الملف الليبيي أصبح مطمع لفرنسا وإيطاليا

ما الذي يمكن أن يقدمه المبعوث الأممي الجديد إلى ليبيا؟، لا يبدو أن تعهد غسان سلامة باحترام سيادة ليبيا ووضع حد لمعاناة الليبيين سهلاً، خاصة وهو يدرك تمامًا صعوبة إيجاد حل للأزمة الليبية، في ظل امتلاك طرفيها سلاح وتحالفات إقليمية وعدة مبادرات دولية مطروحة، والأخطر من ذلك الصراع الدائر بين فرنسا وإيطاليا على الانفراد بالملف.

لماذا الصراع على ليبيا؟

حتى نفهم حجم التعقيدات التي تقف في طريق المبعوث الأممي الجديد، لابد من العودة للقاء رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج، والقائد العام للجيش الليبي خليفة حفتر، الذي تم برعاية إيمانويل ماكرون الرئيس الفرنسي في 25 يوليو/تموز الماضي، وتداعياته التي أبرزت حالة الصراع الأوروبي على ليبيا، وجعلتها تطفو على السطح، خاصة بعدما عبرت إيطاليا عن انزعاجها الشديد من التجاهل الفرنسي لها، سواء على مستوى التنسيق أو كيفيات ظهورها في المشهد الليبي .

حالة التربص بين روما وباريس كانت واضحة تمامًا، بعدما قالت الأولى أنها راقبت اللقاء الليبي المدعوم فرنسيًا بحذر وقلق شديدين، خاصة أن دوائر رسمية مفوضة من السراج وحفتر هي التي تولت مهمة إبلاغ روما باللقاء، بحسب ما كشفته جريدة «لاريبوبليكا» الإيطالية واسعة الانتشار، والتي نقلت عن مسؤولين إيطاليين انزعاجهم من عدم تلقي بلادهم أية معلومات رسمية عن اللقاء من باريس.

قلق روما المتزايد ونفاد صبرها الذي تحول إلى غضب شديد، بسبب دور باريس المفاجئ والغامض

ويبدو أن إيطاليا تتفهم جيدًا محاولات فرنسا لصرف القبلة السياسية عنها، بعدما تولت الأولى خلال الأشهر الأخيرة عمليات التنسيق الرئيسية للجهود الدبلوماسية الأوروبية التي كان تسعي إلى إيجاد حلولا قابلة للتنفيذ في الأزمة الليبية، واحتلت بذلك العلامة الكاملة في إدارة الملف إلى أن تدخل الرئيس الفرنسي الجديد وقام بتفكيك الصورة وإعادة تركيبها من جديد، وسحب البساط لصالح بلاده، وبعد ذلك تعمد التواصل مع الأطراف الإيطالية ببرود شديد خلال توضيحه طبيعة الخطة الفرنسية التي تريد باريس إرساء الأزمة الليبية علىها، كما لم يقدم إجابات شافيه وواضحة حول سياسته لحلها، وهل ستأتي في إطار الجهود الإيطالية السابقة، أم ستنسفها تمامًا كما هو واضح حتى الآن.  

قلق روما المتزايد ونفاد صبرها الذي تحول إلى غضب شديد، بسبب دور باريس المفاجئ والغامض، أجبر وزير خارجية فرنسا جان إيف لودريون على التواصل مع الدوائر الإيطالية المعنية لنقل الحيثيات الكاملة للقاء حفتر والسراج، إلا أن الترضية الفرنسية المتأخرة لم تغير شيئا من القلق والريبة اللذين تسربا لإيطاليا من نوايا فرنسا، وهو ما ظهر في تغطية الصحف الرسمية الإيطالية للحدث، والتي استبقت الخطوة الفرنسية للتقارب، ونشرت صبيحة لقاء حفتر والسراج تقارير صحفية موجهة، هاجمت فيها بعنف الوساطة الفرنسية، مؤكدة أن اللقاء فشل قبل أن يبدأ، مستندة في ذلك إلى ﺭﻓﺾ ﺍﻟﺴﺮﺍﺝ ﺍﻟﺘﻔﺎﻭﺽ ﻣﻊ ﺣﻔﺘﺮ ﻟﺤﻞ ﺍﻷﺯﻣﺔ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ، وعدم توقيع أيا منهما على خارطة الطريق الفرنسية .

دهاء ماكرون يفجر الغضب داخل جدران «البيت الإيطالي»

محاولة الصحافة الإيطالية للتشويش على نتائج اللقاء الذي جمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق وقائد الجيش الليبي لم تنجح نسبيا، خاصة أن اللقاء أسفر عن بيان مشترك تناولته بالتحليل كافة وسائل الإعلام العالمية، وأسفر عن الاتفاق على عشر نقاط، تناولت حلولا لأغلب الخلافات بين الأطراف المتصارعة في ليبيا، على المستوى السياسي والأمني والاقتصادي، وهو ما يزيد القلق الإيطالي الرسمي، خاصة أن نشوة السيطرة التي بدا علىها ماكرون خلاله لقاءه بطرفي الأزمة، فجر صراعًا داخليًا بين أطراف اللعبة السياسية في إيطاليا، والذين اتهموا ألفانو وجينتيلوني بالفشل الذريع في إدارة السياسة الخارجية لبلادهم.

الرئيس الفرنسي حصل على الضوء الأخضر من روسيا للتدخل بشكل مباشر في ليبيا، خلال استقباله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

وشنت زعيمة حزب التحالف الوطني أو «إخوة إيطاليا» جورجا ميلوني، هجوما عنيفا على السياسة الخارجية لبلادها، مؤكدة إن عدم الكفاءة والسطحية التي عالج بها تيار اليسار الحاكم القضية الليبية، السبب الأساسي في فقدان بلادها لدورها الطبيعي كمحاور وشريك مع ليبيا، واعتبرتها هزيمة للحكومة ستدفع إيطاليا ثمنًا باهظًا من خلفها.

ودللت «ميلوني» على فشل حكومة بلادها باستحواذ فرنسا التي لم يسبق لها الانفراد بإدارة ملف بهذه الخطورة في بلد عربي  لم يكن في الأصل مستعمرة فرنسية، وأرجعت ذلك إلى حنكة ماكرون التي جعلته يحقق وعودة الانتخابية وإستراتيجيته الخارجية التي جاء بها إلى السلطة، وعلى رأسها تصدي بلاده لحل مشكلة ليبيا.

ضوء أخضر من روسيا وأمريكا  

وكان الرئيس الفرنسي حصل على الضوء الأخضر من روسيا للتدخل بشكل مباشر في ليبيا، خلال استقباله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وكذلك رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، الذي نجح ماكرون أيضا في انتزاع موافقة منه وضوء أخضر للتدخل بالملف الليبي خلال حضوره احتفالات استقلال فرنسا.

وخلال الأشهر الماضية ظهر ماكرون بكاريزما ولياقة سياسية تختلف تمامًا عن سلفه فرانسوا هولاند، الذي كان يفضل الانطواء والعزلة بعيدا عن الأزمات الدولية، بعكس الرئيس الشاب الحالي الذي يخطط بوضوح لإيجاد دور له بجانب بلاده في حل القضايا والأزمات الدولية، واختار أن يقتحم تلك الساحة من خلال الجبهة الليبية حتى لو كانت مساعي بلاده لم تحقق أكثر من مجرد اتفاق مبدئي على خارطة طريق لحل الأزمة الليبية، وكان ذلك واضحا في بيان الإلىزيه الرسمي الذي صدر دون أن يتضمن توقيع حفتر أو السراج علىه.

الصراع الفرنسي الليبي، الذي تفجر بالأساس بسبب ضبابية الدور الأمريكي الذي ترك الساحة تمامًا، سيؤدي إلى تعقيد الوضع في ليبيا، بالرغم من الاستفادة القصوي لأوروبا بأكملها، من وراء حل الأزمة الليبية، لاسيما وأن استمرار التوتر القائم في بلاد عمر المختار، سينعكس علىها سلبا وبصورة مباشرة، في ظل تسّرب أغلب المهاجرين واللاجئين الذين ينتقلون إلى القارة العجوز من أفريقيا عبر ليبيا، فضلا عن الرعب الأوروبي من امكانية تحول بعض الأراضي الليبية إلى قواعد خلفية لـ«تنظيم الدولة» التي يستطيع من خلالها بسهولة شن هجمات دموية ضد  البلدان الأوروبية.

هاجم الناطق الرسمي باسم الجيش الليبي أحمد المسماري التدخل الإيطالي في المياه الإقليمية الليبية، مؤكدا انه  يهدف إلى التشويش على المبادرة الفرنسية، التي رحب بها الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة

وأكثر ما يعقد الأزمة عدم اتفاق إيطاليا وفرنسا على رؤى موحدة، وهو ما يظهر من خلال حالة التضارب في آليات حل الأزمة لكلا البلدين،  ففي الوقت الذي تدعم فرنسا خليفة حفتر عسكريا وماليا، تدعم روما حكومة الوفاق الوطني وتعتبرها المعبر الشرعي الوحيد عن الشعب الليبي، وهي الرسالة التي تقدرها جيدا حكومة السراج، وحاولت مؤخرا مصالحة روما بعد لقاء باريس، بتوجيه طلبا رسميا إلى حكومة إيطاليا للتدخل في المياه الإقليمية الليبية والتصدي لعمليات الهجرة غير الشرعية، وهو الطلب الذي قابلته إيطاليا بحفاوة بحسب صحيفة «كورييري ديلا سيرا» الإيطالية، والتي كشفت في تقرير لها قبول روما المهمة، وتنفذها عبر طائرات حربية وهليكوبتر، وطائرات بدون طيار.

في المقابل وسعّت منحة السراج لإيطاليا من الهوّة بين حفتر وروما، وسارع الأول إلى اتهام حكومة إيطاليا بالانحياز إلى حكومة الوفاق قائلا: من السيئ أن بعض الإيطاليين اختاروا البقاء بجانب المعسكر الآخر، مشيرا إلى أنهم أرسلوا 250 جنديًا، وطواقم طبية إلى مصراته دون إرسال أي مساعدات لهم.

فيما هاجم الناطق الرسمي باسم الجيش الليبي أحمد المسماري التدخل الإيطالي في المياه الإقليمية الليبية، مؤكدا انه  يهدف إلى التشويش على المبادرة الفرنسية، التي رحب بها الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة، منوهاً إلى أن هناك بعض الأطراف المحلية والدولية تريد إفشال هذه المبادرة، وهو ما سيؤدي مستقبلا إلى إفشال أي مبادرة تريد إنهاء التوتر في ليبيا.