تحرص اليابان على تقديم الدعم للمنعزلين اجتماعيًا عن طريق افتتاح صفوف عائلية وتقديم استشارات خاصة

العمل بجدية والحفاظ على المواعيد والتهذيب المبالغ فيه والابتسامة التي لا تفارق الوجوه، إنها اليابان التي نراها ونعرفها، لكنها ليست اليابان التي يعيش بها اليابانيون.

بدأت اليابان مؤخرًا في رفع شعار "لا للعمل حتى الموت"، في محاولة منهم لإيقاف "الكاروشي" أو ما يعرف بالموت الناتج عن كثرة العمل، فهل يرفع اليابانيون شعار لا للـ"هيكيكوموري" أو للانعزال الاجتماعي؟

"لقد حدث كل شيء فجأة، في ليلة ما صادفت زبونًا ساخطًا على الطعام والشراب، تحدث إليّ بطريقة فظة وعنيفة، صاح وحطم بعض الأشياء، وكان هذا كافيًا لي كي أنغلق عن المجتمع لسنتين".

هكذا يصف هيرو توياما - صاحب أحد المقاهي اليابانية - سبب إصابته بالـ"هيكيكوموري" لمدة عامين، فقط انعزل في منزل والدته، لا يتحدث إلى أحد، فقط أغلق مقهاه بهدوء، ثم حبس نفسه داخل غرفة صغيرة، لا يتركها إلا في المساء للحصول على وجبة من الشارع، متمثلة في الشعرية سريعة التحضير، ثم يسرع بالعودة إلى المنزل.

لذلك عند زيارتك لليابان لا تتفاجأ عندما يختفي أحدهم فجأة، ثم يظهر بعد فترة طويلة قائلًا إنه كان يشعر بالـ"هيكيكوموري".

طبقًا للحكومة اليابانية فهناك أكثر من نحو مليون ياباني يعاني من الانعزال الاجتماعي في المرحلة العمرية ما بين 15 و30 سنة، أغلبهم من الرجال، كما أن قدر لا بأس به من حالات الهيكيكوموري أظهروا عداءً شديدًا فيما يخص التواصل مع العائلة (الأب والأم)، ووصلت مدة الانقطاع بينهم إلى سنوات طويلة.

الهيكيكوموري: كلمة يابانية تصف حالة انعزال الشخص عن المجتمع، سواء عائلته أم أصدقائه أم عمله لمدة أكثر من ستة أشهر، مع عدم قدرته على إعالة نفسه

تقول ليزا وهي امرأة تعمل في مؤسسة لدعم المصابين بالهيكيكوموري إن المصابين بالانعزال الاجتماعي غالبًا ما يمتلكون مواهب عظيمة، لكنهم فقط قرروا الانغلاق عن المجتمع، حتى لو كان الأمر مضرًا على المستوى الصحي، إنهم فقط يقررون قطع الروتين اليومي سواء المدرسة أم العمل أم العلاقات الشخصية، ويرغبون فقط في الابتعاد داخل قوقعتهم.

أحد الرجال الذين حاولت ليزا التواصل معهم هو شاب في السادسة والعشرين، متخصص في صناعة موديلات السيارات، انغلق على ذاته لأكثر من أربعة أعوام.

ذهبت ليزا إليه وطلبت منه صنع نموذجًا لسيارة، لكنه رفض بشدة، لكنها عادت مرة أخرى وطلبت منه صنع النموذج مرة أخرى، أخبرته أنها تعمل في مؤسسة لدعم المصابين بالانعزال الاجتماعي، وأنها ستلقي محاضرة  على طلاب في المرحلة الثانوية تشرح لهم خطر الهيكيكوموري على الشباب، كما أنها ترغب بإظهار موهبته له، لتريهم كم أذاه المجتمع، وآلمه إلى الدرجة التي جعلته يلقي موهبته وينغلق على نفسه طوال هذه الفترة.

اليابانيون معرفون بتهذيبهم الشديد، فهم لا يستطيعون أن يظهروا وجههم الطبيعي للعالم الخارجي

تقول ليزا: "لقد صمم الموديل في أقل من 48 ساعة"! كما أنه لم يستخدم سوى قطع بلاستيكية من حوله في المنزل، وأخرج من تلك البقايا البلاستيكية تحفة لم ترَ مثلها من قبل، حتى إنها عندما فتحت غطاء السيارة الأمامي رأت بداخلها "مُحركًا"!



التأثير الانتحاري لضغط المجتمع الياباني

قد يكون زبونًا ساخطًا أو رئيسًا يهين موظفينه أو موظفًا يضايق زملائه في العمل أو زملاء الدراسة أو حتى أطفال المدرسة، كل هذه الأسباب تؤدي إلى الانعزال، وليس في اليابان فقط، بل في الدول الأخرى أيضًا؛ فهي  تعاني من مشاكل في الانعزال الاجتماعي، لكن ليس مثل اليابان، ففي الدول الأخرى قد نجد آباءً يصرخون على أبنائهم، يطالبونهم بالبحث عن عمل، يجرونهم جرًا للخروج، لكن في اليابان هذا لا يحدث، فقط الآباء يخافون بشدة من دفعهم إلى الإقدام على ما هو أسوأ من مجرد "الانعزال الاجتماعي".

اليابانيون معرفون بتهذيبهم الشديد، فهم لا يستطيعون أن يظهروا وجههم الطبيعي للعالم الخارجي، هم يضعون ابتسامة واسعة فوق وجوههم، يحاولون دفع أنفسهم لأقصى مدى، يبذلون الكثير من المجهود لإظهار قدرتهم، لكنهم لا يستطيعون عمل هذا طوال الوقت، هناك وقت ينهارون فيه وينغلقون.



ظهور مشكلة الانعزال الاجتماعي

ظهرت مشكلة الانعزال الاجتماعي بين الشباب في اليابان في منتصف التسعينيات، وما زالت حتى اليوم تتزايد، كما أن الإحصاءات لا تزال غير دقيقة فيما يخص الفئات العمرية الكبيرة والصغيرة، ولم تنجح الخدمات الطبية في الحد من المشكلة.

ففي الإحصاءات التي جرت عام 2015 بلغ عدد الأشخاص المنعزلين اجتماعيًّا في اليابان، الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و39 سنة نحو 540 ألف، وبلغت نسبة الأشخاص المنعزلين لأكثر من سبع سنوات نحو 30%، ولكن هذه الإحصائية تظل غير دقيقة في تغيب عدد الأطفال الأقل من 15 سنة الذين لا يذهبون إلى مدارسهم، أو عدد الأشخاص الذين يفوق عمرهم 40 سنة.

المشكلة الأكبر تكمن في أن الأشخاص المنعزلين اجتماعيًا لا يتواصلون مع المؤسسات الداعمة لهم ويعيشون وحدهم تمامًا مختبئين في الظلال، أما إذا نظرنا إلى الفئات العمرية الكبيرة سنجد أن ما يقارب 70% من الأشخاص فوق سن الـ40 منعزلين اجتماعيًا وهذا وفقًا لإحصائية قامت في محافظة "ساجا" ونشرت في 2017.

العنف الأسري في اليابان

إذا قمنا بحسابات تقديرية حقيقية سنجد أن عدد المنعزلين اجتماعيًا في اليابان تخطوا حاجز المليون شخص، كما أنهم لا يستطيعون إعالة أنفسهم،  لذلك ففي المنازل التي يوجد بها أشخاص يعانون من الهيكيكوموري ترتفع نسبة وقوع أعمال العنف الأسرية، فالمنعزلون يقضون وقتًا طويلًا في لعب ألعاب الفيديو أو ممسكين بهواتفهم المحمولة مندمجين مع ألعابهم التي تستهلك كل وقتهم، وقد يرغبون بشراء أشياء متعلقة بألعابهم أو أشياء لا هدف من ورائها مما يسبب وقوع شجارات عديدة، وقد تتفكك العائلة بالكامل أو يحدث ما هو أسوأ.

تقول أبحاث وزارة الصحة والعمل والشؤون الاجتماعية: "ثلث عدد المنعزلين اجتماعيًّا مصابون بأمراض نفسية شديدة، والثلث الآخر مصاب باضطرابات في النمو، أما الثلث الأخير فهم مصابون باضطرابات في الشخصية".

معظم المعزلين اجتماعيًا تعرضوا لأنواع من الإساءة وسوء المعاملة كالمضايقات المدرسية أو تحرشات العمل أو الإهمال المنزلي، كل هذا أثر بهم أثرًا شديدًا، لكنهم لا يعانون وحدهم، فعائلاتهم تعاني معهم، تعيلهم، وتخشى دفعهم إلى الانتحار، كما تحرص العائلات التي لديها فردًا يعاني من الانعزال الاجتماعي بتوفير مصدر دخل له عند وفاتهم، فالمنعزل اجتماعيًّا لا يستطيع إعالة نفسه، وبوفاة والديه ينقطع مصدر دخله، وقد تنهار حياته تمامًا عند موتهم، لذلك يحرصون على ترك أملاك لا بأس بها، كي يستطيع المنعزل اجتماعيًا الاستمرار في المعيشة، لكن هذا لا يعني نجاتهم، فتلك الأموال أو الأملاك تجعلهم فريسة سهلة لعمليات النصب، لعدم اكتسابهم الخبرة الحياتية.

الدعم النفسي

تحرص اليابان على تقديم الدعم للمنعزلين اجتماعيًا عن طريق افتتاح صفوف عائلية وتقديم استشارات خاصة وعقد اجتماعات للمتعافين من الانعزال بشكل شهري لتطوير المهارات الشخصية واكتساب الخبرة للتفاعل مع البيئة المحيطة.

وقد ظهر تحسن في حالات بعض المنعزلين اجتماعيًا مع تكرار الزيارات والاستشارات والعناية الطبية، ويحدث هذا مع المنعزلين لفترة قصيرة، لكن الأمر أصعب من ذلك مع المنعزلين لفترة طويلة، فهم فقط يرغبون في الاستمرار في الانعزال.

على كل حال اليابان ما زالت تبذل مجهودًا كبيرًا في محاربة الانعزال الاجتماعي، لكن هل ستنجح؟