اعترفت الكويت بالثورة الإسلامية الإيرانية، وتبادل أميرها الشيخ صباح الأحمد الصباح الزيارة مع الرئيس الإيراني حسن روحاني، ثم رحبت بالاتفاق النووي الإيراني، وهنأت روحاني بعد فوره بانتخابات الرئاسة، وخلال ذلك لعبت دور الوساطة لاحتواء التوتر بين إيران ودول خليجية، لكن فجأة أخذت العلاقات منعطفاً آخر.  

في خطوة غير معتادة، شهدت العلاقات بين الكويت وإيران تصعيدًا سياسيًا خطيراً من جانب الكويت، في 20 يوليو/تموز الماضي، إذ قامت بتخفيض علاقاتها الدبلوماسية مع طهران بطرد 15 دبلوماسياً وأمهلتهم 45 يوماً لمغادرة أراضيها، وأغلقت الملحقية الثقافية والمكتب العسكري التابع للسفارة الإيرانية، على خلفية ارتباطها بخلية "تجسس وإرهاب".

لكن هذه الخطوة في تاريخ العلاقات التي وُصفت في كثير من المناسبات بالإيجابية، تطرح تساؤلات عدة حول دوافع الدولة الخليجية في هذا التوقيت، وإلى أين يمكن أن تصل تجاه إيران؟ وهل لهذه الإجراءات علاقة بالوساطة بين قطر والخليج؟

لماذا الآن؟   

الإجراءات المفاجئة من الكويت التي تتجنب الصراع وتسعى للحفاظ على علاقات طبية مع كل دول المنطقة كما يقوم أميرها بدور الوسيط الدبلوماسي الإقليمي، كان السبب المعلن لها فيما ورد في حيثيات حكم محكمة التمييز رقم 901 لسنة 2016 بشأن ما عُرف بقضية "خلية العبدلي"، بحسب البيان الصادر وزارة الخارجية الكويتية.

وتعود جذور القضية إلى العام 2015، عندما أعلنت وزارة الداخلية ضبط أعضاء في خلية إرهابية، ومخبأ أسلحة ومتفجرات في منطقة العبدلي (شمال الكويت)، بعدها وجهت النيابة العامة للمدانين (25 كويتيا وإيرانياً واحداً) تهماً بالتخابر لصالح إيران وجماعة حزب الله اللبنانية الشيعي، وارتكاب أفعال من شأنها المساس بوحدة وسلامة أراضي دولة الكويت".

حينها كذلك سرت الأخبار عن دور إيران في تشكيل خلية تجسس وتدريب عناصرها في الكويت خاصة بعد اعتراف المتهمين، وتشعبت فصول القضية بدءاً من الحكم بالإعدام على المتهم الإيراني وصولاً إلى صدور الأحكام النهائية وتخفيف الإعدام إلى المؤبد، وزيادة مدة السجن لبعضهم وتخفيفها للبعض الآخر، إلى إخلاء سبيل 14 مداناً وفق الإجراءات القضائية بعدما قضت محكمة الاستئناف ببراءتهم بانتظار صدور حكم محكمة التمييز.

الشكوك الكويتية تجاه الإرهاب لا تقف عند القبض على أعضاء خلية العبدلي، فالهاجس الأمني لطالما راود صانعي القرار في الكويت

لكن فرار 14 مداناً إلى إيران بالتزامن مع إصدار محكمة التمييز الكويتية حكمها النهائي، في 18 يونيو/حزيران الماضي، كشف عن خرق أمني وُصف بأنه "الأخطر في تاريخ البلاد"، أعقبه جدل في الشارع والبرلمان الكويتي حول التسيّب الحاصل في البلاد، واستنكار عدم القبض على المتهمين فوراً، وهتك حرمة منازل وعائلات المدانين أثناء البحث عنهم.

هذه الأسباب وضعت الحكومة الكويتية في موقف حرج، ما اضطرها إلى اتخاذ تلك الإجراءات؛ حفاظًا على الاستقرار السياسي، خاصة أنها جاءت بعد ما يقرب من شهر من صدور حكم محكمة التمييز، ما يُشير إلى احتمالية تعرّضها لضغوط داخلية، لاسيما بعد الانتقادات التي وُجّهت لوزارة الداخلية، واتهام البرلمان للحكومة بالتقصير في مواجهة الخطر الإيراني.  

لكن في ظل المرونة التي اتسمت بها علاقات البلدين، تُشير الخطوة التصعيدية المفاجئة إلى وجود دوافع أخرى دفعت الكويت لاتخاذ هذا المنحى، خاصة أنها لم تقم بتصعيدٍ مماثلٍ على الجانب اللبناني واكتفت بمطالبة الحكومة اللبنانية بالسيطرة على أعمال حزب الله، دون أن يتطوّر الأمر إلى إجراءاتٍ خطيرة كما هو الحال مع إيران.     

أحد هذه الدوافع تمثل من وجهة نظر الجانب الإيراني في ضغوط خارجية مورست على الكويت، أكدها مستشار المرشد للشئون الدولية على ولايتي في تصريحات صحيفة، قال فيها إنه "يتوجب على الكويت أن تدير مصالحها بعيدا عن التأثير السعودية"، في إشارة لدور السعودية في الضغط على الكويت لاتخاذ هذه الإجراءات.

كذلك جاءت هذه الخطوة عقب صدور التقرير السنوي للخارجية الأمريكية في 19 يوليو/ تموز الماضي، فقد تصدرت إيران قائمة الدول الراعية للإرهاب، علاوة على تدخلها في شئون المنطقة، حيث تقدم أنواعا مختلفة من الدعم سواء المالي أو التدريب أو التجهيز لجماعات إرهابية حول العالم، بحسب التقرير.   

كما يُمكن تفسير التصعيد تجاه إيران في هذا التوقيت عبر عددٍ من الاحتمالات التي رأى البعض أن أهمها التزامن مع الأزمة القطرية الحالية مع دول خليجية، على أنها لم تقف موقفا حاسما تجاه الإملاءات السعودية كما وقفت قطر معتبرين أن إيران لها يد في كل ما يحدث في المنطقة

 

"العبدلي" وحلقات الهواجس الأمنية

ويأتي السبب المعلن المرتبط بخلية العبدلي ليلقي الضوء على أهمية الكويت في نظر صانع القرار الإيراني، كما يشير حجم السلاح المهول الذي راكمه أعضاء الخلية عبر أكثر من 15 عاماً، في حُفر مصفحة أقيمت في مزرعة قريبة من الحدود العراقية، إلى حجم النشاط الذي يمكن أن تكون الجمهورية الإيرانية منخرطة فيه.  

لكن الشكوك الكويتية تجاه الإرهاب لا تقف عند القبض على أعضاء خلية العبدلي، فالهاجس الأمني لطالما راود صانعي القرار في الكويت، وكانت تظهر بين الفينة والأخرى -حتى في فترات الهدوء- شكوك حول تورط إيران في بناء شبكات تجسس وتخريب في الكويت.    

ومنذ بداية الثمانينات تتوالى الأحداث الأمنية التي تزج بالدول الخليجية في كل مرة أكثر تجاه معاداة إيران، وكان التخطيط لأحداث عدة منها: تفجير السفارتين الأمريكية والفرنسية (1983)، ومحاولة اغتيال أمير الكويت (1985)، أو محاولة اختطاف طائرة كويتية (1988)، يُنسب دائماُ لإيران إما مباشرة أو بالتلميح إليها.

بدأت إيران فصل إيجابي باعترافها بدولة الكويت عقب استقلالها عام 1961، وفتحت سفارة لها هناك في العام التالي

ورغم ظهور بوادر لتحسن العلاقات بين الطرفين في فترات عدة، بقيت أخبار اكتشاف خلايا تجسسية تظهر من حين لآخر، كان أبرزها إعلان اكتشاف شبكة تجسس إيرانية، عام 2010، أعقبها أحكام بالسجن المؤبد على 4 أشخاص، بينهم إيرانيان بتهمة "التجسس لصالح إيران"، ليعود الكلام معها عن انعدام الثقة الكويتية بإيران.    

في العام نفسه، اُتهم دبلوماسيون إيرانيون بتجنيد أعضاء الشبكة المكتشفة التي قيل عنها إنها واحدة من أصل 8 شبكات تجسس عملت في البلاد بإشراف الحرس الثوري الإيراني، وجرى على خلفية الاتهام طرد مجموعة من الدبلوماسيين الإيرانيين في العام 2011، وحذرت الكويت من تداعيات القضية على العلاقات الثنائية.   

ويعكس الكشف عن شبكات تجسس لطهران حجم الاهتمام الإيراني بهذا البلد الخليجي الذي يشارك العراق في حدوده الجنوبية، وهو ما يضفي أهمية خاصة على موقع الكويت بالنسبة للسياسة الإيرانية، ويبعث بمخاوف الكويت من أطماع إيران فيها.

وبدا ذلك واضحا في تصريحات نُسبت لرئيس مجلس الشورى الإيراني، علي لارجاني، في أغسطس/ آب 2012، كشف فيها عن نوايا إيران المبيتة تجاه الكويت، بقوله "إذا سقطت سوريا فستسقط الكويت"، وهو التصريح الذي نفاه مسؤولون إيرانيون لاحقا. لكن التصريح -رغم نفيه- دفع المثقفين الكويتيين إلى دق ناقوس الخطر، والتنبيه من عدائية إيران للكويت.

علاقات متأرجحة بين الصعود والهبوط

وحتى قبل الكشف عن النوايا المبيتة لإيران، لم تسر العلاقات الكويتية الإيرانية على مدار العقود الماضية على وتيرة واحدة، لكنها جاءت في معظمها وفق ما تقتضيه مصلحة البلدين.

بدأت إيران فصل إيجابي باعترافها بدولة الكويت عقب استقلالها عام 1961، وفتحت سفارة لها هناك في العام التالي، كما أعلنت وقوفها إلى جانب الكويت ضد تهديدات العراق، حيث عبَّرت عن استعدادها لإرسال قوات عسكريَّة للكويت وذلك في عام 1973.

وفي المقابل اعترفت الكويت بالنظام الجديد في إيران عقب الثورة الإيرانية الإسلامية في 1979، لتدخل العلاقات بين البلدين مرحلة الهدوء الذي يسبق العاصفة.

ووصلت العلاقات إلى مرحلة التوتر عند اندلاع الحرب الإيرانية العراقية في سبتمبر 1980؛ حيث اعتبرت إيران الموقف الكويتي المُحايد نقطة سلبية في مسيرة العلاقات بين البلدين، خاصة بعد دعم الكويت للعراق ماديًا لمساعدتها في الحرب ضد إيران.

وتتمتع الكويت تقليدياً بعلاقات صداقة مع الدول التي اتخذت موقفاً مناهضاً لغزو صدام حسين، لها إبان الحرب الخليجية الثانية عام 1991، ومن ثم فإن علاقتها مع إيران بدأت تهدأ عقب تأييد طهران لاستقلال الكويت وإنهاء الاحتلال العراقي.

ورغم الفتور الذي ميز بين العاصمتين خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية إلا أن الدبلوماسية عرفت نشاطا متزايدا منذ وصول الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي إلى السلطة في إيران عام 1997. ومنذ هذا التوقت توالت الزيارات المتبادلة بين الطرفين، حيث كانت أول زيارة لوزير الخارجية الإيراني للكويت، بهدف تعزيز علاقات إيران مع دول مجلس التعاون الخليجي.

وفي عام 2002، وصل وزير الدفاع الإيراني إلى الكويت، كما أجرى المتحدث باسم مجلس الأمة الكويتي محادثات في إيران. وبعدها بعام واحد، وقع وزير الخارجية الكويتي في طهران ثلاث اتفاقيات تتويجا لمباحثات مع نظيره الإيراني. وكان العام 2014 على موعد مع زيارة لأمير الكويت صباح الأحمد الصباح إلى طهران، وهي التي وُصفت حينها بالنقطة البيضاء في تاريخ البلدية.      

وفي يوليو من العام الموالي، وبعد التوصل للاتفاق النووي الإيراني، بادر أمير الكويت بتهنئة المرشد الأعلى والرئيس الإيراني بالاتفاق، معربا عن تطلعاته لإسهامه في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.    

كما لم تنجر السلطات الكويتية إلى أياً من محاولات التصعيد السعودي والبحريني ضد إيران، وقد ظهر هذا جليًا عقب الاعتداءات الإيرانية على السفارة والقنصلية السعودية في إيران بداية عام 2016، ففي حين قطعت الرياض والمنامة علاقاتها الدبلوماسية مع طهران، اكتفت الكويت بسحب سفيرها لدى إيران.

لا يمكن إخراج العنصر الشيعي الكويتي الذي يقارب الـ20% من المعادلة في الدولة الخليجية

يضاف إلى ذلك أنها لم تتسرع في اتخاذ القرار الأخير، لكنها اختارت أن تنتظر الحكم النهائي لمحكمة التمييز في قضية العبدلي، قبل أن تحدد المسؤوليات وتحشر طهران في الزاوية.

مخاوف يعززها المشروع الشيعي الوهمي

ومع كل هذه الأمور التي ربطت البلدين، وحرص الكويت دائمًا على الاحتفاظ بعلاقات هادئة مع طهران، تستمر الأخيرة في نهجها المعتاد لبسط نفوذها، ليس فقط في الكويت بل في المنطقة، وهو ما يبعث بمخاوف عدة. كما يثير الاتفاق النووي الدولي مع إيران مخاوف الأنظمة الملكية في الخليج العربي من التخريب الإيراني. فالكويت وغيرها من الدول الخليجية قلقة من أن تتشجع إيران وتزيد من أنشطتها التخريبية في تلك الدول.   

وتأتي الحرب الجديدة في اليمن لترفع من حدة هذه المخاوف التي دفعت وزارة الداخلية الكويتية إلى وضع اليمنيين الموجودين في بلادها تحت الرقابة، بينما أعلن الحرس الوطني الكويتي عن جاهزيته لأي حالة طارئة. ويرى خبراء أن هدف الكويت من التقارب مع إيران لا ينطبق على أهداف الطرف الآخر من هذا التقارب؛ إذ أن طهران في إطار مساعيها للهيمنة على الخليج العربي والتحكم بمفاصله، تواصل محاولاتها لنشر مشروعها الشيعي الوهمي.

ولا يمكن إخراج العنصر الشيعي الكويتي الذي يقارب الـ20% من المعادلة في الدولة الخليجية، فقد أثار المخاوف من كونه بيئة خصبة يمكن لإيران استغلالها كورقة ضغط إذا ما احتاجتها في الخليج، لا سيما وأن رجال دين شيعة في الكويت خرجوا مراراً للدفاع عن المتهمين في قضايا تجسس.

وفي إجراء ينم عمّا يمثله هذا العنصر من مشاكل للكويت، يشكل هذا التيار الموالي لإيران  ما يُسمى بـ "اللوبي" الضخم، من خلال تأسيس صحف ومجلات وقنوات تلفزيونية، فضلاً عن امتلاك مؤسسات تجارية عديدة، مستغلين أجواء الانفتاح التي تعيشها الكويت.

ولدى رجال الأعمال الشيعة الموالين لإيران في الكويت مؤسسات مصرفية ومالية وتجارية ضخمة؛ يضاف إلى ذلك ما أفرزته آخر انتخابات لمجلس الأمة الكويتي، أجريت عام 2012، من صعود 17 نائباً شيعياً للمجلس، وسط مقاطعة المعارضة للانتخابات، ما أثار مخاوف كتاب ومحللون كويتيون من التغلغل المستقبلي الممنهج للشيعة في المؤسسات الحكومية، مثل الشرطة والمباحث والقوات المسلحة

شيعة الكويت

مستقبل تغلبه لغة المصالح

ورغم التطور الأخير في تقليص حجم البعثة الدبلوماسية الإيرانية، إلا أن ثمة ما يشبه الإجماع على عدم إمكانية تطور الأمور إلى قطيعة تامة. يؤكد ذلك حجم تشابك المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية، فضلاً عن المحددات الجغرافية والديموغرافية والاجتماعية والمذهبية، بين البلدين.

وبالنظر إلى ما سبق استعراضه من روابط الشراكة والزيارات المتبادلة والمصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية المتشابكة، يستبعد الجانب الإيراني اتخاذ الكويت خطوات أكثر تصعيداً واستفزازية باتجاه قطع العلاقات الدبلوماسية أو طرد السفير الإيراني من الكويت.

إذا استمر التدخل الإيراني في الشأن الكويتي والخليجي، فسوف تصبح الكويت أكثر قربا إلى المعسكر السعودي الإماراتي الذي يعتقد بخطورة النفوذ الإيراني في المنطقة

ويمكن تفسير ذلك بالنظر إلى تاريخ العلاقات بين البلدين، ويتجلى أكثر عبر منح الكويت مهلة 45 يوماً لمغادرة الدبلوماسيين الإيرانيين، كذلك تُدرك الكويت أن القرار قد يكون له عدد من التداعيات السلبية عليها خاصة في ظل التوترات الطائفية بها ووجود عدد كبير من الشيعة بداخلها، ما سيدفعها إلى عدم اتخاذ أي خطوات أشد وطأة في تداعياتها.   

ويرى الجانب الكويتي أن بلادهم ستُسقط عبء الوساطة بين إيران ودول الخليج عن كاهلها، خاصة بعدما تراجع دورها لصالح الدور الأمريكي ودخوله بشكلٍ قوي على خط الأزمة، كما أن أهم شروط قيامها بهذا الدور يتمثل في الاحتفاظ بقيام علاقات جيدة مع الطرفين.

وإذا استمر التدخل الإيراني في الشأن الكويتي والخليجي، فسوف تصبح الكويت أكثر قربا إلى المعسكر السعودي الإماراتي الذي يعتقد بخطورة النفوذ الإيراني في المنطقة وبضرورة مواجهته بدلا من إتباع سياسة الحياد والتوازن.  

لكن يبقى القرار الكويتي أمام معادلة صعبة التوازنات بين الضغط الداخلي والخارجي، وبين متطلبات المصلحة الاستراتيجية الكويتية،  أما إذا واصلت طهران سياستها العدائية للكويت ودول الخليج، ربما تقطع بيدها آخر حبال التواصل مع الدولة الخليجية ذات السياسة المرنة.