أزمات الاقتصاد المصري

نريد كبح جماح التضخم واحتوائه، وأيضًا نرغب في زيادة معدلات النمو والتشغيل وتحسين دخول المواطنين، لا يجتمعان، لا نمو دون استثمار، ولا استثمار في ظل معدلات تضخم مرتفعة.

يتحاشى رجال الأعمال استثمار أموالهم في اقتصاد يعاني من تضخم مرتفع، لزيادة تكاليف الإنتاج وتدني استهلاك المواطنين، وبالتالي انخفاض الربحية، التي هي أساس كل استثمار.

ويعاني الاقتصاد المصري من تضخم مصحوب بارتفاع تكلفة الإنتاج، نظرًا لإجراءات تصحيح المسار الاقتصادي الأخيرة، ويتقدمها تحرير سعر الصرف وتحريك أسعار الطاقة ورفع أسعار بعض الرسوم والضرائب غير المباشرة.

أثار قرار رفع الفائدة الأخير حفيظة العديد من الاقتصاديين ورجال الأعمال، مؤكدين أن التضخم في مصر نتيجة ارتفاع التكاليف

وتختص السياسة النقدية (البنك المركزي) بالسيطرة على معدلات التضخم، وإبقائها في الحدود الآمنة، مستخدمةً في ذلك أسعار الفائدة، حيث تستخدمها البنوك المركزية للتحكم في النقد المتداول في السوق، حيث إن رفع أسعار الفائدة يصحبه بالضرورة انخفاض المعروض النقدي والعكس.

ولذلك أقدم البنك المركزي المصري إلى رفع سعر الفائدة بنحو 7% منذ تحرير سعر الصرف في نوفمبر 2016، و3% في الشهر ذاته، و2% في مايو 2017، وبذات النسبة نهاية الأسبوع الماضي.

وأثار قرار رفع الفائدة الأخير حفيظة العديد من الاقتصاديين ورجال الأعمال، مؤكدين أن التضخم في مصر نتيجة ارتفاع التكاليف وليس لزيادة الطلب، وبالتالي رفع الفائدة لن يكون له أي تأثير إيجابي على معدلات التضخم، وأن نسبة المتعاملين مع البنوك لا تتعدى 10% من جملة المصريين، وهو حق ومعلوم.

  أسباب التضخم رفع التكلفة، وقلة المعروض السلعي، ويرى الخبراء أن زيادة الإنتاج كفيلة بوضع نهاية لذلك التضخم

لكن يؤكد علماء الاقتصاد بمختلف خلفياتهم (رأسماليين واشتراكيين وكنزيين ونقديين) أن علاج آفة التضخم رفع معدلات الفائدة، كما أكدت ذلك أيضًا التجارب الاقتصادية الدولية المختلفة.

في حالة الاقتصاد المصري، نرى أن أسباب التضخم رفع التكلفة وقلة المعروض السلعي، ويرى الخبراء أن زيادة الإنتاج كفيلة بوضع نهاية لذلك التضخم، كيف يا أولي الألباب؟ ألا تعني زيادة الإنتاج وإعادة تشغيل المصانع المغلقة وتوظيف الشباب وتحسين الدخول، أي ضخ أموال جديدة في السوق، خلق طلب جديد سواء على سلع تامة الصنع أو رأسمالية، ألا يعني زيادة المعروض النقدي، وبالتالي رفع معدلات التضخم.

لا أحد ينكر أن السياسات المتشددة للبنك المركزي تصيب الأسواق بالركود، وتزيد معدلات البطالة، وتقلص دخول المواطنين والدولة، لكن علينا أن نعلم جيدًا أن جذب استثمارات أجنبية مباشرة وضخ موارد دولارية، يتطلب تحجيم التضخم، ثمن الإصلاح ليس سهلًا ولكن من أراد أن يأكل التمر عليه أن يلعق الصبر.

في نهاية سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي أصاب التضخم الاقتصاد الأمريكي، وسجل 12% سنويًا في الفترة من 1978 إلى 1980، نظرًا لارتفاع تكلفة الإنتاج، حيث ارتفع سعر برميل النفط من 14 دولارًا بداية 1978إلى 34 دولارًا نهاية 1979، بسبب الثورة الإيرانية.

ولم يكن التضخم العشري أمرًا مقبولًا للعملاق الأمريكي، لذا انتهج الاحتياطي الفيدرالي سياسة نقدية لتقييد السيولة، بقيادة عالم الاقتصاد بول فولكر، فرفع أسعار الفائدة بحدة خلال العامين 1979 و1980، وانخفضت أسعار السوق المالية (البورصة)، وأصبح الحصول على قرض من الأمور المستحيلة.

لا أحد ينكر أن السياسات المتشددة للبنك المركزي تصيب الأسواق بالركود وتزيد معدلات البطالة وتقلص دخول المواطنين والدولة

وأدت سياسة تقييد السيولة إلى خفض إنفاق المستهلكين وقطاع الأعمال، فتراجع الناتج الإجمالي المحلي بمقدار 10%، وارتفعت البطالة من 6% إلى أكثر من 10%.

وكانت مكافأة تلك الإجراءات التقشفية تراجعًا كبيرًا في التضخم، من معدل 12% في الفترة ما بين 1978 - 1980 إلى 4% خلال الفترة ما بين 1983 - 1988، فقد نجحت البطالة المرتفعة في خفض التضخم، لكن التكلفة كانت باهظة.

وهيأ انخفاض التضخم وتزايد الطاقة الإنتاجية إلى التوسع في نمو اقتصادي طويل المدى في بداية الثمانينيات، فقد نما الناتج المحلي الإجمالي باطراد بمقدار 3.5% في الفترة ما بين 1982 - 1989، وهبط معدل البطالة إلى 5.5% بدلًا من 10%، وظلّ التضخم في حدود مقبولة، فالسياسة النقدية في تقييد السيولة مكلفة لكنها تنجح في احتواء التضخم.