الحرب الكورية التي اندلعت 1950، كأول حرب عسكرية خلال حقبة الحرب الباردة، انتهت نظريًا 1953، إلا أنها فعليًا يبدو أنها لا تزال مستمرة

ربما لم يعد يخفى على متابع لتطورات الساحة الدولية أن النظام الدولي، بغالبية أركانه، أضحى يتابع وبشدة مُجريات الأزمة الكورية ذات الصبغة النووية، وما يزيد الاهتمام العالمي بهذه الأزمة هو تعلق نتائجها، سواء أكانت إيجابية أم سلبية، بمصالح عدد من الدول العظمى كالولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا، ودول إقليمية كاليابان والكوريتين الجنوبية والشمالية.

وقد وصلت حدة مشاحنات الأزمة بين قطبيها الأساسيين، الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، إلى درجة التصريحات المستعرة التي شملت تهديد الطرفين لبعضهما باستهداف المنشآت العسكرية الاستراتيجية التابعة لهما في المحيط الهادئ والمناطق القريبة منه، بل وشن حرب نووية ملتهبة "بالنار والغضب"، وتزيد جدية هذه التهديدات في ظل وقوع أراضي البلدين في نطاق طول مدى الصواريخ التي يمتلكانها، فالمسافة بين جزيرة غوام الأمريكية وكوريا الشمالية 2112 ميلاً، وتبعد هاواي عن كوريا الشمالية مسافة 4700 ميل، أما الحدود الأمريكية البرية فتبعد عن كوريا الشمالية بمقدار 3775 ميلاً.

على الرغم من انتهاء الحرب الباردة وفقًا لمسارات التاريخ عام 1991، فإن الأزمة الكورية لا تزال تُعد أحد أهم المؤشرات الملموسة عن استمرار صيرورتها، فالحرب الكورية التي اندلعت عام 1950، كأول حرب عسكرية خلال حقبة الحرب الباردة، انتهت نظريًا عام 1953، إلا أنها فعليًا يبدو أنها لا تزال مستمرة، لا سيما أن الكوريتين لا تزالا غير متوافقتين، وأطراف الأزمة، الولايات المتحدة والصين وروسيا ـ خليفة الاتحاد السوفييتي ـ لا يزالوا في نزاع بشأن تقاسم النفوذ الأمني والتجاري في تلك المنطقة بشكل خاص، وفي الساحة الدولية بشكل عام، وفي ضوء ذلك، ما المآلات المُحتملة للأزمة؟ ومن الرابح والخاسر فيها؟

أيدت إدارة أوباما، ومن ثم إدارة ترامب، مطالبة الدول المشاطئة لبحر الصين الجنوبي بضرورة تخفيف الصين نفوذها في محيط البحر الثري بالغاز الطبيعي

تُبلغنا الصورة أن الرابح الأول من هذه الأزمة هو الصين، اتسمت الملامح الأولى لإدارة ترامب، قبل وبعد توليها مقاليد الحكم، بالعقلانية الاقتصادية التي تجسدت في السعي للحفاظ على النفوذ التجاري والتمويلي الاقتصادي للولايات المتحدة، والذي يعد الأكبر حول العالم، والذي تعرض لتهديد المشروع الصيني المعروف باسم "حزام واحد ـ طريق واحد" الذي يرمي إلى إعادة إحياء طريق الحرير التاريخية وإيجاد طرق تجارية جديدة تتجاوز السيطرة الأمريكية على المنافذ والطرق التجارية، لا سيما المضايق البحرية، كمضيق ملقا الذي تمر منه معظم السلع الصينية.

بخطابات ترامب النارية المُهددة لكل من يحاول كسر "القوة العُظمى" للولايات المتحدة، اتجهت الأنظار صوب المشروع الصيني الذي ظُن أنه بات في مهب الريح، لا سيما في ظل وجود تركيز أمريكي عسكري وسياسي كبير انتقل إلى بحر الصين الجنوبي إبان إدارة أوباما، واستمر إبان إدارة ترامب التي لا تزال تتخذ من سياسات إدارة أوباما دليل عمل بالنسبة لها، حيث لم تستطع حتى الآن إيجاد استراتيجية خاصة بها.

لقد أيدت إدارة أوباما، ومن ثم إدارة ترامب، مطالبة الدول المشاطئة لبحر الصين الجنوبي بضرورة تخفيف الصين نفوذها في محيط البحر الثري بالغاز الطبيعي، لكن باستعار الأزمة الكورية التي باتت تهدد أمن الولايات المتحدة ونفوذها في المناطق القريبة من الصين، تنفست الأخيرة الصعداء، نتيجة تغير أجندة الولايات المتحدة السياسية وتمحورها بشكل أساسي حول هذه الأزمة، كبديل لصب تركيزها على أزمة بحر الصين الجنوبي.

فبذلك، حازت الصين على فرصة ترغم الولايات المتحدة للتعاون معها كقوة يمكن لها إقناع كوريا الشمالية بتخفيف وتيرة تجاربها، وظفرت أيضًا ببحبوحة من الوقت تمكنت خلالها من إعادة ترتيب أوراقها مع الدول المشاطئة للبحر الجنوبي، بما يمنحها إمكانية لإقناعهم بضرورة الوصول إلى تسوية ضمن مفاوضات ثنائية، بعيدة عن التدويل أو الأقلمة للقضية، ولعل موافقة رابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان" في 6 من أغسطس/آب 2017 على شروط الصين يمثل دليلًا ملموسًا على ترجيح كفة ميزان الأزمة لصالحها.

في ظل الاعتقاد بفشل سياسة الردع الأمريكية ضد كوريا الشمالية، تصبح اليابان وكوريا الجنوبية حاجزتين لمقعدهما في فئة الدول الخاسرة في أتون هذه الأزمة

وتأتي روسيا بعد الصين في مصاف الدول الرابحة من الأزمة، ففي ضوء محاولتها لاستعادة دورها الدبلوماسي في الساحة الدولية تبحث دومًا عن ميدان جديد لمنافسة الولايات المتحدة، بما يكسبها أوراقًا جديدة تساوم عليها الولايات المتحدة، وفي صدد الأزمة الأخيرة فُتحت لها الأبواب الكورية الشمالية على مصراعيها لرفع مستوى التعاون التجاري في عدة قطاعات، وبالأخص قطاع الغاز الطبيعي الذي يبحث عن أسواق استهلاكية له، تُنوع من خلالها الدول المستوردة، فضلًا عن فرصة رفع مستوى التعاون العسكري مع كوريا الشمالية في قطاع بناء مفاعلات نووية ومجالات عسكرية أخرى ترفع من رصيدها كدولة قطبية عالمية.

وبالانتقال إلى فئة الخاسرين، يبدو أن الولايات المتحدة تتبوأ قيادة هذه الفئة، ومرد ذلك عدم قدرتها على ردع كوريا الشمالية عسكريًا أو سياسيًا أو إعلاميًا نتيجة الاعتراض الروسي والصيني على أي إجراء عدواني أو دبلوماسي تسعى لاتخاذه، وهذا ما يؤثر في تراجع تأثيرها وهيبتها العالميتين لصالح غيرها من الأقطاب.

وإن تمكنت من ردع كوريا الشمالية بتهديدها بحرب نووية، فإن اليابان وكوريا الجنوبية لن تقبلا بذلك، لأنهما الخاسر الأكبر من هذا الردع الذي يعتمد على "الحل الصفري" الذي يعني تهديد أو استهداف الولايات المتحدة لكوريا الشمالية بالصواريخ النووية، والذي يبدو صعب التنفيذ في الوقت الحالي لامتلاك كوريا الشمالية أسلحة دمار شامل قادرة على صد هذه الهجمات وتغيير المعادلة لصالحها وضد مصالح اليابان وكوريا الجنوبية.

في قاموس العلاقات الدولية يُعرف الردع على أنه محاولة طرف ما ثني طرف آخر عن الإتيان بفعل يرى الطرف الأول أنه ضار به، أو يجده ضروريًا لمنع الطرف الآخر من التفكير بالقيام بسلوك يمكن أن يشكل تهديدًا لمصالحه أو أهدافه أو موقعه أو مكانته، وتُشكل عقلانية نظام الطرفين المتناحرين المرتكز الأساسي على نجاح استراتيجية الردع، لكن نظام كوريا الشمالية الحاليّ لا يتمتع بالعقلانية المطلوبة لنجاح هذه السياسة، عوضًا عن تخوف اليابان وكوريا الجنوبية من مردود رفع الولايات المتحدة سياستها الردعية كما سلف ذكره.

يُبيّن تصريح وزير الخارجية الأمريكي، ريكس تيلرسون، بأن بلاده ستواظب على استخدام الوسائل الدبلوماسية مع كوريا الشمالية حتى سقوط أول قنبلة من طرفها، أن المعادلة تصب في صالح كوريا الشمالية وروسيا والصين

في ظل الاعتقاد بفشل سياسة الردع الأمريكية ضد كوريا الشمالية، تصبح اليابان وكوريا الجنوبية حاجزتين لمقعدهما في فئة الدول الخاسرة في أتون هذه الأزمة، تتجلى خسارة هاتين الدولتين في التهديدات العسكرية المتنامية للأزمة والتي قد تتسبب في حصر عمل خلايا الأزمة الفاعلة في مؤسساتها تجاه هذه القضية، وتؤدي دورًا في عدم استقرار سوقهما الذي يعتبر سوق عمل يعتمد على التبادل التجاري وتبادل البورصة للعملة، ويحتاج إلى استقرار أمني وسياسي، ناهيك عن التخوف الشعبي من وقع الأزمة.

وتكاد عدمية نجاعة سياسة الردع، إلى جانب انخفاض الفائدة الاقتصادية في سوق البلدين، يشكلان عاملين يدفعان كوريا الجنوبية لتخفيف حدة التوتر وتأسيس معادلة توازن قوى تكفل لها صد أي خطر كوري شمالي مُتوقع، وقد يكون هذا السيناريو ورديًا، لكن إذا حققت روسيا والصين تقاربًا مع كوريا الشمالية قد تتجه الأخيرة لتهدئة الوضع بعض الشيء.

وقد تندفع كوريا الجنوبية بالتنسيق مع روسيا والصين كضامنين للمفاوضات، للتفاوض مع نظام كوريا الشمالية على نحو سياسة "الشمس المشرقة" التي اتبعتها عام 1998، من أجل تحقيق السلام والتوافق مع كوريا الشمالية، أما اليابان فقد تكتفي بتأسيس معادلة توازن قوى، نظرًا لوجود فيض من ملفات التوتر بينها وبين الصين من جهة، وبينها وبين كوريا الشمالية من جهة أخرى.

وربما تكون بعض الدول، كدول رابطة "آسيان"، كما هو موضح أعلاه، من الدول الخاسرة، ولا شك أن الدول التي ترتبط بكوريا الشمالية عبر اتفاقيات عسكرية ستكون من الدول الخاسرة، نتيجة ارتباط مصالحها بالولايات المتحدة، وربما تجميد الولايات المتحدة جزءًا من المساعدات المقدمة لمصر يُجسد أبرز الأمثلة على تضرر الدول غير الإقليمية المرتبطة حساباتها بحسابات الولايات المتحدة.

في المحصلة، يُبين تصريح وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، بأن بلاده ستواظب على استخدام الوسائل الدبلوماسية مع كوريا الشمالية حتى سقوط أول قنبلة من طرفها، أن المعادلة تصب في صالح كوريا الشمالية وروسيا والصين، وقد تأخذ هذه المعادلة بكوريا الشمالية إلى ملعب المفاوضات المماثلة لتلك التي حدثت بين إيران والدول الغربية، وربما يتم ذلك في عهد الإدارة الأمريكية الحالية أو إدارة مشابهة لتوجهات إدارة أوباما، أو قد تصعد الولايات المتحدة إجراءاتها وفقًا لنظرية الواقعية الأمنية غير المعتبرة لمصالح اليابان وكوريا الجنوبية والضرر الذي قد يلحق بمواطنيهما، أو قد تلعب سياسة الردع دورًا بحيث تبقى الأمور على حالها من دون جديد، أي استمرارًا لذات السيناريو الذي تدور في فلكه الأزمة منذ نشأتها.