عزل الملك فاروق كان بمشاركة من الإخوان المسلمين

في مثل هذه الأيام، وقبل 32 عاما، رحل الفريق عبد المنعم عبد الرؤوف، أحد أهم قيادات الإخوان داخل تنظيم الضباط الأحرار، الذي جاهدت الجماعة كثيرا لإثبات تبعيته لها، بالرغم من انقلابه عليها فيما بعد، وتأسيسه لدولة يوليو ذات الصبغة العسكرية والقبضة الحديدية التي أذاقت أعضاءها كافة صنوف العذاب، وظل الطرفان ينتظران اللحظة الفارقة التي تُسن فيها السكاكين وتُنتَخب فيها المقصلة، للإجهاز علي الأخر للأبد، وفرض حكاية واحدة علي التاريخ وقد كان.

صراع الفريق عبد الرؤوف مع عبد الناصر ورفاقه،  يؤكد أن جماعة الإخوان في أغلب تاريخها، لم تقرأ الواقع جيدا، وكانت دائما تحاول السباحة في الرمل، خلال خوضها المعارك السياسية، التي اشتعلت حول السلطة في مصر، لا تخطيط ولا دراسة ولا استفادة من أي خطأ، فقط التجربة وحدها كانت عنوان واضح لكل مرحلة من مراحلها.

من هو عبد المنعم عبد الرؤوف ؟

أحد ضباط حركة 23 يوليو عام 1952، ولد في السادس عشر من مايو 1914 بحي العباسية بالقاهرة لوالدين تربطهما صلة قرابة، وكان والده ضابطا في الجيش المصري؛ حصل «عبد الرؤوف» على الشهادة الابتدائية عام 1928، ثم حصل على البكالوريا عام 1935، والتحق بالكلية الحربية، ومنها إلي مدرسة الطيران، وتخرج منها عام 1938، وأطلق عليه زملاؤه لقب «الأسد» لإعجابهم بشجاعته وجرأته.

وعبد المنعم عبد الرؤوف كان أحد قادة الضباط الأحرار قبل حركة 23 يوليو، وكان أول ضابط ارتبط بجمال عبد الناصر فى التنظيم, ونجح فى ضمه إلى الإخوان,  وظل عبد المنعم عبد الرؤوف يعمل مع ناصر حتى اشتد الخلاف بينهما قبل الثورة, وجاءت الأسباب جميعها لتفرض نوعا من الغموض حول علاقة حركة الضباط الأحرار بالإخوان.

دبت الخلافات سريعًا بين عبد الناصر وعبد الرؤوف وعجلت بالصدام بينهما، وكان لكل طرف روايته الذاتية

في مذكراته التي حملت اسم «أرغمت فاروق علي التنازل علي العرش»، يحرص عبد الرؤوف علي إثبات تبعية تنظيم الضباط الأحرار للإخوان، ويرصد كيف أنشأه بنفسه عام 1942 بعد انضمامه إلى جماعة الإخوان المسلمين وشّكل أول خليه فيه من جمال عبد الناصر وآخرين، وعُرف في البداية باسم تنظيم الضباط الإخوان.

كانت رواية عبد الرؤوف محل خلاف تاريخي، وكانت السبب أيضا في تجريده من امتيازاته وتاريخه العسكري، الذي لم تذكره كتب التاريخ الحكومية، إلا باعتباره اسمًا مجهولا في مجلس قيادة الثورة، دون إشارة واضحة إلي أدواره الكبري، أو انتماؤه الفكري والسياسي لـ«الإخوان».   

منذ البداية وكما هو معهود عن أي عمل سياسي يجمع الإخوان بغيرهم، دبت الخلافات سريعًا بين عبد الناصر وعبد الرؤوف وعجلت بالصدام بينهما، وكان لكل طرف روايته الذاتية، إلا أن المثير للغرابة هو شبه إجماع مذكرات قادة يوليو علي طرح رؤية مختلفة كليا مع ما قاله عبد المنعم في مذكراته، عن أسباب الخلاف الذي أرجعه هو إلي إصرار عبد الناصر علي الاستعانة بأشخاص، لم يكن يرضى عنهم، فضلا عن قيامه بأعمال متهورة لا تتفق مع أهداف التنظيم، مما عرضهم للأخطار الشديدة.

محاولات عبد الرؤوف لـ«أخونة» ضباط يوليو

تؤكد غالبية مذكرات أعضاء مجلس قيادة الثورة، أن عبد المنعم عبد الرؤوف، كان يريد ربط مفاصل التنظيم بالإخوان المسلمين، وهو الأمر الذي رفضه ناصر، وأصر علي ضرورة إبقاء التنظيم مستقلا عن كل الأحزاب والجماعات، وأن يستقيل كل ضابط ينضم إليه من الحزب أو الجماعة التى كان مرتبطا بها من قبل، وعندما رفض عبد المنعم عبد الرؤوف ذلك، وأصر على عضويته بجماعة الإخوان، أسقط عبد الناصر عضويته فى تنظيم الضباط الأحرار، لتشتعل الحرب بينهما.

حاول عبد المنعم، تأجيل حسم الصراع إلي ما بعد تحقيق الهدف، الذي من أجله تكون التنظيم، ولكن ظل ثمن الصراع مكتومًا حتي وقع الانقلاب، فى يوليو عام 1952، وكان لعبد الرؤوف دورًا رئيسيًا وأساسيًا فيه، بعدما قام بمحاصرة قصر رأس التين، الأمر الذي ساهم في إسقاط عرش الملك فاروق.

يقول الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات، في كتابه قصة الثورة كاملة: عبد المنعم عبد الرؤوف كان أحد أعضاء الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار، التي كانت تضم فى البداية جمال عبد الناصر وكمال الدين حسين وحسن إبراهيم وخالد محيي الدين وعبد المنعم عبد الرؤوف".

عبد المنعم عبد الرؤوف تجمع المصادر علي أنه كان صاحب دور هام، فى تشكيل جمعية الضباط الأحرار, ولكنه كان الرجل الثانى فى مؤسسيها.

ويتابع: بينما نحن نعد خطتنا لقلب نظام الحكم على أساس تقديرنا لموقف البلاد فى ذلك الوقت، فوجئنا بالبكباشى عبد المنعم عبد الرؤوف، يطالبنا بضم تنظيم الضباط الأحرار كله إلى الإخوان المسلمين، ورغم حالة المعارضة الشديدة لما يقوله إلا أنه أصر على إخضاع الضباط الأحرار لجماعة الإخوان المسلمين، وقال وهو يحاول إقناعنا بوجهة نظره إن جميع أعضاء تنظيم الضباط الأحرار، يمكن أن يقبض عليهم قبل أن يتمكنوا من عمل شىء, من سيرعى أطفالهم وزوجاتهم وأهلهم؟ فقلنا له جميعا, إننا مثله لنا زوجات وأولاد, ويهمنا أن نطمئن عليهم وعلى مصيرهم، ولكن المسألة ليست شخصية فنحن نعد ثورة لا مؤامرة.

حاول السادات في كتابه، إعطاء صورة من منظوره الشخصي، عن كيفية تفكير الإخوان وطريقتهم في إدارة الخلاف، راغبا في توثيق انتهازيه الجماعة ورغبتها في الاستئثار بكل شيء؛ وإن كان أعطي هو الأخر صورة كاملة عن الانتهازية السياسية، وعدم الكياسة، بعدما سمح لنفسه بتشويه التاريخ، وحذف أدوارًا كاملة لعبد الرؤوف بسبب خلاف فكري وسياسي، وهو مرض مصري، يصاب به من يجلس علي سدة الحكم.  

ما قاله السادات، ذكره أيضا عبد اللطيف البغدادى، عضو مجلس قيادة الثورة، وقال في مذكراته، أن عبد المنعم سقط من ذاكرة الضباط الأحرار قبل قيام الثورة بشهور قليلة، لنشاطه ومحاولاته المتعددة ضم بعض الضباط إلى جماعة الإخوان المسلمين، التى كانوا يرفضون الاندماج فيها، وفضلوا بذلك أن تقتصر علاقتهم معها على التعاون دون الاندماج، ولكن عبد المنعم تخطى هذا القرار ما حملهم علي ضرورة إبعاده.

رغم انتماء اللواء صلاح شادي، للإخوان، بل كان هو مسئول قسم الوحدات في النظام الخاص لها، إلا أن كتابه ثوار يوليو، أضفي نوعا آخر من التناقض والغموض حول حقيقة المؤسس الحقيقي لتنظيم الضباط الأحرار، إذ يقول «شادي» أن عبد المنعم عبد الرؤوف تجمع المصادر علي أنه كان صاحب دور هام، فى تشكيل جمعية الضباط الأحرار، ولكنه كان الرجل الثانى فى مؤسسيها.

وروي القيادي الإخواني بالتنظيم الخاص، أن بعض الضباط الأحرار، كانوا يحاولون جعل عبد الرؤوف المؤسس الأول، بسبب مجازفته الضخمة بالاشتراك مع زميله حسين ذو الفقار صبري، فى تهريب الفريق عزيز المصري، رئيس أركان الجيش المصري، وأهم رواد حركة التحرر المصرية، بطائرة حربية خلال الحرب العالمية الأول، بسبب خلافاته مع القصر، ضربا من الفدائية التى لا ينكر أحد أنها عنوان الشجاعة، التى لا تهاب شيئا ولا شخصا، ولا تفكر فى مصيرها، ولا تبقى على حياتها، ولكن ذلك لم يغير من الحقيقة شيئًا.  

ثمن الانتماء للإخوان .. عبد الرؤوف سجينا ومطاردا

حان وقت دفع الثمن، بعدما ارتأى مجلس قيادة الثورة خطرا داهما في وجود عبد المنعم بجوارهم، وبالفعل صدر قرار في 17/12/1953 بإحالته إلى المعاش، وتبعه قرار أخر في 18/1/1954 باعتقاله، وأودع في السجن الحربي، ثم نقل إلى سجن الأجانب تمهيدًا لمحاكمته، وبالفعل عُقد له مجلسا عسكريا لمحاكمته.

لم يدم الود طويلا بين عبد الرؤوف والسادات؛ عادت الخلافات إلي الواجهة مرة أخري، بعد صدور كتاب السادات البحث عن الذات، بعد سلسلة إصدارات، لم يعط فيه زميل الكفاح عبد الرؤوف حقه الكامل

أثناء المحاكمات، استطاع عبد القادر عبد الرؤوف شقيق عبد المنعم بمساعدة الإخوان في تهريبه، واختفى داخل مصر لمدة عام حتي تمكن عام 1955، من مغادرتها والهجرة إلى لبنان، ومنها إلى الأردن حتى عام 1959م، ثم انتقل إلى تركيا وأقام بها حوالي ثلاث سنوات، وعاد مرة أخري إلي لبنان عام 1966، وظل مقيمًا بها طوال فترة غيابه عن مصر.

تعددت الأسباب التي روتها المصادر التاريخية، حول هذا الانقلاب السريع علي أحد أهم رجال يوليو، ولكن تلخصت أغلبها، في رصد أعين المباحث العامة والمخابرات، تحركات البكباشى أركان حرب، أبو المكارم عبد الحي، والصاغ أركان حرب حسين حمودة، والصاغ أركان حرب معروف الحضري، والصاغ طبيب محمد حسين غراب، وهؤلاء الضباط كانوا دائمى الاجتماعات فيما بينهم وبين صغار الضباط من محتلف أسلحة الجيش بمنازلهم، وكانوا يترددون في نفس الوقت على المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين، وعلى منزل المرشد العام حسن الهضيبي خلال فترات متقاربة، مما جعل المخابرات تشك أن هناك أمورا تعد لقلب نظام الحكم القائم، ويدبرها بعض كبار وصغار ضباط الجيش، الذين ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين بالاتفاق مع قادة الجماعة.

كيف تمرد عبد الرؤوف علي حذفه من التاريخ ؟

بعد تولي محمد أنو السادات حكم مصر، عاد الفريق عبد المنعم إلي مصر في 12/9/1972م، وكان في استقباله بالمطار وزير الداخلية ممدوح سالم، وقابل بعدها الرئيس أنور السادات بمنزله في الجيزة، ليصدر علي أثر المقابلة قرارًا جمهوريًا بإلغاء حكم الإعدام الصادر ضده عام 1954 في عهد عبد الناصر.

لم يدم الود طويلا بين عبد الرؤوف والسادات؛ عادت الخلافات إلي الواجهة مرة أخري، بعد صدور كتاب السادات البحث عن الذات، بعد سلسلة إصدارات، لم يعط فيه زميل الكفاح عبد الرؤوف حقه الكامل، ولم يبرز دوره في حركة 23 يوليو، وهو ما أجبر الفريق عبد المنعم علي إرسال عدة رسائل للسادات، ليعيد تذكيره بحكايته كاملة، بداية من تعينه قائدًا للكتيبة 19 ب. م، بناء على تعليمات القيادة العامة، إلي أدق تفاصيل العملية التي تحركه لإنجازها من فندق مينا هاوس، على الطريق مصر إسكندرية الصحراوى، عسكرته في ملعب البلدية بالإسكندرية  حتي تلقي أمرًا صباح يوم 26 يوليو 1952 من القائمقام أحمد شوقى، بمحاصرة قصر رأس التين، ومنع دخول وخروج أى فرد ومنع الاحتكاك.

ورصد عبد الرؤوف في خطابه للسادات، عملية تبادل إطلاق النيران مع قوات الحرس الملكى، أثناء تقدمه، وكيف استطاع التفوق على النيران المصوبة إليه، وكان من نتيجة ذلك، استسلام عددا كبيرا من ضباط الحرس الملكى، ووطنيته ورفعة أخلاقة التي حملته علي إيقاف النيران طواعية، بعد أن تقدم نحوه أحد الضباط رافعا علما أبيض، وبعد أن تعهد له القائمقام عبد الله رفعت، قائد الحرس المشاة الملكى، في رأس التين بإيقاف النيران.

وقال عبد المنعم في خطابه، أنه سلم القصر للسادات نفسه، ظهيرة يوم 26 من يوليو 1952، عندما حضر للقصر مع المستشار سليمان حافظ، لتبليغ الملك بنبأ خلعه، ورغم ذلك لم يذكر السادات في كتابه إلا كلمة قائد الثورة المحاصرة للقصر دون الإشارة إليه.

جاء رد السادات لزميله السابق، متضمنا ترقيته إلي رتبه فريق فخري، ولكن ذلك لم يمنع عبد المنعم من تسجيل تناقضات الرئيس ومغالطاته في مذكرات

تجاسر الفريق وواجه الرئيس بتعمده تجهيل ذكر اسمه كقائد لهذه القوة، فى كتابه الذي يفرضه علي التاريخ بقوة سلطانه، رغم مشاهدته له على رأس القوة ومعرفته الدقيقة، أنه هو الذى قاد عملية الهجوم، وطالبه بإيضاح تاريخ هذا الموقف المصيرى الفاصل، وذكر اسمه كقائد لحصار قصر رأس التين بالإسكندرية.

كما طالب عبد الرؤوف السادات بصرف معاشه عن المدة من ديسمبر 1954 حتى 1972، نزولا علي قرار إدارة الفتوى والتشريع لوزارة التأمينات، وتعويضه عن الأضرار المادية والأدبية، التى لحقت به بعد فشل حادث الطائرة مع الفريق عزيز المصرى، والذى تم تدبيره فى مايو ،1941 لتهريبه إلى خارج الوطن، وأودع علي أثرها في سجن الأجانب لمدة عام، ثم مجازاته بنقله إلى سلاح المشاة، الذى خدم فيه مدة 10 سنوات، وطالب بترقيته إلي رتبه فريق طيار.

بعد حوالي أربعة أشهر، جاء رد السادات لزميله السابق، متضمنا ترقيته إلي رتبه فريق فخري، ولكن ذلك لم يمنع عبد المنعم من تسجيل تناقضات الرئيس ومغالطاته في مذكراته، التي شرع في كتاباتها منذ عام 79، خاصة أنه ادعى لنفسه أنه صاحب أول تنظيم سرى من ضباط الجيش، وقال إن عبد المنعم عبد الرؤوف، كان الرجل الثانى خلفه، وهي التناقضات التي ذكرها غالبية رجال الثورة تجاه السادات.

فى يوم الأربعاء الموافق 31 من يوليو 1985، توفي الفريق عبد المنعم عبد الرؤوف، أثر نوبة قلبية، وشيعت جنازته إلى مثواه الأخير من مسجد «رابعة العدوية» بمدينة نصر إلى مدافن الأسرة بالقاهرة، وتقدم مشيعي جنازته الرئيس الأسبق حسني مبارك، ورحل الرجل ليترك علامة استفهام ضمن العلامات الكثيرة في ملف الإخوان والدولة، والتي تكررت حرفيًا في نماذج عدة، لا الإخوان عدلت من طريقتها في التفكير وإدارة تصوراتها علي نحو مختلف، ولا دولة يوليو تركت لعبة القط والفأر معها، ولا يبدو أن كلاهما يريد أن يبارح مكانه، مهما تكررت الأزمات والصدامات بينهما.