الموريسكيون وراء انتشار زراعة الفلفل في تونس، أما اليهود التونسيون فعرّفوا بالهريسة ونشروها

ساهم الموريسكيون منذ وصولهم إلى تونس، بداية القرن الـ17 في تعميم وانتشار زراعة الفلفل وتكثيف الإنتاج حتى غدت عادة التصقت أساسًا بساكني جهة الوطن القبلي، ولاية نابل شمال شرقي تونس، التي استقروا بها خلال الهجرة الأندلسية، بدورهم كان لليهود التونسيين دور كبير في استغلال الفلفل وإعداد الهريسة وتحويلها إلى عادة غذائية مقترنة بجميع أنواع الوجبات الغذائية، سواء في مدينة نابل وبقية المدن المجاورة، أو في جميع الجهات التونسية ولو بتفاوت كبير.

ولأن الفلفل والهريسة التصقا بالعادات الغذائية لساكني ولاية نابل، ويمثلان تاريخًا كاملًا في تاريخ هذه المنطقة، شمال شرقي تونس، فقد عمل هؤلاء على تثمين هذه المادة المهمة في حياتهم وذلك من خلال تنظيم عيد سنوي  للفلفل والهريسة يسجل حضور أعداد غفيرة من المتسوقين بالبيع والشراء، أو المتذوقين لمختلف أصناف المأكولات التي تمثل الهريسة أحد مكوناتها الأساسية.

المرزوقي: "الموريسكيون وراء انتشار زراعة الفلفل في تونس، أما اليهود التونسيون فعرفوا بالهريسة ونشروها"

الهجرة الأندلسية والهريسة

سقطت غرناطة (897هـ/1492)، فهاجر الأندلسيون إلى بلاد المغرب، ومنها تونس، هربًا من التنصير، ورحلت السفن الإسبانية أكثر من 80 ألف مهاجر وصلوا على دفعات متتالية، من بينهم التجار والفلاحون والصناعيون.

واستقر الموريسكيون في البلاد التونسية في عدة مناطق، ومنها شمال شرقي تونس، فطوّر الفلاحون وسائل الري وأقاموا السدود والقنوات وحفروا الآبار، فانتشرت البساتين والأشجار المثمرة والبقول والخضراوات وغيرها، ومن بينها زراعة الفلفل التي انتشرت في بعض الجهات وخاصة نابل والقيروان وسيدي بوزيد.

وأوضح الباحث أنور المرزوقي، في مداخلة بخصوص "الجذور التاريخية للفلفل من خلال كتب الرحلة"، أن البحوث التي أنجزها أكدت له أن الفلفل ينحدر أساسًا من الشرق الأقصى، وخاصة الهند والصين، مشيرًا إلى أنه استُعمل كمادة مهمة في التعامل التجاري والتبادل مع العديد من البلدان الأخرى خلال العصر الوسيط. وأشار المرزوقي إلى أن الفلفل مادة غذائية مهمة، كانت تنتشر بين عائلات الطبقة البورجوازية لا لشيء إلا لارتفاع أسعارها.

وشدد الدكتور المرزوقي على أن زراعة الفلفل دخلت تونس بعد وصول الأندلسيين إلى تونس بداية القرن الـ17، وساهم العرب الأندلسيون في نشر هذه الزراعة في المدن التي أقاموا بها أو التي بنوها كسليمان وتستور وطبربة وبنزرت.

أما عن الهريسة التي يتم تجفيفها تحت أشعة الشمس الحارة، ثم رحيها وعجنها وخلطها بالثوم وبعض التوابل الأخرى، فقد كان لليهود التونسيين دور كبير في التعريف بها ونشرها وتحويلها إلى مادة أساسية في العديد من الوجبات الغذائية.

من جانبها دعت سلمى اللومي وزيرة السياحة التونسية، خلال افتتاحها فعاليات عيد الهريسة والفلفل بمدينة نابل، إلى العمل على تسجيل مادة الهريسة وتثبيت تسميتها النابلية (نابل) والتونسية في التراث اللامادي، خاصة بعد وصول شهرة الهريسة التونسية إلى العديد من بقاع العالم.".

نابل عاصمة عالمية للفلفل

ولأن الهريسة مادة أساسية في مكونات الوجبات الغذائية في مدينة نابل، فقد دأب الأهالي على تخزين كميات مهمة منها على مدار العام، وهو ما يعرف بـ"العولة"، أي إعداد مكونات غذائية مختلفة في موسمها وتخزينها لتبقى صالحة لفترة طويلة وتُستهلك يوميًا، وهو ما تمت الدعوة له حتى تُطور "الهريسة العربي" التي تُعد من طرف ربات البيوت بطريقة تقليدية تتناسب مع أهميتها وتراث المنطقة وخصوصية استهلاكها في هذه الجهات التونسية المختلفة.

وبشأن إعداد "العولة" من الهريسة لدى ربة البيت "النابلية" (نسبة إلى مدينة نابل)، فقد أكدت العارضة منى أن "النابلية" تقوم خلال شهري يوليو وأغسطس، بجمع أو شراء كميات من الفلفل تعمل على تجفيفها، وفي مرحلة ثانية تقوم برحي الفلفل الأحمر الجاف وتضيف له مجموعة من التوابل لتفويحها حتى تمنحها مذاقًا خاصًا، وهو ما جعل الهريسة مادة أساسية ضمن العادات الغذائية للتونسي.

الهريسة

وأضافت منى لـ"نون بوست" أن العديد من السياح، وخاصة من الجزائريين والليبيين، يقبلون على التزود بكميات كبيرة من "الهريسة العربي" التقليدية وكذلك "السلطة المشوية" و"الفلفل الأخضر المسير"، ذات الطعم الرائع والمذاق الذي يمنحك شهية الأكل بشراهة.

34 صنفًا من الفلفل

إلى جانب استغلال الفلفل في حالته الأولى، أخضر، يوميًا، يُحول الفلفل الأحمر بعد تجفيفه إلى هريسة، ليس في ولاية نابل بمختلف مدنها، بل تشتهر القيروان وسيدي بوزيد بإنتاج الفلفل وتسويقه في مختلف الأسواق التونسية، ضمن إنتاج يبلغ أكثر من 500 ألف طن.

تنتشر زراعة الفلفل في تونس من جنوبها إلى شمالها، وتمتد المساحات المخصصة لزراعة الفلفل، ضمن الخضراوات، على نحو 20 ألف هكتار

ويتوفر 34 صنفًا ضمن القائمة الرسمية للفلفل، أشهره "البقلوطي" و"البلدي"، ولا يقتصر الفلفل على مذاقه الحار، ولكن يوجد نوع آخر من الفلفل الحلو، أما عن ألوانه فيتوفر باللون الأخضر والأصفر والبرتقالي والأحمر.

ومن بين الأطباق الشعبية المعروفة، لا في نابل فحسب، بل في جميع المناطق التونسية، والتي تمثل الهريسة جزءًا مهمًا ضمن مكوناتها، ومنها "الكسكسي" و"اللبلابي" و"التسطيرة" و"الكفتاجي" و"العجة التونسية" و"السلطة المشوية".

وتنتشر زراعة الفلفل في تونس من جنوبها إلى شمالها، وتمتد المساحات المخصصة لزراعة الفلفل، ضمن الخضراوات، على نحو 20 ألف هكتار، تنتج سنويًا أكثر من 500 ألف طن، ورغم وفرة المنتج فقد ارتفع سعر الكيلوجرام الواحد في هذه الأيام إلى 1.3 دولار، وتطورت الصادرات التونسية من الفلفل في السنوات الأخيرة لتبلغ 471 طنًا في العام 2014 إلى ليبيا ودول الخليج وفرنسا.