لماذا يغض إعلام الغرب الطرف عما ترتكبه السعودية في اليمن؟

لماذا لم تتحدث وسائل الإعلام الغربية عما تمارسه السعودية في اليمن من قصف وتنكيل بالمدنيين وتحملها جزءًا من مسؤولية تفشي وباء الكوليرا مقارنة بالتغطية الميدانية المكثفة لما يحدث في سوريا مثلاً؟

كيف حصلت السعودية على مقعد في منظمة العمل الدولية وتشارك في وضع سياساتها وميزانيتها رغم ما تعاني منه قوانين العمل لديها من خروقات واضحة لمواثيق وقوانين العمل الدولية؟ كيف تفوز المملكة بفترة ولاية ثالثة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة كذلك لجنة المرأة وهي التي لم تعط لنسائها حتى رخصة القيادة فضلاً عن بقية حقوقها الأخرى؟

كيف تحول ترامب صاحب التصريحات القاسية والساخرة ضد النظام السعودي والذي اتهم منافسته هيلاري كلينتون في الانتخابات الرئاسية الماضية بالتعاون مع السعودية وتلقي أموال منها إلى أكبر داعم للعاهل السعودي ونظامه؟ أسئلة عدة قدمتها صحيفة  truth outالأمريكية المتخصصة في التحليلات السياسية، في محاولة للإجابة عنها من خلال السياق العام للأحداث التي تكشفه المستجدات على الساحة خلال الفترة القليلة الماضية.

التقرير الذي نشرته الصحيفة الأمريكية على موقعها الإلكتروني الإثنين الماضي ألمح إلى توظيف الرياض لسلطة المال من أجل تجنيد المؤسسات والشخصيات عبر شراء توجهات ومواقف البعض تارة، والسيطرة على كيانات بعينها إداريًا وماليًا تارة أخرى، إضافة إلى نفوذها القوي في مجال الإعلام وهو ما يفسر لماذا تركز بعض وسائل الإعلام الغربية على حدث وتغض الطرف عن آخر.

الرياض خلال السنوات الأخيرة نجحت في شراء العديد من أصوات السياسيين والإعلاميين في المراكز الفكرية الأمريكية والأوروبية

شراكة البترودولار الخليجية

الصحيفة الأمريكية استهلت تقريرها بالقلق السعودي من قناة الجزيرة القطرية والتي باتت تمثل "معضلة كبيرة بالنسبة للسعوديين" كونها تميط اللثام عن أمور لا ترضى عنها الرياض، وهو ما تجسد بصورة كبيرة في الحصار المفروض على الدوحة من الدول الرباعية (السعودية - مصر - الإمارات - البحرين) حيث قطعت تلك الدول شحنات الغذاء إلى القطريين.

كما أشار التقرير إلى أن الرياض خلال السنوات الأخيرة نجحت في شراء العديد من أصوات السياسيين والإعلاميين في المراكز الفكرية الأمريكية والأوروبية، وهو ما يعزز شراكة البترودولار الخليجية، ملفتًا إلى أن "معظم الجامعات الغربية والمعاهد السياسية تتلقى تمويلاً سخيًا من الممالك الخليجية".

وفي المقابل تغض تلك المراكز ووسائل الإعلام في الغرب وأمريكا على حد سواء الطرف عن الانتهاكات التي تمارسها الرياض في مجال حقوق الإنسان، فضلاً عن مساعيها لاحتضان حكام تلك الدول الخليجية حفاظًا على العلاقات التجارية، خاصة أن المال الخليجي له مفعول السحر في كثير من التحركات الغربية على أرض الواقع.

الصحيفة قدمت بعض التناقضات في تعامل الإعلام الغربي مع عدد من الأحداث الإقليمية، مما يكشف التحيز الواضح والتبعية الكاملة للقرار السعودي على وجه الخصوص ومعه الإماراتي بنسبة كبيرة مقارنة بالدول الأخرى، فخلال "متابعة التغطية الإخبارية العالمية للحرب التي تقودها السعودية على اليمن، ومقارنة تلك التغطية بالحرب في سوريا، ستلاحظ الصمت الذي يلوح في الأفق، حيث يموت الآلاف في اليمن نتيجة القصف السعودي، كما أن الكوليرا انتشرت في البلد الفقير، وبمساعدة سعودية إماراتية أنشئت سجون لتعذيب اليمنيين، ووفقًا لروايات السجناء فقد تعرضوا للضرب والتعذيب الجنسي وعصب العينين وما يعرف بالشواء"، وهو ما كشفه موقع "عربي21" نقلاً عن صحيفة "الجارديان" البريطانية والتي تحمل المملكة مسؤولية تفشي هذا الوباء بين اليمنيين.

توجد بأمريكا وأوروبا الكثير من جماعات الضغط التابعة للسعودية والتي تؤثر بشكل أو بآخر في السياسة الأمريكية والرأي العام ككل، وتعمل على دعم توجهات الرياض الخارجية

الإعلام الغربي والأمريكي لم يتحدث مطلقًا عما يحدث في اليمن من انتهاكات، ولم يشر لا من قريب ولا من بعيد إلى التورط السعودي في هذا المستنقع رغم ما صرحت به المنظمات الدولية من كوارث إنسانية يعايشها اليمنيون جراء القصف السعودي ليل نهار.

الموقف الثاني الذي استشهدت به الصحيفة هو التحول الجذري في توجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من السعودية، فالرجل الذي كال الاتهامات للرياض ونظام آل سعود خلال حملته الانتخابية فضلاً عما وجهه شخصيًا للمرشحة السابقة هيلاري كلينتون من توبيخ بسبب دعمها للسعودية وتلقيها أموالاً منها، فجأة وبعد أقل من شهر على ولايته داخل البيت الأبيض يتحول إلى الحليف الأقوى للعاهل السعودي ونجله، بل يخصه بأول زيارة خارجية له، ليعود معها محملاً بصفقات تتجاوز 450 مليار دولار، وعند البحث عن سبب هذا التحول لا شك أنه سيكون المال، بحسب ما ألمحت له الصحيفة.

قناة الجزيرة باتت معضلة للسعوديين لذا كانت الحملة ضد الدوحة

انتهاكات حقوق الإنسان

ومن التساؤلات التي أبرزتها الصحيفة فوز السعودية بفترة ولاية ثالثة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وكذلك لجنة المرأة، وما وصفه التقرير بأنه "خطوة غريبة"، خاصة في ظل ما تعاني منه المرأة السعودية من تمايز واضح بينها وبين الرجل، فضلاً عن افتقادها لأدنى حقوقها كحرية الاختيار والسير والسفر حتى رخصة القيادة لم تتح لها حتى الآن، ورغم كل تلك الانتقادات فوجئ الجميع بفوز المملكة بعضوية لجنة المرأة.

يتعرض الكثير من ناشطي حقوق الإنسان للاضطهاد والتعذيب في السعودية والبحرين والإمارات فضلاً عن الاعتقالات التي تطال كل من يغرد خارج السرب، حسبما كشفت التقرير، موضحًا أن الرياض من أكثر دول المنطقة تجاهلاً لمواثيق الحقوق الدولية. 

ومن المفارقات الواضحة التي تطرقت إليها الصحيفة ما كانت عليه أمريكا في السابق مقارنة بما وصلت إليه الآن حيث باتت أسيرة المال والدولارات سهلة للبيع والشراء، ففي ستينيات القرن الماضي، اشترط جون كيندي الرئيس الأمريكي الأسبق، إنهاء تجارة الرق كأحد شروط استمرار العلاقات السعودية الأمريكية، وبعدها حظرت السعودية هذه التجارة رسميًا، على الرغم من استمرار الاستغلال الكبير للعمال الأجانب، لكن مع مرور الوقت أفسد البترودولار مبادئ واشنطن ليحل محلها مبادئ أخرى لعل أبرزها "من يدفع أكثر يحصل على الدعم والتأييد".

الإعلام الغربي والأمريكي لم يتحدث مطلقًا عما يحدث في اليمن من انتهاكات، ولم يشر لا من قريب ولا من بعيد إلى التورط السعودي في هذا المستنقع رغم ما صرحت به المنظمات الدولية

رغم التمايز ضد المرأة السعودية إلا أن المملكة فازت برئاسة لجنة المرأة في الأمم المتحدة

جماعات الضغط

توجد بأمريكا وأوروبا الكثير من جماعات الضغط التابعة للسعودية والتي تؤثر بشكل أو بآخر في السياسة الأمريكية والرأي العام ككل، وتعمل على دعم توجهات الرياض الخارجية حيال الملفات الإقليمية التي تحتاج إليها، وكما أوردت الصحيفة فهناك بعض الكيانات الأمريكية التي تتلقى تبرعات كبيرة من المملكة على رأسها مجلس سياسة الشرق الأوسط ومعهد الشرق الأوسط ومتحف سميثسونيان فرير للفنون.

هذا بالإضافة إلى عدد من البرلمانيين المقربين من نظام آل سعود داخل مجلس الشيوخ، وبحسب وكالة "بلومبيرج" الأمريكية فإن السعودية الحليف الاستراتيجي لأمريكا بمنطقة الشرق الأوسط، وصاحبة الموارد المالية الهائلة، ولها أصدقاء كثر داخل الكونجرس على رأسهم السيناتور الجمهوري بوب كوركر، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالمجلس، كذلك زعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ ميتش ماكونيل من ولاية كنتاكي.

أما في مجال الإعلام فحدث ولا حرج، فقد سعت السعودية مبكرًا لإحكام السيطرة على بعض المؤسسات الإعلامية الضخمة في أمريكا وأوروبا لدعم توجهاتها وتشويه صورة المعارضين لها، كان آخر تلك الصفقات الاستحواذ على الصحيفة البريطانية الشهيرة "إندبندنت"، حيث دفع مستثمر سعودي  ملايين الدولارات إلى المؤسسة الإخبارية البريطانية التي تعرف بالدفاع عن القضايا الليبرالية، ما أثار مخاوف بشأن غض الطرف عن ملفات حقوق الإنسان في السعودية حسبما كشف "نون بوست" في تقرير له.

هذا الخبر أكدته صحيفة "فاينانشال تايمز" ففي خبر لها تحت عنوان "مستثمر سعودي يستحوذ على حصة رئيسية في "الإندبندنت"، حيث حصل محمد أبو الجدايل، وهو مواطن سعودي يبلغ من العمر 42 عامًا، على حصة بنسبة 30% في شركة ديجيتال نيوز آند ميديا، وهي الشركة الأم للموقع الإلكتروني، بما في ذلك الأسهم التي باعها المساهمون الصغار له.

السعودي محمد أبو الجدايل يستحوذ على 30% من الشركة المالكة لصحيفة "إندبندنت"

وبالعودة للوراء قليلاً وبالتحديد في يونيو 1992، حيث تقرير نشرته صحيفة "النيويورك تايمز" عن "متابعة استحواذ السعوديين على وسائل الإعلام لكسب النفوذ في العالم العربي" كشف عن استثمار الرياض عشرات الملايين من الدولارات للحصول على أبرز وسائل الإعلام ووكالات الأنباء في أوروبا وأمريكا.

كان آخر تلك الصفقات الاستحواذ على الصحيفة البريطانية الشهيرة "إندبندنت"، حيث دفع مستثمر غامض يقيم في المملكة العربية السعودية ملايين الدولارات

التقرير كشف أنه في عام 1992 نجحت المملكة في إتمام صفقة شراء شركة يونايتد برس العالمية عن طريق شركة الشرق الأوسط للإذاعة المحدودة المملوكة لشقيق العاهل السعودي الراحل الملك فهد، ويدعى وليد الإبراهيمي، وكانت الصفقة بقيمة 395 مليون دولار.

وقد خلص التقرير إلى أن حزمة من وسائل الإعلام في أوروبا وأمريكا باتت تحت سيطرة السعودية بما لديها من مال وإنفاق سخي، حتى بلغ عدد تلك الكيانات الإعلامية المملوكة للرياض خلال عام 1992 ما يقرب من 12 وسيلة إعلامية.

وهكذا تسير السعودية على خطى جارتها الإمارات في توسيع دائرة نفوذها أوروبيًا وأمريكيًا عبر جماعات ضغط سياسية وإعلامية واقتصادية لها تأثير فعال في صناعة القرار السياسي في تلك الدول، تسمح لها بأن تتبنى وسائل الإعلام الغربية خطابًا داعمًا لتوجهاتها مهاجمًا لمن يعارضها، يسلط الضوء على ما يدعم موقفها ويغض الطرف عما يكشف عن سوءاتها.