غالبًا ما نقوم بتجاهل أو عدم الانتباه إلى الحقائق والمعلومات التي لا تتناسب مع أفكارنا ومعتقداتنا

عملت مواقع التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة على تسهيل انتشار وتداول المعلومات والأخبار والآراء بين الأفراد على نطاقٍ واسعٍ وكبير، والتي تكون في كثيرٍ من الأحيان أكثر من أن يستوعبها العقل البشريّ للفرد الواحد، وليس غريبًا إن بات هذا العصر يوصف بعصر المعلوماتية الزائدة، نظرًا لذلك الحجم من المعلومات المتداولة.

ساهم ذلك في تسهيل نشر وتداول وتأليف الأخبار الكاذبة والإشاعات والمنشورات الغريبة والمقالات التي تدّعي صلتها بالعلم وما هي بذلك، فبات يصعب تمييز صحتها وعقلانيتها من عدمه، مما جعل الكثير من أبحاث ودراسات علم النفس الحديثة تبحث في الآلية التي يعمل بها العقل البشريّ في تصديق تلك الأخبار، ونشرها ومشاركتها مع الآخرين.

الواقعية الساذجة: العالم وكل ما يحدث فيه منطقيّ بالنسبة لنا

يُستخدم مصطلح "الواقعية الساذجة" في علم النفس الاجتماعي إشارةً لميلنا الفطريّ للاعتقاد بأنّنا نرى العالم من حولنا موضوعيًا، وأن الأفراد الذين يختلفون معنا هم بالضرورة إما جاهلون أو متحيزون أو غير منطقيين أو لا عقلانيين، وما إلى ذلك من المسميات والأوصاف، وبكلماتٍ أخرى فإننا عندما نسمع أو نرى أو نقرأ ما يتفق مع معتقداتنا فإننا نميل للإيمان به والتحيز له ضد أي فكرة متضادة أو متناقضة.

تلتصق المعلومات المغلوطة التي يتلقاها الأفراد بشتى الطرق سريعًا بأذهانهم وعقولهم حين تكون متوافقة مع اقتناعاتهم السابقة ومعتقداتهم السياسية أو الدينية أو المجتمعية أو الشخصية، ولعل السبب الرئيسي وراء ذلك أن القبول بتلك المعلومات المريحة التي تشبه ما نعتنقه يُعدّ أسهل كثيرًا وأقل كلفةً من رفضها أو بذل الجهد في سبيل البحث لمعرفة الحقيقة المجرّدة المتعلقة بها دون أي انحياز.

يشير علم النفس عبر مصطلح "وهم الحقيقة" إلى إمكانية العقل في تصديق أي شيء لمجرد مروره عليه لمرة واحدة أو مرتين، أي أن تكرار المعلومة يُفضي لجعلها أكثر واقعية ومصداقية

وهذا ما يقودنا للحديث عن السهولة الإدراكية أو المعرفية، أي الحالة التي يكون فيها العقل حينما يشعر أن الأمور تسير على ما يرام، لا تهديدات ولا أحداث تستدعي الانتباه أو تركيز الجهد تجاهها، وهي الحالة التي تكون عليها أدمغتنا في أوقات تصفحنا لمواقع التواصل الاجتماعي.

فنحن لا نبذل الكثير من الجهد لتحليل وقياس والتفكير بما نقرأه وما نجده أمامنا من أخبار ومنشورات على فيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي، وبالتالي تعطينا السهولة المعرفية إحساسًا بأن كل تلك الأشياء حقيقية، كما أنها تولد ألفةً وارتياحًا لدى مستخدم تلك المواقع، وهو ما يجعله يؤمن فيها ويشاركها مع غيره.

وهم الحقيقة: ما يُشارَط أكثر يُصدّق أكثر

أحد الأمور التي تثير القلق حيال السهولة الإدراكية أن العقل قادر على خلقها بسهولة وبأقل جهدٍ ممكن، وجميعنا نعلم أن رأي الشخص يصبح أكثر قوة ويصعب تغييره، في حال تم انتشاره وتداوله على نطاق واسع وبين أكبر عدد من الأشخاص.

يشير علم النفس عبر مصطلح "وهم الحقيقة" إلى إمكانية العقل في تصديق أي شيء لمجرد مروره عليه لمرة واحدة أو مرتين، أي أن تكرار المعلومة يُفضي لجعلها أكثر واقعية ومصداقية.

كثيرًا ما نسمع الشائعات والقيل والقال مباشرة من الأصدقاء الموثوق بهم، أو نقرأها على حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي الذين لا نخضعهم أو نخضع آراءهم ومنشوراتهم للتساؤل والاستجواب، لذلك قد يكون من النادر أن نسأل أنفسنا حيال ما يتناقلونه "هل هذا صحيح؟".

غالبًا ما نقوم بتجاهل أو عدم الانتباه إلى الحقائق والمعلومات التي لا تتناسب مع أفكارنا ومعتقداتنا، نظرًا لأننا نرغب دومًا في أن نكون على حقٍ ونشعر بالراحة لتفكيرنا وشعورنا بنفس الطريقة التي تفكر بها وتشعر "المجموعة" التي ننتمي إليها

نحن نميل لسد فراغاتنا المعرفية

نعجز بشكلٍ فطريّ وطبيعي عن التعامل مع الأمور التي تبدو لنا غير مفهومة أو مُبهمة، لذلك نميل للبحث عن أبسط التفسيرات وقبول أسهل الأجوبة المتعلقة بها، دون بذل الجهد الكبير والمُكلف في تصديقها أو تقليبها في عقولنا وأذهاننا، لذلك نصدق الأخبار الزائفة، أو المقالات الرائجة التي تدعي صلتها بالعلم، أو المنشورات الغريبة.

وربما يفسر ميلنا هذا أسباب انتشار الأخبار الزائفة والشائعات والمنشورات الغريبة التي تتعلق بالأديان والمعتقدات الدينية، والتي تنتشر بشكلٍ واسع جدًا على مواقع التواصل الاجتماعي، فالعقل البشري لا يحتمل الحيرة أبدًا، خاصة إذا تعلق الأمر بمعتقداته الأساسية التي لا يقبل الشك فيها بتاتًا.

نحن نبحث عن الحقائق التي توافق وجهات نظرنا

غالبًا ما نقوم بتجاهل أو عدم الانتباه إلى الحقائق والمعلومات التي لا تتناسب مع أفكارنا ومعتقداتنا، نظرًا لأننا نرغب دومًا في أن نكون على حقٍ ونشعر بالراحة لتفكيرنا وشعورنا بنفس الطريقة التي تفكر بها وتشعر "المجموعة" التي ننتمي إليها.

يُعرف ذلك في علم النفس بمصطلح "الانحياز التأكيدي"، والذي يشير إلى أن أفكارنا ومعتقداتنا تستند غالبًا إلى الإيمان بالمعلومات التي تدعم أفكارنا الموجودة لدينا من قبل، كما أننا نميل إلى تجاهل المعلومات التي تتحدى وتعارض معتقداتنا القائمة.

"الاستدلال المدفوع"، ويشير إلى تحمّسنا عاطفيًا للإيمان بكل ما يؤكد آراءنا وأفكارنا ومعتقداتنا، كما يركّز على دور الدوافع في العمليات المعرفية مثل اتخاذ القرارات وتكوين الآراء وتغيير المواقف

نحن نتعقد أنه عندما تتصادم الحقائق المثبتة مع قناعاتنا المسبقة فإننا غالبًا ما نوفق قناعاتنا عبر إعادة دمج المعلومات والحقائق الجديدة في منظوماتنا المعرفية، غير أن ما يحدث تقريبًا عكس ذلك، فإنه حين يتم طحن قناعاتنا العميقة بحقائق مغايرة فإن قناعاتنا المسبقة في الأغلب ما تكون أقوى وتدفعنا إلى رفض هذه الحقائق.

تعمل مواقع التواصل الاجتماعي على تغذية وتعزيز تحيزاتنا التأكيدية بطرقٍ مختلفة، وهو ما يفسر لماذا يميل الأفراد إلى تصديق الكثير مما يقرؤونه على تلك المواقع، خاصة حسابات المشاهير وما يتعلق بهم، حتى في ظل وجود الحقائق التي تثبت عدم صحة ما يتناقلونه أو هزليته وتفاهته.

فأنتَ حينما تحب أحدًا أو تؤمن بما يحمله من أفكار ومعتقدات وآراء، قد تبقى -ب فعل الانحياز التأكيدي - تعتقد أنه على حقٍّ دومًا، وتتجاهل فكرة تكذيبه أو تهرب منها، نظرًا لأن دماغك يميل إلى حماية ما لديه من إيمان ويقين بما يعتقد أنه "مسلّمات" لا تخضع للنقاش ولا تستحمل إعادة النظر فيها.

يرتبط الانحياز التأكيدي بمصطلح آخر في علم النفس وهو "الاستدلال المدفوع"، ويشير إلى تحمسنا عاطفيًا للإيمان بكل ما يؤكد آراءنا وأفكارنا ومعتقداتنا، كما يركّز على دور الدوافع في العمليات المعرفية مثل اتخاذ القرارات وتكوين الآراء وتغيير المواقف.

فأنتَ حين تحمل فكرةً عن موضوع ما، ستكون متحمسًا جدًا للإيمان بأي خبر أو إشاعة أو حديث يدعم فكرتك تلك، وهذا الحماس يكون بشكلٍ لا واعٍ في كثير من الأحيان، وهو ما يفسر لنا مشاركة الأفراد تلك الأخبار والمنشورات على حساباتهم.