ماذا يعني استهداف قوات الحوثي وصالح للجيش الإماراتي بشكل مباشر ودام؟

في استهداف يحمل دلالات عدة، أوقع تحالف "صالح ـ الحوثي" مروحية إماراتية تعمل ضمن قوات التحالف الدولي الذي تقوده السعودية لتأديب الخارجين عن طاعتها اليمن، مما أسفر عن مقتل الجنود الأربعة الذين كانوا بداخلها، وهي الضربة التي تزامنت مع استهداف بارجة حربية إماراتية أيضا فى المياه الإقليمية بالبحر الأحمر، وهو ما يؤكد أن مسرح الأحداث بعيدًا عن ملاسنات الإعلام بات أشبه بمبارة طاولة تنس، والطرفان يجيدان الرد علي بعضهما عبر ضربات "بينج بونج".  

سر استهداف الحوثي وصالح لقوات الإمارات

منذ بداية "عاصفة الحزم" والإمارات يتعاظم دورها فى جنوب اليمن تجديدا، وتسعى غالبا بشكل منفرد إلى مّد نفوذها بهذه المنطقة الملتهبة عبر تكوين قوات عسكرية نظامية لا يمكن السيطرة عليها بعصبيات قبلية من قبل الحوثيين وصالح، خاصة بعدما نجحت إحدى الفرق العسكرية الممولة إماراتيًا فى استعادة ميناء المكلا الجنوبي من مقاتلي تنظيم القاعدة قبل عام، وهو ما أقلق مضاجع مناهضي التحالف الدولي، وباتت الدولة الخليجية الأكثر نفوذا في المنطقة حاليا على رادار القنص أكثر من السعودية نفسها وهي حاملة راية الحرب في اليمن.

ويأتي استهداف القوات الإماراتية من قبل الحوثي وصالح، لتتزايد الضغوط على الدولة الخليجية، في تزامن مع صعوبات جمة تواجها بالجنوب اليمني بسبب عدة عوامل تاريخية، في مقدمتها الخصومات التقليدية والانقسامات داخل المجتمع القبلي المعروف بنزعاته الانفصالية بين القوات والقيادات، لاسيما وأن الجنوب كان دولة مستقلة مما يجعل خطة الإمارات لبناء جيش نظامي غير مؤدلج وموالٍ لها في هذه المنطقة مهمة شبه مستحيلة؛ وقد تدفعها للغوص أكثر في المستنقع اليمني محاولاتها الرامية إلى الزحف شمالاً لتعزيز ما حققته من مكاسب سياسية وعسكرية فى اليمن.

ساعدت الأخطاء الكارثية التي ارتكبتها قوات التحالف فى ازدياد الغضب الشعبي باليمن ضد عاصفة الحزم، والتحول إلى دفة "الحوثي وصالح" في ظل تشديد الحصار وإغلاق مطار صنعاء

حتى الآن لم تعترف الإمارات بإسقاط مروحيتها عسكريًا، وأرجع البيان الرسمي الذي أصدرته القوات المسلحة الإماراتية عملية إسقاط مروحيتها إلى خلل فني، وهو الأمر الذى نفته تقارير صحفية عربية ودولية وقالت أن سقوط المروحية جاء بسبب اصطيادها عبر أحد الصواريخ الجديدة التي حصل عليها تحالف الحوثي وصالح من إيران، وأحدثت بعض التعديلات في موازين القِوى لصالح الطرف اليمني الذي يزداد قوة، ولم ينجح فقط فى امتصاص الصدمة والتعايش مع القَصف، بل نجح أيضا في تطوير خطة الهجوم واستهداف طائرات وبوارج التحالف والتوغل في عمق الأراضى السعودية الجنوبية مع التهديد بنبرة واثقة بقصف ما هو أبعد.

والشاهد الآخر الذي يمكن الاستدلال به في تعاظم قوة "صالح والحوثي"، استعانة التحالف الدولي في اليمن وعبر وساطة سعودية بقوات التدخل السريع السودانية، وهو الأمر الذي كشف الغطاء عن الأزمات التى اندلعت في صفوف هذا التحالف بسبب نقص القوات البرية المقاتلة على الأرض، وربما جاء قرار الاستعانة بالقوات السودانية ليؤكد التخبط وغياب البعد الاستراتيجي لدى القوات المهاجمة، خاصة أن دفع السودان للمعركة هو الأخر أعطى نتائج عكسية في ميادين القِتال وجعل حكومة البشير معرضة لاتهامات داخلية وخارجية بزج قواتها في المعارك للارتزاق من هذهِ الحرب مما قد يُلحق إساءة كبيرة بسمعة المؤسسة العسكرية السودانية وهَيبتها.

من جانب أخر، ساعدت الأخطاء الكارثية التي ارتكبتها قوات التحالف في ازدياد الغضب الشعبي باليمن ضد عاصفة الحزم، والتحول إلى دفة «الحوثي وصالح» في ظل تشديد الحصار وإغلاق مطار صنعاء، وهي الإجراءات القاسية التي أضعفت الرئيس عبد ربه منصور هادي وجناحه فى الأزمة، فضلا عن تصاعد التعاطف الدولى مع اليمنيين المحاصرين الذين تفتك بهم المجاعة والكوليرا، ما دفع عبد ربه نفسه للهجوم علي الإمارات في أكثر من موضع واتهامها بالتعامل مع اليمن كقوة احتلال تريد استغلال ظروف البلاد لفرض مطامعها على أرض الواقع.

وتسبب إغلاق مطار صنعاء من قبل قوات التحالف، فى تعظيم الإحساس القومي بالرغبة فى إذلال المدنيين اليمنيين وتحويل حياتهم إلى جحيم، لدرجة أن المبعوث الدولي إسماعيل ولد الشيخ، والذي تدور حوله اتهامات بالتواطؤ مع التحالف السعودي لم يستطع مواجهة الضغوط الإعلامية الدولية ونأى بنفسه عن هذا الفخ مطالبًا وبشكل علنى أكثر من مرة بفتح مطار صنعاء مع رفض المطالب السعودية باشتراط إشراف الأمم المتحدة على المطار قبل تحقيق هذه المطالب.

عمليًا الإمارات هي القوة الثانية بعد السعودية في اليمن، وهي أيضا ثان قوة جوية وتشارك بـ «30 طائرة» رغم أنها لم تكن متحمسة للمشاركة في التحالف الذي تقوده السعودية من البداية

حالة التنمر السعودية ــ الإماراتية استغلها ببراعة اللواء يحيى محمد عبد الله صالح ابن شقيق الرئيس السابق وأحد أهم رجاله العسكريين الذي هدّد بقَصف مطارات السعودية والإمارات، وحاول الداهية اليمني تعظيم شعور الكرامة الوطني وجلب أتباع جدد لحلف عمه، عبر التأكيد على أن تهديداته ليست «طق حنك» كما يقول المصريون، فلا يوجد لتحالف الحوثي وصالح ما يُمكن أن يَخسره فى مقابل الخسائر الفادحة التي ستتكلفها الطائرات السعودية والإماراتية المهاجمة، وهو ما ظهر جليا في المروحية الإماراتية الأخيرة التي تم استهدافها مؤخرا، وأسفر الهجوم عليها عن تحطمها ومقتل أربعة عسكريين كانوا على متنها استعدادا لتوجيه ضربات مركزة لفلول جيش صالح والحوثي.

الإمارات والسعودية .. تحالف أم تضارب مصالح؟

عمليًا الإمارات هي القوة الثانية بعد السعودية فى اليمن، وهى أيضا ثان قوة جوية وتشارك بـ «30 طائرة» رغم أنها لم تكن متحمسة للمشاركة في التحالف الذي تقوده السعودية من البداية، الأمر الذي أثار حالة من الشكوك حول الأسباب الحقيقة التي دعت  دولة خليجية تنازع السعودية النفوذ في المنطقة للاعتراض على توجيه ضربة عسكرية، ثم تشارك بهذا الحجم من القوات.

الضبابية الإماراتية أشار إليها الكاتب البريطاني الشهير ديفيد هيرست، خلال مقال له بصحيفة «ميدل أيست آي» في مارس من العام الجاري، مؤكدا أن الإمارات تسعى لإفساد عملية انتقال السلطة التي ترتب لها السعودية باليمن، وبالتبعية إفشال حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، التي تضم أعضاء من حزب الإصلاح التابع لجماعة الإخوان المسلمين، وذلك من أجل دعم أحمد علي صالح، نجل الرئيس السابق وقائد الحرس الجمهوري السابق أيضا وسفير بلاده لدى الإمارات.

وكشف «هيرست» عن إبلاغ الإمارات وعلى لسان ولى عهد أبو ظبي محمد بن زايد، علي عبد الله صالح ونجله بموعد عاصفة الحزم وكافة تفاصيل الضربة، وهو ما أنقذ حياة الرئيس اليمنى السابق، بعد أن غادر منزله فى صنعاء قبل استهدافه بغارة موجهة من الطائرات السعودية.

ولم تكتف الإمارات بذلك بل شككت وعبر تقارير رسمية من إمكانية نجاح عاصفة الحزم، وجاء ذلك تحديدا على لسان المستشار السياسي لمحمد بن زيد، الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله، الذي قال لوكالة رويترز أن عملية عاصفة الحزم لا تعدو سوى كونها مغامرة سعودية، وهو التصريح الذي تلقفته صحيفة الفايننشال البريطانية وتساءلت عن سبب دعم الإمارات لحرب تعارضها وتشكك في نتائجها، بقوات برية بلغت بالتعاون مع السعودية حوالي 3 آلاف مقاتل، لدرجة أن القوات الخاصة الإماراتية أصبحت جزءا من المقاتلين الذين يقاتلون ضد الجيش واللجان الشعبية في اليمن منذ مايو الماضي على أقل تقدير.

أزمات العملية العسكرية باليمن، واضحة في علاقة القط والفأر بين المملكة وحليفتها الخليجية التي تتحين الفرصة لتتصدر الصورة والتخلص من التقوقع خلف دول خليجية تعودت الوقوف صفًا واحدًا، انتظارًا لما ستسفر عنه توجيهات الوصاية السعودية على قرارهم السياسي الخارجي

التقدم الكبير الذي حققته قوات صالح والحوثي وخاصة في مدينة عدن وما حولها بداية من أبريل الماضي، وسيطرة أنصار الله على الموانئ الإستراتيجية في المنطقة، تراها صحيفة الفايننشال هي الأخرى عملية إخلال بحالة التوازن التي كانت تسعى إليها الإمارات في اليمن، لاسيما وأن المصلحة الإماراتية تُغلب ضرورة استمرار الصراع في اليمن، واستنزاف كلا من السعودية والجيش اليمني، ومنع الحسم لصالح أي منهما، وهي الرؤية التي اتفق معها بشدة رئيس المجلس السياسي في حركة أنصار الله «صالح الصماد» الذي أكد في تصريح لنفس الصحيفة، أن الإمارات حريصة على جعل عدن بؤرة صراع.

وهاجم الصماد الإمارات وقال أنها كانت تحاول دائما وطيلة العقود الماضية، تجميد دور ميناء عدن بتواطؤ من بعض النافذين، لافتا إلى أن أبو ظبي تحرص دائما على تصفية كافة الأصوات الوطنية من قيادات الحراك الوطنية، التي تحمل هم أبناء الجنوب وتنادى بقضيتهم بحسب وصفه.

تبدو أزمات العملية العسكرية باليمن، واضحة في علاقة القط والفأر بين المملكة وحليفتها الخليجية التي تتحين الفرصة لتتصدر الصورة والتخلص من التقوقع خلف دول خليجية تعودت الوقوف صفًا واحدًا، انتظارًا لما ستسفر عنه توجيهات الوصاية السعودية على قرارهم السياسى الخارجي تحديدًا، وهو ما يراه تحالف صالح والحوثي جيدا وخاصة بعدما تعاظمت قوتهم بشكل غير مسبوق وباتت الإمارات لديهم الدولة التي يجب أن تواجه أولاً، وليست أي دولة أخرى.