يواجه البشر العديد من الكوارث سواء الطبيعية منها أو التي من صنع الإنسان والتي تدمر أو تُحدث خللًا بحياة الإنسان ومجتمعه والوسط الذي يعيش به، وإن كان البشر غير قادرين على الصمود أمام تلك الكوارث فإنهم بدورهم يحاولون مقاومتها أو التقليل من آثارها بوسائل عدة كانت العمارة من أهمها على مدار التاريخ.

فمنذ حريق لندن الحادث عام 1666 والذي بدأ في مخبز واستمر لمدة أربعة أيام مدمرًا خمس أسداس القسم الوسيط لمدينة لندن بما في ذلك 13 ألف منزل و84 كنيسة، مما دعا الملك تشارلز الثاني حينها إلى دعوة المعماريين والمساحين والمهندسين لتقديم خطط بديلة لتفادي الكوارث المماثلة، أو عام 1755 حين حدث زلزال لشبونة الكبير الذي تسبب في حرائق لاحقة وتسونامي وهو مزيج دمر لشبونة بأكملها والمناطق المحيطة بها تقريبًا، ومن ثم تم إعادة تخطيط المدينة ليتم استبدال نمط العصور الوسطى للشوارع بالنموذج الشبكي وخلافه من الأمثلة التي تحققت على مر التاريخ موضحة لنا الدور الذي تلعبه العمارة في إعادة تشكيل المدينة في فترة ما بعد الكارثة.

فما الأمثلة التي تحققت في زمننا المعاصر لعلاج الكوارث؟ وهل من إجراءات احتياطية أو تصاميم مبدأية يُتجنب بها الوقوع في الكارثة قبل وقوعها؟ هذا ما سنحاول معرفته عن طريق النظر إلى القصص التالية.

"المناطق التي تحدث بها الكوارث التي لا تبق على شيء تعد أيضًا فرصة مثالية لنا لننظر إلى الوضع الجديد من الألف إلى الياء في معنى العمارة الحقيقي". تويو اتو - المعماري الياباني الشهير

سفالبارد - القبو العالمي للبذور

يعد قبو سفالبارد للبذور العالمية بنكًا آمنًا للبذور ويقع في جزيرة سبتسبيرجن في أرخبيل بعيد يقع على بعد 1300 كيلومتر من القطب الشمالي، وقد أُسس هذا المخزن للحفاظ على مجموعة واسعة من البذور النباتية والتي هي عينات مكررة أو نسخ احتياطية من البذور المحفوظة في بنوك الجينات العالمية، وهي محاولة لضمان عدم فقدان البذور في المخازن الأخرى خلال الأزمات الإقليمية أو الكوارث العالمية واسعة النطاق سواء المُسببة من الطبيعة أو من خلال الإنسان نفسه، فللحروب الدولية أو الأهلية تاريخ في تدمير بعض بنوك الجينات.

فبنوك البذور في العراق وأفغانستان فُقدت تمامًا، أما بنك بذور الفلبين فقد تدمر مرة عن طريق الفيضان ثم عن طريق الحريق ويُدار مخزن البذور هذا بواسطة الحكومة النرويجية والصندوق الاستثماري للمحاصيل ومركز الموارد الوراثية في الشمال الأوروبي.

ويعد قبو سفالبارد نسخة احتياطية لبنوك البذور في العالم البالغ عددها 1750، وقد حظرت الحكومة النرويجية تخزين الحبوب المعدلة وراثيًا في القبو، ويتم الحفاظ على البذور حيث توضع داخل أكياس ألمونيوم بثلاث طبقات، وتوضع عليها رموز لتدل على بنك الجينات والحبوب القادمة منه.

وتم اختيار الموقع لأن درجة حرارته الباردة تساعد على تخفيض متطلبات التبريد اللازمة للاحتفاظ بالحبوب بحالتها الجيدة كما أن المنطقة تحتوي على نشاط زلزالي ضئيل جدًا، وتقع على ارتفاع 130 مترًا، فهو محمي من أي ارتفاع لسطح البحر، ويُدفن المخزن 120 مترًا في عمق جبل الحجر الرملي ويتم تبريد المنشأة إلى درجة -18 مئوية، وفي حالة انقطاع الكهرباء فسيتم الاحتفاظ نسبيًا بالحرارة بسبب وسطها المحيط لمدة ما يقرب من ثلاثة أسابيع.

وعلى الرغم من كل تلك الاحتياطات وبسبب ارتفاع درجات الحرارة في القطب الشمالى خلال هذا العام، تم سقوط المطر بدلاً من سقوط الثلوج مما أدى إلى اندفاع المياه إلى نفق المخزن ولكنها تجمدت ولم تتسلل إلى مخزن البذور نفسه، ولكن هذا الحدث أدى إلى شكوك فيما إذا كان هذا المخزن بمقدرته العمل دون مساعدة الإنسان كما كان مخطط له أم لا.

من الجدير بالذكر أن المخزن سحب أول دفعة من البذور له بسبب الحرب في سوريا.

في مواجهة التسونامي

تعرضت تشيلي سنة 2010 إلى زلزال بقوة 8.8 بمقياس ريختر وإلى تسونامي بمنقطة كونستتثيون في جنوب تشيلي، وكان لا بد من حل سريع لإعادة إعمار المدينة لتصميم كل شيء، المباني العامة والميادين والمساحات المشتركة والإسكان وخلافه، بالإضافة إلى إيجاد طريقة لحماية المدينة من تسونامي مستقبلاً بالطبع، وكان هناك بديلين يلوحان في الأفق، الأول منع الإنشاء على الأرض مباشرة ولكن لم يكن ذلك الحل لينجح لأن التشيليين سيحتلون الأرض بطريقة غير قانونية إن لم يسمح لهم بالإنشاء بطرق قانونية، والحل التاني بناء جدار كبير له مقاومة كبيرة للتصدي لطاقة الأمواج ولكنه كان بديلاً فاشلاً أيضًا تمت تجربته في دول أخرى ولم ينجح، وكان البديل إنشاء "غابة" تفصل بين البحر والمدينة، بحيث تقلل عن طريق عامل الاحتكاك من طاقة تسونامي مما يجعلها تكسر موجات الماء وتمنع أيضًا حدوث الفيضانات.

مرحلة ما بعد الزلزال

تأثرت مدينة كرايستشيرش في نيوزيلاند منذ أكثر من عامين لزلزال بقوة 6.3 أصاب المدينة بأكملها بالشلل، ومن المباني التي تدمرت مع الزلزال الكاتدرائية الإنجليكانية التي بُنيت عام 1864 والتي كانت رمزًا للمدينة، وأراد قاطنو المدينة بناء كاتدرائية مؤقتة إلى حين بناء هيكل جديد لها، فكانت فكرة المعماري شيجرو بان ببناء الكاتدرائية من الورق المقوى، حيث استخدم 98 أنبوبًا مصنوعًا من الورق المقوى و8 حاويات شحن مصنوعة من الفولاذ، وكل أنبوبة مغطاة بعازل للماء والحريق، وهذا الهيكل الجديد محمي من الخارج بسقف شبه شفاف مصنوع من البولي كربون، ويقول المعماري: "لا علاقة بقوة المواد المستخدمة بالبناء بقوة المبنى ذاته، فالمباني الخرسانية يمكن تدميرها بالزلازل بسهولة، ولكن لا يمكن للمباني الورقية أن تدمر بنفس السهولة تحت تأثير الزلزال".

مركز جبل ويثر للعمليات الطارئة

تم الانتهاء من إنشائه في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي للاحتماء ضد أسوأ الاحتمالات المتوقعة في الحرب الباردة، يغطي المركز مساحة 56 ألف متر مربع تحت سطح الأرض، ولم يتم إعلانه للعامة حتى عام 1979، وصمم ليعمل كمخبأ للمسؤولين العسكريين والحكوميين في الولايات المتحدة الأمريكية كجزء من خطط استمرارية الحكومة في البلاد، ويستخدم البناء الآن كمقر للوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ، ويتضمن هذا البناء وكالة إذاعية في حالة الطوارئ للبث.

ولم يتوقف استعمال هذا المقر بعد انتهاء الحرب الباردة بل إنه استخدم في أثناء الحادي عشر من سبتمبر حيث تم إجلاء بعض أعضاء الكونجرس إليه عن طريق الطائرات المروحية.