم يد في ذلك، في إشارة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة. وعلى غرار موقف قطر الداعم لتركيا، أعلنت أنقرة أن الدوحة ضحية مؤامرة إقليمية، في حين يرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن أمن الإمارة مرتبط بتركيا.

في حال ألقينا نظرة استشرافية على المستقبل، سنلاحظ أن النظام الجيوسياسي المتغير في شبه الجزيرة العربية كفيل بأن يزيد من حجم الرهانات التي تواجه تركيا

خلال شهر أيار/ مايو، أعربت العديد من الجهات التركية، التي تعارض وجود قاعدة عسكرية تركية في قطر، عن قلقها إزاء وضع تركيا لجيشها في موقف خطر في إطار مواجهة عسكرية محتملة بين قطر والسعودية، فضلا عن أن ذلك من شأنه أن يثير حفيظة إيران.

في حال ألقينا نظرة استشرافية على المستقبل، سنلاحظ أن النظام الجيوسياسي المتغير في شبه الجزيرة العربية كفيل بأن يزيد من حجم الرهانات التي تواجه تركيا. وتجدر الإشارة إلى أن مخاوف تركيا الرئيسية تتمحور حول إمكانية تورطها في خضم صراع آخر يغذيه بشكل كبير التنافس السعودي الإيراني.

عموما، انحازت كل من تركيا وإيران إلى الجهة نفسها في إطار هذه الأزمة الحالية،  حيث أعلن كلا البلدين عن دعمهما لقطر ضد السعودية. وفي هذا السياق، طرح الكاتب التركي في موقع "المونيتور"، فهيم تشتكين، منذ شهر تقريبا، سؤال مفاده: في حال ساءت الأمور أكثر، هل ستدافع تركيا عن قطر إذا دخلت في مواجهة ضد إيران؟ ويبقى السؤال الأهم، في الوقت الراهن، ما إذا كانت تركيا وإيران ستدافعان عن قطر ضد السعودية والإمارات العربية المتحدة.

المصدر: المونيتور