قبل أيام وفي محاضرة عامة، افتخر أحد أعضاء التحالف الوطني لدعم الشرعية في مصر أن بيانات التحالف لا تسبق حركة الشارع ولا تتأخر عنها كثيراً، بل تسير معها جنباً إلى جنب. أعاد هذا الكلام إلى ذهني ذلك السؤال المحوري الكبير: من يقوم بالثورة؟ ومن يقودها؟ ومن يمتلك عناصر نجاحها؟

لا شك أن الثورة فعل شعبي عفوي لا تنظيم فيه ولا تخطيط مسبقاً لخطواته، بل إنها غالباً ما تبدأ على شكل احتجاجات محددة السقف والمطالب، ثم لا تلبث الأمورأن تتطور إلى ثورة بشكل متدحرج - ككرة الثلج - تحت ضغط عوامل عدة، على رأسها تعامل السلطة مع المطالبات والحركة الاحتجاجية. لكن هذه العناصر – الشعبية والعفوية وغياب التخطيط – التي تطلق الشرارة، قد تكون هي نفسها مخمدة الثورة على المدى البعيد. 

ففي معظم الثورات عبر التاريخ، تقع أعيننا على شخصية محورية تملك الكاريزما و/أو تيار فكري أو سياسي يملك القاعدة الجماهيرية العريضة. فقد نظــّر للثورة الفرنسية مفكرون كبار أمثال روسو وفولتير وكانت، بينما قاد لينين والحزب الشيوعي الثورة البلشفية في روسيا، وتقدم الخميني والمجلس الثوري (الحزب الثوري الإسلامي لاحقاً) صفوف الثورة الإيرانية. فهذا التيار الغالب يعتبر في الثورات ضابط الإيقاع وضامن السياق، حيث يؤمن الأعداد الكبيرة في المشاركة، والتأثير الفعلي في الثورة، وحفظ الخط الرئيس للثورة من المعارك الجانبية والانحرافات السلوكية والاختراقات المضادة، إضافاً إلى كونه الوسيلة الرئيسة واليد الضاربة لتحقيق أهداف الثورة النهائية بعد الإطاحة بالنظام.

وفي مشاهد الربيع العربي، كانت الثورة اليمنية أقل الساحات اضطراباً وإن كانت ابطأها سرعة، بفضل قوة وانتشار التجمع اليمني للإصلاح (الذي لم يرفع إعلامياً لواء قيادة الثورة) الذي حمى البلاد من حرب أهلية في واحد من أكثر البلاد تسلحاً وبنية عشائرية. كما كان المشهد الأول في الثورة المصرية ملهماً، حين جمعت قوى الثورة (بمن فيهم الإخوان كأقوى التيارات في الشارع) أهدافٌ واحدة حفظت على الثورة خط سيرها المتسارع الذي أجبر النظام في حينها على التراجع خطوة كبيرة إلى الوراء.

في الناحية الأخرى، ساهم عدم وجود ذلك التيار الأساسي في ليبيا في حالة الفوضى المستمرة حتى الآن والمرشحة للاستمرار سنوات عديدة، كما غابت القيادة الفكرية عن الثورة السورية فتـُرك الأمر للشارع ليحدد الوجهة والشعارات والتكتيكات والخطط، تبعاً للتطورات اليومية وردات الفعل غير المحسوبة بل والمطلوبة أحياناً من النظام نفسه. لقد فقدت قيادة المعارضة السياسية القدرة على التأثير على حركة الشارع بل اتجهت أحياناً لمجاراته في شعارات ومواقف ليست مقتنعة بها، مثل العسكرة والخطاب الطائفي، سعياً وراء شرعية تعوض ضعف تواجدها على الأرض.

وكما في كل الثورات، يعمل النظام القائم على بث الشائعات وتفريق الجمع الثوري والضغط بكل قسوة وعنف والمبالغة في القتل والتعذيب، مما قد ينعكس في صفوف الثوار في الشارع تشتتاً وبلبلة أو تشدداً وعنفاً، مما قد يكسب النظام ذريعة يبحث عنها لينتزع شيئاً من المصداقية - داخلياً ودولياً – بخصوص مقارباته المتعلقة بالإرهاب والتآمر والتخابر مع الخارج والتخريب ..الخ.

لذلك، لا يمكن أن تستغني أي ثورة عن قيادة فكرية، تنظـّر لها، وتصوغ لها أهدافها، وترسم لها طريقها، وتضع لها الخطط الاستيراتيجية، وتضع بين يديها تفصيلاتها التكتيكية، وتقيّم مسيرها وأحداثها، وتتدخل لتقويم أي انحراف عن المسيرة أو بعد عن الأهداف. هي قيادة فكرية دارسة للتاريخ، مستوعبة لدروس الماضي، مدركة لتفاصيل الواقع، ملمة بتعقيدات المشهد، مبصرة لتشابكات الشارع، وبناء على كل ذلك تستطيع أن تضع بصمتها في إسقاط النظرية على الواقع بأنجع ما يكون من وسائل لتحقيق الأهداف المرجوة. 

هكذا، وهكذا فقط، لا تنجح الثورات وتحقق أهدافها وحسب، بل تختزل المسافة الزمنية المطلوبة للوصول إلى تلك الغاية، مما يعني تضحيات أقل وأضراراً أخف وعملية أسرع وأجدى في إعادة صياغة المجتمع والدولة وفق تصورات ورؤية الثورة وما أرادته من تغيير، وإلا كان البديل إما فشل الثورة أو استطالة أمدها مع كل ما يحمل ذلك من تضحيات ومعاناة وخسائر.