القصة الاقتصادية خلف فنجان القهوة

"مشروب أسود كالحبر، مفيد في علاج العديد من الأمراض وخاصة أمراض المعدة، يشربه مستهلكيه في الصباح في فنجان من الخزف. يمرر بينهم فيشرب كلًا منهم كوبًا، وهو يتكون من الماء والفاكهة المأخوذة من شجرة تسمى بشجرة البن". قدم الطبيب الألماني "ليونارد راوولف" هذا الوصف عن القهوة بعد عودته إلى بلاده بعد رحلة دامت عشر سنوات بالقرب من دول الشرق.

فرضت القهوة نفسها على الكثير من الناس لتصبح مشروبهم المفضل، منذ القرن الثامن عشر، لكن قلة هم من يعرفون أن هذا المشروب يعتبر ثاني أكثر السلع تداولًا في العالم بعد النفط الخام، وهذا ما يضعها في نفس الكفة مع منتجات أخرى مثل الزيت والسكر والذرة والذهب.

حيث تعد القهوة من أكثر المشروبات شعبية في مختلف دول العالم العربية والغربية. فمن الطبيعي جدًا أن ترى الناس جالسين في المقاهي لاحتساء القهوة أو حتى المارة في الطرق أو أثناء التنقل إلى أي مكان حتى أصبح هذا المشروب عادة يومية وجزء من ثقافات الكثير من البلدان.

لكن المثير للاهتمام، أن في بداية الأمر تم حظر هذا المشروب في كثير من البلدان مثل مصر وتركيا، وكانت الدول توقع اللوم على القهوة في حال حدوث أي أعمال شغب أو خطابات تحريضية.

موطن القهوة وأفضل أنواعها

يخبرنا التاريخ أن قصة القهوة بدأت في إثيوبيا إلا أن هذه الرواية لم تكن موثوقة إلى حد كبير، ولهذا ترجح المصادر التاريخية الأخرى دولة اليمن كأول مكان تم اكتشاف القهوة فيه ومن ثم انتشاره إلى مصر وتركيا وإيران وأرمينيا وشمالي أفريقيا ومن ثم إيطاليا وباقي الدول الأوروبية وصولًا إلى الأمريكيتين.

ولهذا المشروب الذي يدمن عليه ملايين الناس أنواع عديدة أشهرها "كافيكا روبوستا" و"كافيكا أرابيكا"، ومن أشهر الدول التي تقوم بزراعتها هي أمريكا اللاتينية وأفريقيا وجنوب شرق آسيا. والقهوة التي يطلق عليها اسم "أرابيكا" مصدرها الجمهورية اليمنية التي كانت من أوائل الدول المنتجة والمصدرة لهذا النوع.

ويعتبر هذا النوع من القهوة الأكثر شيوعًا، إذ إن 70% من القهوة في العالم هي من نوع أرابيكا وتعتبر من أكثر الأنواع لذة، أما روبروستا فهي أرخص ثمنًا وتنمو في أفريقيا الوسطى وجنوب آسيا والبرازيل

من يملك الذهب الأسود في العالم؟

بعد أن نالت القهوة شهرة واسعة في العالم وكثر الطلب عليها، ازدادت الطموحات التجارية بين الدول لاستغلال هذه الثروة الجديدة وتوزيعها على جميع الناس في مختلف أنحاء العالم، لتصبح القهوة أكثر السلع استهدافًا في عالم الاقتصاد. علمًا أن العالم يستهلك نصف تريليون فنجان قهوة سنويًا. وفي عام 2015 تم دفع 74.2 مليار دولار على منتجات القهوة. مع الذكر، أن الدول المتقدمة الصناعية تستهلك الكم الأكبر من البن، في حين تنتج الدول النامية 90% من القهوة في العالم.

كما تعتبر مزارع البن الدخل الوحيد لأكثر من 25 مليون شخص في العالم، ويعملون في أكثر من 50 بلد في العالم مثل آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية وأمريكا الوسطى ومنطقة البحر الكاريبي، وأن 67% من البن في العالم يزرع في الأمريكيتين وحدهما.

تكسب صناعة البن العالمية ما يقدر بنحو 60 مليار دولار سنويًا، وأقل من 10% من هذه الأرباح تذهب إلى أيدي مزارعي شجرة البن

ومن ناحية التجارة العالمية، فإن أكبر مستوردي القهوة في العالم هم الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وإيطاليا وفرنسا واليابان وبلجيكا وكندا. ومن أوائل المصدرين لحبوب البن هم برازيل وفيتنام وكولومبيا. حيث تنتج البرازيل أكثر من ثلث إمدادات العالم من البن، أي ثلاثة أضعاف المنتِج الثاني وهي الفيتنام.

صادرات البن وحدها تقدر قيمتها ب 20 مليار دولار وصناعتها أو قيمتها الانتاجية تصل إلى 100 مليار دولار. كما حصلت القهوة الإيطالية "إسبريسو" على 14 مليار من قيمة الإنتاج. وتكسب صناعة البن العالمية ما يقدر بنحو 60 مليار دولار سنويًا، وأقل من 10% من هذه الأرباح تذهب إلى أيدي مزارعي شجرة البن. هذا بحسب صحيفة "بيزنيس انسايدر".

كما يعد فتح محال تجارية لبيع القهوة أو تأسيس مقاهي من أفضل المشاريع الاقتصادية وأسرعها نموًا، إذ يقدر معدل نمو المقاهي السنوي ب 7%. هذا وتعد شركة القهوة العملاقة الأمريكية "ستاربكس" ثالث أكبر سلسلة مطاعم في الولايات المتحدة.

ما علاقة القهوة بتقلص المساحات الخضراء؟

طبقًا للصندوق العالمي للحياة البرية فهناك أكثر من 50 دولة تواجه مشكلة تصحر الغابات وهي نفس الدول المنتجة للقهوة، ومن أجل زيادة الحصاد السنوي استغلت الشركات التقنيات التكنولوجية الحديثة واستخدمت المواد الكيميائية وأزالت الكثير من الغابات، وكانت النتيجة نكهة أخف للقهوة ونقص في المساحات الخضراء وإنتاج أكثر.

ولإظهار تعاون هذه الشركات مع البيئة فأنها تحاول الترويج للقهوة على أنها "مزروعة بالظل" كما في السابق أو "صديقة الطيور" وتباع هذه الأنواع بسعر خاص يختلف عن سعر القهوة العادية.

أكثر الدول العربية استهلاكًا للقهوة

من المتعارف عليه أن شرب القهوة بين العرب هي عادة قديمة تظهر بشكل خاص في المناسبات الدينية وفي الأعياد، كما أن لكل دولة إضافات تجعلها تتميز عن الدول الأخرى، فمثلا في تونس يضاف البندق أو اللوز وفي دول الشام يضاف حب الهال.

أما بالنسبة إلى نسب الاستهلاك، فلقد تصدرت دول الشام القائمة في أكثر الشعوب استهلاكًا للقهوة، فمثلًا يقدر استهلاك الفرد في لبنان 4.8 كيلو في السنة، وفلسطين 3.8 كيلو، والأردن 1.9 كيلو، وسوريا 0.7 كيلو.

والعكس تمامًا في دول المغرب العربي، فمعدل الاستهلاك في المغرب 0.9 كيلو في السنة للفرد الواحد، وتونس 1.1 كيلو، وموريتانيا 0.1 كيلو، أما الجزائر فلقد شكلت ارتفاعًا واضحًا مقارنة مع بقية دول المغرب، التي تفضل الشاي، بنسبة 3.5 كيلو. وكانت مصر هي أقل دولة عربية استهلاكًا للقهوة وهذا بنسبة 0.1 وهذا بحسب موقع "ذا تليغيراف".

وتنتهي هذه القصة التي بدأت من بين تناقضات تاريخية حول موطنها الأول، ولكنها بالختام أكدت على أهمية هذه السلعة للملايين من الناس، إضافة إلى خلقها للعديد من الوظائف بداية من المزارع وحتى الأسواق التجارية والمقاهي.