تقول رشيدة: "لم يدرس أخي منذ ست سنوات، هو الآن في الصف السادس ولا يستطيع كتابة اسمه"

ترجمة: حفصة جودة

مع تصاعد الهجمات على الرقة، تظهر قصص الرعب الذي عانى منه المدنيون خاصة الأطفال تحت حكم الدولة الإسلامية، استولى تنظيم الدولة على الرقة في يناير 2014، أما الآن فتحاصر المدينة قوات التحالف الديموقراطية الأمريكية السورية، وتقول التقارير إن الغارات الجوية أدت إلى قتل عشرات المدنيين مما أدى إلى زيادة الحاجة إلى النزوح سريعًا.

ما زال هناك ما بين 18 ألف إلى 25 ألف مدني محاصرين في المدينة وفقًا لتقرير الوكالة الإنسانية للأمم المتحدة "OCHA"، بينما نزح أكثر من 271 ألف مدني منذ أن بدأت عمليات درع الفرات في نوفمبر 2016، وأصبحت 18 قرية من بين 24 في الرقة مهجورين تمامًا، وطالبت الأمم المتحدة يوم الخميس بوقف التفجيرات للسماح للمدنيين بالمغادرة.

أوضح بيان منظمة "انقذوا الأطفال" أن المدنيين الموجودين في المدينة يواجهون خطر العنف الناتج عن الصراع وإعادة توزيعهم قسرًا من المناطق الواقعة تحت سيطرة داعش إلى مناطق أخرى بالإضافة إلى نقص إمدادات الطعام والمياه، هناك اثنان فقط من أحياء الرقة يمتلكون سوقًا غذائية عاملة ويعتمد السكان على حصص الإعاشة أو المواد الغذائية المخزنة سابقًا، كما أدى شرب المياه من الآبار إلى إصابة غالبية سكان المدينة بالأمراض.

وبينما يرغب العديد ممن غادروا الرقة أن يعودوا إليها مرة أخرى إلا أنه لم يعد أحد حتى الآن ومن غير المتوقع أن يعودوا قبل أن ينتهي الصراع وتُزال الألغام

يعاني معظم سكان المدينة من الأمراض الناتجة عن المياه الملوثة التي تضخها الآبار، أما الكهرباء فتصبح متاحة ما بين ساعتين إلى 6 ساعات في اليوم في 5 من 6 أحياء مأهولة بالسكان في المدينة، وتقول المنظمات غير الحكومية إن الألغام والضربات الجوية ورصاص القناصة والحرائق غير المباشرة تفرض قيودًا على الأسر التي ترغب في الرحيل، أما الأطفال بشكل خاص فهم أكثر عرضة للألغام الأرضية والتفجيرات بالإضافة إلى الصدمات النفسية.

وبينما يرغب العديد ممن غادروا الرقة أن يعودوا إليها مرة أخرى إلا أنه لم يعد أحد حتى الآن ومن غير المتوقع أن يعودوا قبل أن ينتهي الصراع وتُزال الألغام، يعيش الكثيرون منهم الآن في مخيمات اللاجئين المحيطة، ويصف أطفال الرقة الحياة الوحشية غير المعقولة ومشاهدتهم للإعدامات والمتفجرات كجزء من الحياة اليومية.

تقول رشيدة - 13 عامًا -: "في أحد الأيام قطعت داعش رؤوس العشرات وتركت أجسادهم على الأرض، رأينا ذلك ولم نستطع أن نفعل شيئًا، كنت أرغب في النوم لكن كلما أتذكر ما رأيته أشعر بالخوف ولا أستطيع النوم، الآن أستطيع النوم بشكل طبيعي فلا رؤوس تُقطع هنا".

تحولت الحدائق والأماكن العامة إلى مناطق لتنفيذ الإعدامات وأصبحت الأرض مغطاة بالرؤوس والأجساد المتحللة، مثلما تقول منظمة "انقذوا الأطفال"، بالإضافة إلى ذلك فالتقارير التي تقول بأن الضربات الجوية قتلت عشرات المدنيين تعني أن العائلات تواجه قرارًا مستحيلاً، إما البقاء ومواجهة خطر الموت قصفًا أو الرحيل ومواجهة خطر التعرض لرصاص داعش أو المرور على لغم أرضي.

تقول فريدة - 13 عامًا -: "إذا فعلت امرأة أمرًا خاطئًا، فإن داعش ترجمها بالحجارة وإذا دخن الرجال فإنهم يقطعون الأصابع التي استخدموها في التدخين، كان هناك رجلاً لا أعرفه قال شيئًا ما عن داعش فقاموا بخياطة فمه وفي أثناء ذلك كان الدم يخرج من فمه كثيرًا، ياله من رجل مسكين".

لم يعد هناك أي فرصة

لم يعد لدى الأطفال أي فرصة، لقد أصبحوا محبوسين في المنازل منذ أشهر غير قادرين على الذهاب إلى المداراس أو اللعب مع أصدقائهم، يقول السيد عون والد رشيدة: "حياة الطفولة! لا توجد طفولة الآن، لم يعد هناك ما يسمى طفولة، نحن جميعًا نعيش في الجحيم الآن، لقد نسى الأطفال طفولتهم فلا توجد مدارس ولا ألعاب، وحتى لو ذهب الأطفال إلى المدارس فما يتعلمونه هناك هو كيفية القتال ومبادئ الإسلام، لا يوجد تعليم حقيقي".

حذرت منظمة "انقذوا الأطفال" من أنهم يعانون من ندوب نفسية والتي قد تستغرق سنوات وربما عقود للشفاء منها، تقول سونيا كوش - مديرة المنظمة في سوريا -: "يجب أن يتمكن الأطفال من مغادرة الرقة دون خوف من العنف أو الموت أو إجبارهم على السير لعدة أيام بين حقول الألغام للوصول إلى بر الأمان، من الضروري توفير علاج نفس للأطفال الذين ما زالوا على قيد الحياة لمساعدتهم على مواجهة صدمة العنف الوحشي الذي شهدوه".

شددت منظمة "انقذوا الأطفال" على ضرورة الخروج الآمن للمدنيين دون تعرضهم لغارات جوية أو أن تستخدمهم داعش كدروع بشرية

وتضيف كوش: "قد يبدو أطفال الرقة طبيعيين من الخارج لكنهم من داخلهم يتعذبون بسبب ما شاهدوه، لقد رأوا أحبابهم يموتون أمام أعينهم، نحن نخاطر بجيل كامل من المعاناة ما لم نعالج احتياجات صحتهم النفسية".

شددت منظمة "انقذوا الأطفال" على ضرورة الخروج الآمن للمدنيين دون تعرضهم لغارات جوية أو أن تستخدمهم داعش كدروع بشرية، ومن الضروري حماية الأطفال المعرضين لأهوال الحرب أولاً، ودعت المنظمات الدولية المتبرعة إلى زيادة الاهتمام بدعم الرعاية العقلية والنفسية بشكل عاجل.

أظهرت دراسة أجرتها المنظمة في يوليو عن تأثير الصراع على أطفال الموصل، أن جميع الأطفال ظهرت عليهم أعراض "الإجهاد السام" وهو مرحلة خطيرة من الضغط والتوتر والذي يجعل الجسد في حالة دائمة من "الكر والفر"، كما أن أكثر من 90% من الأطفال فقدوا أحبابهم بالموت أو السفر أو الاختطاف ومعظمهم يعانون من كوابيس ليلية، لقد أصبح الأطفال فاقدين للحس والمشاعر.

عندما طُلب من الأطفال أن يلعبوا لعبة يقومون فيها بوضع كل ما لا يرغبون فيه في "حقيبة سحرية" سواء شيء ملموس أو شيء ما بداخلهم اختاروا جميعًا الحرب والأسلحة والحزن وداعش، وعندما سألناهم ما الشيء الذي سيجعلهم يشعرون بشكل أفضل، وجدوا صعوبة في الإجابة، ومن أجاب منهم اختار السعادة وعودة الأحباب الذين فقدوهم.

المصدر: ميدل إيست آي