تعيش ليبيا خلال الأعوام الثلاثة الماضية، صراعا سياسيا حادا وصل ذروته إلى وقوع معارك مسلحة في العديد من المدن، وانقساما في المؤسسات التشريعية والتنفيذية للدولة، أدى إلى تدهور الوضع الاقتصادي والإنساني في معظم أنحاء البلاد.

هذا الصراع انحصر في معظم أحيانه بين طرفين أساسيين الأول في الشرق الذي يضم المواليين لعملية الكرامة بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر وأعضاء مجلس النواب في طبرق يتقدمهم رئيس المجلس عقيلة صالح، والحكومة المؤقتة المنبثقة عنه برئاسة عبدالله الثني.

أما الطرف الثاني الذي كان يسيطر على طرابلس قبل دخول حكومة الوفاق الوطني إلى العاصمة في نهاية مارس 2016، ويضم أعضاء من المؤتمر الوطني العام برئاسة نوري أبو سهمين وحكومة الإنقاذ الوطني المنبثقة عنه برئاسة خليفة الغويل، إضافة إلى مفتي ليبيا الشيخ الصادق الغرياني والمواليين له.

وتوقع الجميع أن هؤلاء الطرفين من الصعب أن تتوحد مواقفهما وتتفق آرائهما في بعض القضايا السياسية، ولكن أخطأت توقعات هؤلاء وفاجأ الطرفين المتنازعين الجميع وتوحدت مواقفهما واتفقت آرائهما في العديد من القضايا السياسية الليبية الرئيسية.

الاتفاق السياسي

ووقع عدد من أعضاء المؤتمر الوطني ومجلس النواب، وشخصيات مستقلة، على الاتفاق السياسي الليبي في 17 ديسمبر من عام 2015، بمدينة الصخيرات المغربية، وبرعاية دولية وعربية.

قرر رئيس مجلس النواب عقيلة صالح إلغاء قرار المجلس الصادر يوم 25 يناير 2016، بشأن اعتماد الاتفاق السياسي الليبي الموقع بالصخيرات المغربية والمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني

وجرى توقيع هذا الاتفاق في ظل غياب ومعارضة ورفض معسكر الكرامة ومؤيدوه، ومفتي ليبيا الشيخ الصادق الغرياني وأتباعه، إضافة إلى رئيسي المؤتمر الوطني ومجلس النواب والحكومات المنبثقة عنهما.

وقبل توقيع الاتفاق، اعتبر رئيس المؤتمر الوطني نوري أبوسهمين، في كلمة له خلال جلسة المؤتمر، أن توقيع الاتفاق السياسي في الصخيرات، “باطل وخارج إطار الشرعية”، مؤكدا فيها على عدم تفويض ممثليه في الحوار بالتوقيع، سواء بالأحرف الأولى، أو بالتوقيع النهائي، أو بعقد اتفاقات، وهو موقف رئيس مجلس النواب عقيلة صالح.

كما ذهبت “دار الإفتاء الليبية” برئاسة مفتي ليبيا الشيخ الصادق الغرياني إلى أن تجاوز الانقسام السياسي يتطلب توافق رئيسي مجلس النواب والمؤتمر الوطني، أساساً للخروج من الأزمة، ورأت أن التوقيع على اتفاق الصخيرات جاء من جهة غير شرعيةٍ لا تمثل الليبيين.

ورأت “دار الإفتاء” في بيانها، أن ما يترتب على التوقيع لا يرتب آثاراً قانونية، وأشارت بشكل خاص، إلى المشاركين في الحوار، سواء  كانوا من أعضاء المؤتمر والبرلمان غير المفوضين بالتوقيع، أو المشاركين الآخرين في الحوار، قائلة: “إن يفقد الاتفاق شرعيته السياسية، ويؤدي إلى الفوضى والفساد”، داعية إلى مراجعة الاتفاق، وإبرام غيرِه.

ورفض اللواء المتقاعد خليفة حفتر المادة الثامنة من الاتفاق السياسي المتعلقة بصلاحيات المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني وذلك خلال لقائه بالمبعوث الأممي إلى ليبيا، مشيرا إلى أن هذه المادة تقف عائقا أمام تسليح الجيش في محاربته للإرهاب، وفق قوله.

واتهم حفتر أثناء لقائه بعدد من أعيان ومشايخ المنطقة الشرقية بمدينة المرج عقب توقيع الاتفاق بالصخيرات، المبعوث الأممي إلى ليبيا مارتن كوبلر بأنه يريد تسريع إعلان الحكومة قبل وصول الليبيين إلى توافق بينهم، وقال: “إن الحوار السياسي الليبي الذي ستنبثق عنه الحكومة يجب أن يكون ليبيًا – ليبيًا من دون وصاية دولية”.

أعلنت أطرافا تابعة لمجلس النواب والمؤتمر الوطني، من تونس عن التوصل لاتفاق مبادئ ينص على تشكيل حكومة وحدة وطنية خلال أسبوعين وإجراء انتخابات تشريعية ولجنة لمراجعة الدستور.

وفي السابع من مارس الماضي، قرر رئيس مجلس النواب عقيلة صالح إلغاء قرار المجلس الصادر يوم 25 يناير 2016، بشأن اعتماد الاتفاق السياسي الليبي الموقع بالصخيرات المغربية والمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، إثر طرحه للتصويت خلال الجلسة التي انعقدت في مدينة طبرق بحضور 56 نائبًا.

دخول السراج للعاصمة

وبعد توقيع الاتفاق السياسي الذي انبثق عنه مجلسا رئاسيا برئاسة فائز السراج وثمانية أعضاء، وصل السراج في 30 مارس 2016 إلى طرابلس، مخالفا كل التوقعات التي قالت إن المجلس الرئاسي لا يستطيع دخول العاصمة وممارسة عمله بها في ظل وجود مليشيات مسلحة، بحسب ما رأى البعض.

وآثار دخول فائز السراج رفقة عدد من أعضاء المجلس الرئاسي إلى طرابلس غضبا واعتراضا كبيرا من قبل معسكر الكرامة ومؤيديه في شرق البلاد، واتباع أبوسهمين والغويل الشيخ الغرياني، الذين يتخذون طرابلس مقرا لهم.

وحذر رئيس حكومة الإنقاذ الوطني خليفة الغويل، المجلس الرئاسي من القدوم إلى طرابلس، مؤكدة أن انتقال المجلس إلى طرابلس خطوة غير قانونية، واصفا وصول السراج إلى العاصمة بـ”غير شرعي”.

ودعا الغويل، رئيس وأعضاء المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني بتسليم أنفسهم ويكونوا في أيدي أمينة أو يعودوا من حيث أتوا، مناشدا مؤيديه من الثوار إلى الوقوف صفا واحد ضد ما وصفها بـ”المجموعة المتسللة”، والتي ستعرض البلاد بخطر الوصاية الدولية في إشارة إلى المجلس الرئاسي، على حد قوله.

حوار ليبي ليبي

وعقد اجتماع في مقر القيادة العامة لعملية الكرامة، ضم قائد العملية خليفة حفتر ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس الأركان التابع للمجلس عبدالرزاق الناظوري، ونائب رئيس المجلس الرئاسي علي القطراني.

وبحث هذا الاجتماع عقد حوار (ليبي – ليبي)، لتسمية حكومة وطنية موحدة غير خاضعة لوصاية دولية، وهذا ما طالب به أيضا رئيس المؤتمر الوطني نوري أبوسهمين ومفتي ليبيا الصادق الغرياني.

حظي الاتفاق السياسي الليبي الموقع في الصخيرات بموافقة الحزبين المتنافسين تحالف القوى الوطنية والعدالة والبناء، ويكمن الأساس المشترك في موقفهما

وخلال يومي 11 و12 ديسمبر من عام 2015، أعلنت أطرافا تابعة لمجلس النواب والمؤتمر الوطني، من تونس عن التوصل لاتفاق مبادئ ينص على تشكيل حكومة وحدة وطنية خلال أسبوعين وإجراء انتخابات تشريعية ولجنة لمراجعة الدستور.

وبعد لقاء تونس، احتضن رئيس الوزراء المالطي جوزيف موسكات بمالطا في منتصف ديسمبر من العام ذاته، لقاء جمع بين رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المؤتمر الوطني نوري أبوسهمين، لمناقشة فرص عقد الحوار (الليبي- الليبي)، وكان التوافق بينهما على أولوية ملتقى تونس وتبني مخرجاته.

توافق الأحزاب

وعلى صعيد الأحزاب السياسية، فقد حظي الاتفاق السياسي الليبي الموقع في الصخيرات بموافقة الحزبين المتنافسين تحالف القوى الوطنية والعدالة والبناء، ويكمن الأساس المشترك في موقفهما، أن توقيع الاتفاق مرحلة في طريق الاستقرار ووقف الحرب.

ويعد التحالف من أبرز الأحزاب الداعمة لعملية الكرامة، في حين يعتبر حزب العدالة معاديا ورافضا لعملية الكرامة وقائدها خليفة حفتر، كما يعد هذين الحزبين أكبر حزبين سياسيين في البلاد، وقد فازا بأكثر مقاعد في الانتخابات التشريعية للمؤتمر الوطني ومجلس النواب.

خليفة حفتر والصادق الغرياني

وقد أشار تحالف القوى الوطنية في بيانه بعنوان “بيان ونداء” الصادر في ديسمبر 2015، شرح فيه أن توقيع الاتفاق السياسي سيجنب البلاد خطراً جسيماً، ليس أقله تشظيا من مجلس النواب وانقسامه، وأن النظر للاتفاق لا يكون من وجهة المكاسب والمخاسر الجهوية، أو المناطقية أو القبلية أو الشخصية، فالاتفاق يتضمن عيوباً، لكنه يرسخ شرعية مجلس النواب والعملية السياسية.

كما تناول حزب العدالة والبناء، وفق بيانه في 19 ديسمبر من العام نفسه، اتفاق الصخيرات، من وجهة أنه الحل الممكن في الظروف الحالية، ويمثل خطوةً في بناء الدولة وصياغة الدستور، واعتبر الاتفاق “لحظة تاريخية”، تساعد في إنهاء الأزمات والمعاناة.

وربما قد نرى توافقات سياسية جديدة في المستقبل بين أطرافا متصارعة سياسيا وعسكريا، وخاصة في ظل الجهود الدولية المبذولة لتقريب وجهات النظر لحل الأزمة الليبية في عامها الثالث

المصدر:  ليبيا الخبر