في مقال الاستقلال الحقيقي هو الاستقلال النفسي، ذكرت أن قيمة المرأة الحقيقية ليس منبعها أن تتكافئ ماديًا مع الرجل، فالمرأة المعيلة في الطبقات الفقيرة مرأة مهضومة و قوائم أثرياء العالم لا تتساوى فيها المرأة مع الرجل من حيث العدد، فإن إرادت العمل فلتعمل ولكن لا يكون مقصد العمل التكافئ المادي مع الرجل.فالاستقلال الحقيقي و  ينبع من داخلها هي و من إحساسها بذاتها و أنها إنسان نوعه مؤنث و ليست مجرد أنثى و ما يجعل الاستقلال منقوصًا هو خلل في التربية.  

و لكن كيف تؤثر تربيتنا على الفتيات سلبًا ؟؟

يقول سيفين آر كوفي  في كتابه "العادات السبع " أن المرء يمر في عصرنا الحديث بعدة مراحل لينضج ( الاعتمادية - الاستقلال - التشارك ) إن تم التعامل مع  كل مرحلة  جيدًا أوصلتنا للمرحلة التي تليها بسلام و كفاءة.

المرحلة الأولى و هي الاعتمادية، تكون في الطفولة و فيها لا يكون للطفل أي رؤية أو شخصية و لكنه يكون معتمدًا في كل مناحي الحياة على والديه، بمرور الوقت يقل الاعتماد و يبدأ بالاستقلال الجزئي إلى أن يدخل في المرحلة التي تليها و يريد فيها أن يؤكد وجوده في الحياة و يحاول أن يستكشف الكون و تكوين رؤية خاصة به. تأتي المرحلة الثانية و هي مرحلة الاستقلال، تكون غالبًا في مرحلة المرهقة و بدء دخول الجامعة، يبدأ المرء في تكوين أفكاره و معتقداته و إكتشاف نفسه بطريقة جديدة بعيدة عن أهله.

 من المهم اعطاء مساحة من الحرية ليتحرك المرء فيها حتي يستطيع تحمل مسؤوليته الفردية. في البيئات الصحية يتشارك الأقران في أنشطة جامعية كثيرة، تجعله يشعر أن العمل الجماعي ضرورة حياتيه فلن يستطيع المرء تمضية بقية عمره لا يكترث لأحد إلا نفسه و رغباتها و فقط ( ينمو الوازع الديني في تلك المرحلة، إن تم غرس بذرته في الصغر و يضمن كثيرًا من عدم الزلل فيما بعد ) ثم تأتي المرحلة النهائية و هي نضج الفرد و رغبته في أن يتشارك طواعية في بناء بيت و الشغل. مهم أن يمر المرء بالمرحلة السابقة ليتمكن من معرفة  ذاته و سماته و ماذا يناسبه و ماذا لا يناسبه و مواطن ضعفه و قوته و كيف يكون حاسمًا في إتخاذ القرارات بدلًا من أن يأخذها آخرين عنه و كيف يتحمل تبعات قراراته.  

هذا هو المفترض أن يحدث. و لكن  ما يحدث في الحقيقة للأسف يكون مختلفًا كثيرًا عن ذلك و لذا تترتب عليه مشكلات كثيرة أساسها عدم شعور الفتاة بإستقلالها و تكون مهزوزة نفسيًا.

الجميع يمر بمرحلة الطفولة. و لكن للأسف هناك من يبقون فيها نفسيًا حتى مع تقدمهم في العمر. فيكون الأبوين هما المسؤولَان دائمًا عن كل قرارات الأبناء الأساسية. 

 على سبيل المثال لا يدور نقاش حول الكلية التي تريدها الفتاة بل  يتم إجبارها على ما لا تريد و ما لا يناسبها بدعوى بر الوالدين !!! هذا عبث. فهو يحطم الاستقلال بالقرار الشخصي و يجعل المرء لا يجرب الاختيار حتي يكون قويًا في تحمل تبعات القرار. الأفضل و الأصح نفسيًا هو الاقناع بشتى الطرق. و إن لم يفلح الأمر فلنترك الفتاة تتحمل نتيجة قرارتها.

الفتيات المنخرطات في أنشطة طلابية أو أعمال خيرية أكثر صحة نفسيًا و أكثر إستقلالًا من الفتيات اللاتي لا يمارسن هذا النوع من الانشطة الطواعية و التي يتحمل فيها المرء مسؤولية و قرار و يكتسب خبرة التعامل مع الناس.

عظيم جدًا، و لكن هل هذا هو نهاية المطاف ؟؟ 

كما تسقط بعض الفتيات في مرحلة الاعتمادية و الطفولة و تبقي فيها ولا تتمكن من اتخاذ قرارات بنفسها، تسقط ايضًا بعض الفتيات للاسف في مرحلة الاستقلالية. ولا يدركن أنه تلك المرحلة تؤهل المرء للمرحلة التي تليها و هي المرحلة التشاركية. 

هذه نقطة غاية في الأهمية و لا يُتنبه إليها. الزواج ليس في حد ذاته إستقلالًا و لكنه تتويج لمرحلة الاستقلال. هي مرحلة يمكننا أن نسميها مجازًا ما بعد الاستقلال. أرثى كثيرًا لحال بعض الفتيات اللاتي يضيعن أجمل فترة في عمرهن في إنتظار الزواج - واهمات أنه إستقلالًا - فلا يحققن الاستقلال النفسي الحقيقي اللازم للمرحلة التي تليها، و يفاجئن بتبعات المرحلة الجديدة التي لم يتحسبن لها. 

ما يدفع الفتاة للتفكير بتلك الطريقة قد يكون أنها و للأسف تعيش في كنف أسرة لا تراعيها نفسيًا ولا تعطيها الاهتمام اللازم و التقدير. فتظن أنها إن أحبت و تزوجت ستجد مهربًا من تلك الحياة القاحلة الخالية من التقدير التي تعيشها. هذا يحمل بعض الوجاهة، و لكن قد تفاجئ الفتاة بأنها تتزوج بزوج سئ و لا يراعي الله فيها، أو قد يكون جيد و لكنهما غير مناسبين لبعضهما البعض، لأن كل همها هو الهروب و فقط فتنتقل من جحيم اباها الي جحيم الزوج.  و قد يكرمها الله بزوج صالح يعوضها عما لاقت من عدم تقدير و حرمان، لكن في كل الأحوال لا يكون الزواج هو الاستقلال المنشود، قد تصدم الفتاة و قد لا تصدم و لكن في النهاية لا يتحقق ما تريد لأنها بالأساس لم تدرك تبعات المرحلة الجديدة. 

إذن، كما أسلفنا فمرحلة الزواج هي تتويج لمرحلة الاستقلال، يدخل فيها المرء و هو مكتمل نفسيًا و يشعر أنه لن يتمكن من إكمال حياته بمفرده بل لابد من أن يرعى أسرة و يواكب هذا التشارك نوع من التنازل الجزئي الطوعي عن الحرية. 

فإلى أي مدي لابد أن تتنازل المرأة كي تدخل على تلك الحياة الجديدة ذات الطبيعة التشاركية ؟؟

لابد أن يعرف المقدم علي تلك الخطوة رجلًا كان أم امرأه انه سيتنازل طواعية عن جزء من حريته لبناء هذا المنزل، ولأن تلك العلاقة تشاركية، فلابد أن يكون العطاء متبادل، لا مشكلة في أن تتنازل الفتاة عن جزء من وقتها و أنشطتها و قد تسافر مع زوجها لتُبْقِ على الأسرة إن لزم الأمر، و في المقابل لابد إن يقدر الزوج زوجته جيدًا و يحاول أن يكفي متطلباتها و الأسرة قدر إستطاعته. و يتم الامر بالانفاق بين الزوجين و هذا الاتفاق لن يتأتى إن لم يكن هناك أرضية مشتركة للتعامل في بدء التعارف. فمهم جدًا رؤية هل فعلا هذا الشخص مناسب كي تعطيه الفتاة طواعية مسؤولية قيادة حياتها أم لا. لن تستطيع الفتاة إتخاذ قرار مثل ذلك إن لم تكن شخصية مستقلة مسؤولة تعرف ماذا تريد بالأساس.

 لا بأس من طلب المساعدة من أهلها في بداية الأمر فليس الجميع على نفس القدر من الحسم ، و لكن لتحاول أن تتولي هي بنفسها شؤونها لانها ستكون هي المسؤولة عن تلك الأسرة في المرحلة القادمة و ليس والديها. 

لابد من التفريق بين طبيعة الزواج التشاركية و التي تستوجب قد معين من التنازل من الطرفين لإعطاء الطرف الآخر حقوقه، و بين التنازل من طرف الزوجة فقط إلى ما لا نهاية لصالح الزوج دائمًا. ينتج عن ذلك علاقة عرجاء مريحة لطرف دون الآخر. 

لذا، و لأننا في بلد يعاني من أزمة أخلاقيات قبل أزماته المادية، فلا يجب على الفتاة أن تتنازل لما لا نهاية للظفر بالزوج و تحقيق الجزء الآخير من التطور النفسي و هو التشارك.

 فهذا الأمر تتدخل فيه ظروف عدة منها التكافئ و الملائمة في السلوك و الطباع و الخلفية الاجتماعية و نوعية التدين. فليست قيمة الفتاة النهائية في الزواج. هذا عبث. فالظروف قد تكون أقوى من الانسان و لكن الإنسان المؤمن بالله يستعين به كي يعبر الظروف العصيبة. و المجتمع المتدين المؤمن بحق ذي القيم و البادئ يترك الناس ( و النساء )  لشأنهم فهم أدري بظروفهم و دواخلهم و كل ما يستطيع فعله هو النصح بالحكمة و أن يقول خيرًا أو ليصمت و يمضي لحال سبيله بصدر رحب. فلسنا أوصياء علي أحد.

لنتذكر دومًا أن: لكل مرحلة جمالها و لابد من إدراك ذلك و عدم الانتظار للمرحلة التي تليها لتحقيق ما نريد. 

الله لا يرضى بالظلم و اشد أنواع الظلم هو ظلم الانسان لنفسه، الجواب يُعرف من عنوانه.. فلا معني للاستمرار في خطبة لا يرتاح فيها الطرفان على أمل تحسن الأوضاع لاحقًا.. الأوضاع تسوء و لا تتحسن لأن الزواج ليس نزهة. وجع ساعة افضل من الوجع المزمن.  

التواد و التراحم هو مفتاح العلاقة الزوجية الحقيقية، و ليس التكافؤ المادي هو ما يجعل للمرأة قيمة. 

 لابد أن يبدأ المرء بالعطاء قبل أن يطلب بحقوقه، مع ترشيد العطاء و حُسن اختيار شريك الحياة ستكون حسن المعاملة هي ما تجعل للمرء قيمة حقيقية عند الطرف الآخر و ليست أي إعتبارات مادية آخرى.