اختار الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو تركيا لتكون أول وجهة خارجية له فور توليه رئاسة البلاد

يرتبط اسم الصومال ذهنيًا بالبلد الفاشل الذي تكثر فيه الصراعات والحروب وأعمال العنف، طغت هذه الصورة على الإيجابيات التي تتميز بها جمهورية الصومال ومن بينها امتلاكها أطول حدود بحرية في قارة إفريقيا، ويُعد الصومال البوابة الجنوبية للجزيرة العربية.

علاقات تاريخية قديمة بين تركيا والصومال

العلاقات التركية الصومالية ليست حديثة، بل موجودة منذ أيام الدولة العثمانية، فالأخيرة ساندت ثورة "الدراويش" التي قادها محمد عبد الله حسن بين عامي 1899- 1920 في محاولة منه لتحرير بلاده من قبضة الاستعمار البريطاني الإيطالي، وشهدت العلاقات التركية الصومالية طفرة حقيقية بعد تولي رجب طيب أردوغان رئاسة الوزراء، إذ أولت حكومته اهتمامًا كبيرًا بمنطقة القرن الإفريقي خصوصًا الصومال التي وصلها عام 2011 في زيارة اعتبرت تاريخية لأن مقديشو كانت تعيش عزلة دولية منذ عام 1991، إثر اندلاع الحرب الأهلية والتي أفضت إلى انفصال الجزء الشمالي إلى دولة مستقلة "أرض الصومال" وهي دولة غير معترف بها عالميًا.

تُعد السفارة التركية في الصومال أكبر بعثة دبلوماسية تركية في الخارج في جميع أنحاء

زيارة أردوغان التاريخية

ورغم الأوضاع المأساوية والأمنية السيئة في الصومال آنذاك (أغسطس/آب 2011)، رفض أردوغان إلغاء رحلته وصمم أن يكسر حاجز الخوف مصطحبًا معه كبار المسؤولين الأتراك وأفراد أسرهم، فضلًا عن جيش كامل من الأطقم الطبية والهندسية.

وصُدم عند وصوله من حجم المعاناة التي خلفتها آثار المجاعة التي ضربت جمهورية الصومال عقب موجة جفاف لم تشهدها البلاد منذ ثمانينيات القرن الماضي، لذلك أمر الرئيس أردوغان بتسخير طاقات تركيا لمساعدة الشعب الصومالي، فأرسلت الحكومة المزيد من الأطقم الطبية والتعليمية والهندسية والعسكرية، وتكفّل بتعليم الآلاف من الطلبة وبناء المدارس والمستشفيات والمطارات والمواني، ولم يكتف بهذا بل درَّب الجيش والشرطة، وأمر بإصلاح الشوارع والمقرات الحكومية.

بالإضافة إلى ذلك، لا تمتلك سوى ثلاثة بلدان فقط سفارات لها في الداخل الصومالي، وهي تركيا وقطر وكينيا، حيث اقتصرت البلدان الأخرى على افتتاح سفاراتها  ضمن نطاق مطار مقديشو، وبجانب ذلك، تُعد السفارة التركية في الصومال أكبر بعثة دبلوماسية تركية في الخارج في جميع أنحاء العالم.

أكبر سفارة تركية

تكررت زيارات أردوغان إلى الصومال حيث زارها للمرة الثالثة في يونيو/حزيران 2016، وهي الزيارة التي افتتح فيها السفارة التركية المشار إليها أعلاه، وتعني تركيا الكثير بالنسبة للصوماليين، فهي التي بسطت لهم يد العون والمساعدة كما أن العديد من المنشآت الخدمية والطرق تم بناؤها بتمويل وتنفيذ تركي، فضلًا عن أن أنقرة تخطط حاليًا لبناء ميناء على ساحل الصومال المطل على المحيط الهندي ومبنى للبرلمان على الساحل ذاته، والأهم من ذلك أن الخطوط الجوية التركية كانت من أوائل شركات الطيران التي ربطت الصومال بالعالم، فقد دشنت الخطوط التركية رحلاتها من وإلى مقديشو منذ العام 2012.

أدى افتتاح تركيا قاعدتها في الصومال إلى انزعاج الدول الخليجية التي توترت علاقاتها مع أنقرة مؤخرًا عقب اندلاع الأزمة الخليجية

في المقابل، اختار الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو، تركيا لتكون أول وجهة خارجية له فور توليه رئاسة البلاد، حيث استمرت زيارته لأنقرة أبريل/ نيسان الماضي، 3 أيام، واستقبله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمراسم رسمية، وذكرت وكالة الأناضول التركية أن اللقاءات بين الرئيسين ناقشت العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية والدولية.

افتتاح القاعدة العسكرية التركية في الصومال نقلة نوعية

أما الحدث الضخم الذي لفت انتباه العالم أخيرًا، فهو افتتاح القاعدة العسكرية التركية في الصومال الشهر الماضي لتكون أكبر قاعدة من نوعها كما ذكر رئيس هيئة الأركان العامة للجيش التركي خلوصي أكار، وأكدت تلك الخطوة أن الدور التركي المتنامي في الصومال منذ سنوات، اتخذ هذه المرة بعدًا آخر ونقلة نوعية بافتتاح المعسكر التدريبي الكبير، مما يدلل أن أنقرة تنظر إلى علاقاتها مع مقديشو باعتبارها علاقات استراتيجية.

أدى افتتاح تركيا قاعدتها في الصومال إلى انزعاج الدول الخليجية التي توترت علاقاتها مع أنقرة مؤخرًا عقب اندلاع الأزمة الخليجية، حيث اعتبر المحلل السعودي المقرب من السلطات، إبراهيم آل مرعي، أن افتتاح المركز العسكري في الصومال يمثل تهديدًا صريحًا للأمن الوطني السعودي والمصري وكذلك للسودان واليمن.

علاقات تركيا قوية ليس مع الصومال فحسب، بل حتى مع جيرانه خصوصًا إثيوبيا وكينيا وأوغندا، أما السودان فعلاقاته مع تركيا متميزة وراسخة في كل المجالات الاقتصادية والعسكرية وغيرهما

انزعاج دول خليحية من افتتاح القاعدة التركية

آل مرعي، وهو محلل سياسي وعسكري وأمني، يكتب في صحيفة الرياض شبه الرسمية، اعتبر في سلسلة تغريدات نشرها عبر حسابه الرسمي على تويتر، أنه قبل هذه الخطوة العسكرية، وظّفت تركيا قوتها الناعمة وإرثها التاريخي في مقديشو بشكل مبهر، حيث مهّدت لوجودها قبل إنشاء القاعدة بـ14 عامًا، على حد وصفه.

هل تسعى تركيا لافتتاح قواعد أخرى في المنطقة؟

ربما فات على آل مرعي أن علاقات تركيا قوية ليس مع الصومال فحسب، بل حتى مع جيرانه خصوصًا إثيوبيا وكينيا وأوغندا، أما السودان فعلاقاته مع تركيا متميزة وراسخة في كل المجالات الاقتصادية والعسكرية وغيرهما، حيث يخطط وزير الدفاع التركي نور الدين جانيكلي إلى زيارة الخرطوم في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل ويُنتظر أن يبحث في زيارته التعاون العسكري بين تركيا والسودان، وربما يبحث الطرفان إمكانية قيام قاعدة تركية في أرض النيلين، ليس هذا الأمر ببعيد إذ سبق أن وقع وزيرا الدفاع في البلدين اتفاقيات تعاون عسكري في مايو/أيار الماضي.

ومن وجهة النظر الصومالية، علّق الكاتب حسن محمود قرني بقوله: "بعض الدول العربية أبدت امتعاضها من افتتاح القاعدة العسكرية التركية في الصومال متذرعة أنه يجب حفاظ الصومال في إطار السياسة والمساعدات المالية إضافة إلى دغدغة المشاعر والعزف على الوتر الحساس (الدين)، والحقيقة أن الأتراك بنوا قواعد من المشاعر الصادقة والمحبة الصافية في قلوب الصوماليين في طول البلاد وعرضه".

الخطوات التركية التي نشهدها اليوم في القرن الإفريقي والصومال تحديدًا، محسوبة وبدقة، فهي نتيجة طبيعية وخلاصة لاستراتيجية وضعتها حكومة أنقرة منذ العام 1998

من يقف وراء تفجير الصومال المأساوي؟

نتيجة لتلك المواقف الإقليمية في ظل الأوضاع الملتهبة التي تشهدها المنطقة أشارت تحليلات مراقبين لاحتمالات تورط "جهات غير معتادة" في التفجير المأساوي الضخم الذي شهدته العاصمة الصومالية مقديشو مطلع أكتوبر/تشرين الأول الحاليّ والذي خلّف عددًا كبيرًا من الخسائر المادية والبشرية.

ربطت تلك التحليلات بين ما جرى والتقدم الذي يحرزه الرئيس محمد عبد الله فرماجو الذي وصل للحكم على غير ما تشتهي عواصم مجاورة، فضلًا عن علاقات حكومته المتوترة مع حكومات الأقاليم الفدرالية الخمسة التي تتلقى دعمًا عسكريًا وماديًا كبيرًا من دول إقليمية، إلى جانب موقف الحكومة الصومالية المحايد في الأزمة الخليجية، وعلاقات مقديشو المزدهرة مع أنقرة والتي توجت بالقاعدة العسكرية.

خطوات تركيا في الصومال محسوبة بدقة

الخطوات التركية التي نشهدها اليوم في القرن الإفريقي والصومال تحديدًا، محسوبة وبدقة، فهي نتيجة طبيعية وخلاصة لاستراتيجية وضعتها حكومة أنقرة منذ العام 1998، حيث أصدرت تركيا خطة عمل للانفتاح والتوجه نحو إفريقيا، بعدها أقرت تسمية العام 2005 بأنه "عام تركيا في إفريقيا"، وهو العام الذي مُنحت فيه تركيا صفة "مراقب" في الاتحاد الإفريقي بدعمٍ كبير من دولة المقر "إثيوبيا" والدول المجاورة لها السودان وكينيا وأوغندا إلى جانب جنوب إفريقيا والسنغال.

أهداف الوجود التركي في الصومال وإفريقيا

نرى أن الوجود التركي المتعمق في الصومال أسهم بقدر وافر في إحداث نقلة ملحوظة في البلد الذي ما زال يفتقر للاستثمارات والبنية التحتية لتقوية اقتصاده، كما أن تقديم تركيا ملايين الدولارات مساعدات إنسانية للصومال منذ العام 2011 خلق رأيًا عامًا إيجابيًا لدى العقل الجمعي هناك، ولذلك أصبحت لتركيا منزلة وشأن في قلوب الصوماليين بشكل خاص.

ونرى أيضًا أن الوجود التركي في الصومال والقرن الإفريقي عامة، يعمل على تقليص النفوذ والتأثير المصري في القارة الإفريقية بسبب الخلاف الأيدولوجي والسياسي مع النظام الحاليّ في مصر، مع أن دور القاهرة تراجع أصلًا في إفريقيا نتيجة انشغال مصر بملفاتها ومشاكلها الخاصة، كما أن تركيا تسعى إلى تسويق صناعاتها العسكرية ومنتجاتها الغذائية والصناعية في القارة الإفريقية التي تشكل سوقًا ما زال مجهولًا وغير مكتشف للدول الكبرى.