تعج المجتمعات والثقافات المختلفة سواء الشرقية والغربية، بالعديد من الأساطير الشعبية التي تدور حول شخصيات وحكايا خرافية، يدّعي الكبار أنها وقعت قبل زمن بعيد، وأنهم سمعوها بآذانهم ممن عايشوها بالفعل، وأن هذه الأساطير المخيفة والشخصيات المرعبة، موجودة بالفعل بين ظهرانينا، ولا تظهر إلا إذا اجتمعت شروط معينة أو توافرت ظروف خاصة.

ومعظم الأساطير الشعبية، قد تكون نبتت من حادث غريب أو مثير للدهشة، لكن الألسنة التي تناقلتها عبر أجيال، أضافت لها الكثير والكثير من الأحداث المُختلقة من أجل إضفاء عناصر التشويق والإثارة وربما الرعب على الأسطورة، مع التأكيد الدائم على صحة هذه الرواية، وأن راويها سمعها بأذنيه ممن وقع له هذا الحادث.

كوشي ساكي أونا -  صاحبة الفم المشقوق


تنتشر هذه الأسطورة الشعبية في اليابان، وتحكي عن امرأة شابة رائعة الجمال ترتدي قناعًا طبيًا حول فمها، توقف المارة وخاصة الصغار، لتسألهم عما إذا كانت جميلة، وبعدما يجيبوها بنعم، تنزع القناع الطبي عن وجهها، ليظهر فمها المشقوق من الأذن وحتى الأذن، ثم تعاود السؤال مرة أخرى، وما إن تبدو مظاهر الهلع على وجه من سبق وأجابها أنها جميلة، حتى تقوم بخنقه وقتله.

وتقول الحكايات الشعبية التي ظهرت على السطح بسبب أحداث غريبة وقعت عام 1979 في مدينة نجازاكي، تدّعي أن امرأة مشقوقة الفم تقف أمام المدارس الابتدائية كي تسأل الأطفال عما إذا كانت جميلة أم لا، مما تسبب في خلق حالة من الذعر والهلع في المدارس، أدت إلى تكثيف الوجود الشرطي.

هذه المرأة تدعى كوشيساك أونا - 口裂け女، وكانت زوجة لأحد مقاتلي الساموراي، ثم خانته مع شاب أصغر سنًا وأكثر وسامةً منه، فما كان من الزوج المخدوع إلا أن استل سيفه وشق فمها من الأذن وحتى الأذن قائلاً لها: من سيجدك الآن جميلة؟! ومن ثم لعنت الآلهة روحها بأن تظل هائمة إلى الأبد.

ويتداول الأجداد هذه الحكايا كي يؤكدوا على أهمية عدم الحديث مع الغرباء، وأيضًا من أجل التأكيد على أهمية المجاملات اللطيفة والإطراءات التي لا تسبب الأذى لأحد والتي قد تمنح قائلها فرصة أخرى للحياة، ولا تزال قصة كوشيساكي أونا مصدرًا خصبًا لأفلام وقصص الرعب اليابانية.

بابا درياه – إنسان الماء


صورة متخيلة لأحد وحوش البحار الخرافية​

بابا درياه أو ما يعرف في الخليج بـ"بو درياه"، واحدة من الشخصيات الخرافية المنتشرة في دولة الإمارات ودول الخليج العربي، وخاصة عند سكان المدن الساحلية وتحديدًا أهل البحر، ممن يعملون بالبحر من صيادي السمك والغواصيين ومنظمي الرحلات البحرية وبائعي الحجارة المرجانية.

و"بابا درياه" كلمة فارسية مكونة من شقين: بابا وتعني "أبا"، ودرياه وتعني "البحر".

ويدّعي أهل البحر أن بابا درياه مارد من الجن، يتسلل إلى مراكب البحارة، في الفترة ما بين صلاة العشاء وآذان الفجر، ليختطف أحد البحارة ويأكله أو يقتله، ثم يعبث في السفينة بغرض إتلافها وإغرقها، ومن أجل ذلك، تقوم السفن كل مساء، بعمل "نوبات حراسة" بها اثنان أو أكثر من البحارة، فإذا سمع الحراس صوت بابا درياه صاحوا على زملائهم "هاتوا المشارة والجدوم" أي المنشار والفأس/القدوم، حتى يسمعهم بابا درياه ويهرب.

رسم لأحد الوحوش البحرية الخرافية وهي تتسبب في إغراق سفينة

ورغم شيوع هذه الخرافة، إلا أن أحدًا لم يتمكن من وصف بابا درياه أو ادّعاء رؤيته رأي العين، حيث يقول أهل البحر إنه لا يأتي إلا في الظلام الدامس، حيث يمكنه إخفاء ملامحه، لكنهم يؤكدون أنه يتشكل في هيئة رجل قوي وضخم البنيان.

أما الرواية الأخرى لأسطورة بابا درياه، فتقول إنه كائن خرافي مخيف يعيش في البحر، كان يظهر للبحارة على شكل إنسان مخيف الخلقة، يصيح طالبًا النجدة والإنقاذ من الغرق، فإذا ما اقتربوا منه لمد يد العون، سرق طعامهم وأتلف شيئًا في السفينة.

عيشة قنديشة – سيدة المستنقعات


تمتلئ الثقافة المغربية بكثير من الأساطير والخرافات والحكايات الشعبية المتوارثة والشخصيات السحرية والجنية، تلك الأساطير التي تعد تراثًا متوارثًا عن الأباء والأجداد، ويؤمن به الكثيرون.

وعيشة القنديشة أو لالة عيشة أو عيشة السودانية أو سيدة المستنقعات، هي أسماء عديدة أطلقت على شخصية خرافية واحدة، تُعد من أكثر الشخصيات الخرافية شعبية في المغرب، حيث تقول الخرافة إن عيشة قنديشة جنية تتشكل في هيئة امرأة بالغة الجمال تخفي تحت ردائها الأبيض البراق، قدمين تشبهان حوافر الجمال أو البغال أو الأغنام، ويدعي مروجو الأسطورة أنها تظهر ليلاً في الغابات وبجوار المصارف والبرك الراكدة والمستنقعات وطعامها الأثير هو لحم الرجال.

ويُقال عنها إن جمالها يخلب الألباب، وتفتن كل رجل يراها، فتغويه وتستدرجه إلى وكرها فتمارس الجنس معه ثم تقتله وتأكل لحمه وتشرب دماءه.

وطبقًا للأسطورة الشائعة، فإن النار الشيء الوحيد القادر على قهر هذه الجنّية، حيث يُروى أنها ظهرت في طريق بعض الرجال العائدين إلى قريتهم، وكانت قاب قوسين أو أدنى من الإيقاع بهم، قبل أن يلاحظ أحدهم حوافرها ويتعرف عليها، فبادروا بخلع عمائمهم وأضرموا فيها النيران، فسارعت "عيشة قنديشة" بالهرب.

وتزعم العجائز المغربيات أن عيشة قنديشة امرأة توفي عنها زوجها، لكنها لم تلتزم بما تتلزم به النساء عند الترمل، من لبس الأسود وترك الزينة وعدم الخروج من البيت واحترام "حق الله" أيام العدة، وبسبب فعلتها هذه، أصابتها اللعنة الإلهية، حيث صارت تتعذب بسلاسل تجرها ورائها، وصارت تكره النور، وتسكن في المقابر، ويرى البعض أن مثل هذه الحكايات التي تصر العجائز على صحتها، رسائل مبطنة وربما صريحة للمترملات كي يلتزمن بطقوس وشروط العدة.

وتناولت بعض الدراسات المهتمة بالتراث المغربي أصل قصة عيشة قنديشة، مثل بعض الدراسات المعاصرة التي قام بها الفرنسي بول باسكون والسوري مصطفى العتيري، حيث توصلت هذه الدراسات إلى أن عيشة القنديشة هو اسم محرف لعائشة الكونتيسة، المغربية المورسيكية التي طردها المسيحيون من الأندلس إبان محاكم التفتيش أوائل القرن السادس عشر حين تم تهجير نحو 275.000 مسلم من المورسكيين.

وتذكر بعض الوقائع التاريخية أن عيشة كانت مسافرة حين هاجم الجيش البرتغالي قريتها "أزمور" في المغرب سنة 1558، وأبادوا كل سكانها بما فيهم عائلتها وزوجها، فقررت الانتقام بسلاحها الوحيد، جمالها الأخاذ.

حيث تعاونت عيشة مع الجيش المغربي في محاربة البرتغاليين، وكانت لها طريقتها الخاصة في إغواء المحاربين بجمالها وجرهم إلى الوديان والمستنقعات، حيث تذبحهم بطريقة مرعبة.

ولما أظهرت عيشة شجاعة باهرة في القتال وذاع صيتها، خاف البرتغاليون من ازدياد شعبيتها وتوسع مناصريها وتحولها إلى بطلة قومية، فروجوا بين المغربيين البسطاء أنها جنية وليست بشرًا، وتختطف الذكور إلى وكرها الموحش كي يخشاها الناس، وبالفعل انتشرت هذه الشائعات كانتشار النار في الهشيم، واستمرت حتى يومنا هذا، وتقول الدراسات التاريخية إن عيشة لقيت حتفها بعد مشاركتها في معركة وادي المخازن سنة 1578 ولكن لم يتم العثور على جثتها.

وعيشة قنديشة في التراث المغربي تشبه إلى حد كبير "النداهة" في التراث الشعبي المصري، و"أم الدويس" في التراث الخليجي، وبانشي Banshee في التراث الأيرلندي.

ماري الدموية – أنا قتلت صغيرك


أسطورة ماري الدموية

تقول الخرافة المنتشرة في الأوساط الإنجليزية، إنك إذا وقفت أمام مرآة في غرفة مظلمة ورددت ثلاث مرات: ماري الدموية، أنا قتلت صغيرك Bloody Mary, I killed your baby، فإن ماري الدموية بشعرها المشعث وثوبها الأبيض ويدها المبتورة والدماء التي تغطي وجهها، ستظهر لك وهي تحمل في يدها الوحيدة سكينًا كبيرة، وظهورها قد يكون خيرًا أو شرًا.

ففي بعض الأحيان تكشف المستقبل للشابات اللواتي يريدن معرفة متى ومن سيتزوجن؟ وأحيانًا تققتل أو تشوه أو حتى تطارد من استدعاها.

الملكة ماري الأولى

وتقول الحكايات المتداولة إن ماري الدموية، شبح لامرأة شابة، خُطف ابنها الرضيع منها، مما أدخلها في موجة اكتئاب كبيرة ومن ثم قَطْع يدها والانتحار، في حين تقول بعض الحكايات الأخرى إن ماري الدموية كانت امرأة شابة مصابة بلوثة عقلية وتم اتهامها بقتل أبنائها الصغار.

كما تشير بعض الدراسات إلى رابط تاريخي يربط بين خرافة ماري الدموية والملكة ماري الأولى، ملكة إنجلترا وأيرلندا، والتي أُطلق عليها أيضًا اسم ماري الدموية، بسبب القوانين الدينية العنيفة، وأحكام الإعدام التي أصدرتها بحق البروتستانت بعدما تحولت للكاثوليكية.

بابا ياجا – المرأة العجوز


رسم متخيل لبابا ياج​

واحد من أهم الشخصيات الخرافية في الحقبة السلافية - الحقبة ما قبل الديانة المسيحية في روسيا -، وهي امرأة مسنة ذات أنف طويل للغاية وأسنان مخيفة وحادة، وساقين طويلين ونحيلين، رقيقة مثل هيكل عظمي، وتمسك مكنسة/مقشة طويلة لا تفارقها أبدًا، ويقال في بعض الرويات إنهن 3 أخوات يحملن نفس الاسم ويعشن في إحدى الغابات في كوخ خشبي له أرجل دجاج ونوافذ تُشبه عيون البشر وسياج من العظم، وإن هذا الكوخ يتحرك، وعندما يحل في مكان ما، تبدأ عواصف الرياح وصرير الأشجار ودوامات الأعاصير.

رسم متخيل لكوخ بابا ياج

وبابا ياجا والتي تعرف في بعض الثقافات بـ"بابا روجا"، لديها قدرات خيالية غير مألوفة، ويقال إنها تأكل الصبيان الصغار أو تخطفهم كما تخرج في الليل لتعترض طريق المسافرين.

وتذكر بعض الروايات الأخرى أن بابا ياجا روح امرأة شابة حكيمة شديدة الجمال، تقطن بمفردها في كوخ خشبي، يقصدها طالبو النصيحة والباحثون عن ضالتهم المنشودة، لاستشارتها في أمورهم الحياتية بسبب ما تملكه من بصيرة تُمكنها من معرفة الغيب، وهداية الأرواح المتعبة.

دوموفوي وكيكيمورا.. الطيب والشريرة


رسم متخيل لشخصية الخرافية الطيبة دوموفوي​

من الشخصيات الشائعة في تراث الأساطير السلافي التي كانت جزءًا من آلهة السلاف، وdomovoi كلمة مشتق من Dom وتعني المنزل Domestique، وهو شخصية أسطورية لروح منزلية معروفة في الأساطير السلافية قبل أن يصبح شخصية من الحكايات الشعبية الروسية.

ويقال إنه كان صغير الحجم، ذو لحية كبيرة، يعيش في الفرن أو المدفأة أو إسطبل الخيول، ووظيفته حماية المنازل التي يسكنها أو أن يقوم بدور رب الأسرة ومساعدة أفراد البيت في حال غياب رب الأسرة.

ويساعد دوموفوي في الأعمال المنزلية مقابل بعض المكافآت التي يقدمونها له، كالحليب والحلوى والتبغ، وفي حال شعر دوموفوي بالإهانة، فإنه يغادر المنزل إلى غير رجعة.

ومعظم ظهور domovoi يحدث في الليل، كما أنه يخنق أصحاب البيت الذي يعيش فيه، بغرض إيقاظهم وتنبيههم لخطر محدق بالمنزل، أو لشر سيحل تكسيرها لإحداث جلبة كبيرة في أرجاء المنزل.

رسم متخيل لكيكيمورا

أما كيكيمورا، فهي على عكس Domovoi الذي اشتهر بفعله للخير وحمايته للعائلة، فـKikimora تجسيد لروح الشر في الميثولوجيا السلافية المنزلية، حيث كانت ساحرة أو روح من الأرواح الهائمة التي تعيش في المنزل، وبحسب الأساطير السلافية، فكيكيمورا تعيش في قبو المنازل أو خلف الموقد، وقد توجد بالقرب من المصارف الصحية ومستنقعات الغابات، وتقول بعض الأساطير القديمة إنها كانت زوجة Domovoi  الشريرة.

وKikimora تُروع الأُسر وتُخيفها خاصة إذا كان المنزل غير مرتب أو نظيف وتصدر ضوضاء مشابهة للضوضاء التي تصدرها الفئران في أثناء بحثها عن الطعام في أماكن المؤن، وتقول الحكايات السلافية إنها كانت تدخل المنازل ليلاً، من خلال ثقب المفتاح، ثم تحاول خنق أفراد الأسرة في أثناء نومهم، وذكرت الأساطير أنها تجلس على الشخص النائم وتضع مخالبها على عنقه في محاولة لخنقه، كالتأثير الذي يُحدثه شلل النوم أو ما يُعرف بالجاثوم.