ما إن صدر قرار سحب سفراء السعودية والإمارات والبحرين من دولة قطر حتى غزت صفات التواصل الاجتماعي حملة شاسعة من التحليلات والأسباب الآراء حول الموضع كما رافق ذلك وبشكل واضح انقسام الشارع الافتراضي بين من يرى انه انتصارا للدول الثلاث في سياستها وأيضا في الملف المصري بداية النهاية لملف الإخوان المسلمين الذي ساندته قطر كما يرون وزادت من أثره السلبي في منطقة الشرق الأوسط وخاصة في القضية المصرية ووقوفها ضد ما أسموها ثورة 30 يونيو     

ومن الطرف الآخر من ذهب إلى أنه انتصار لمبادئ قطر في طريقها الذي إختارته بشكل واضح الوقوف بجانب الشعوب والتأكيد على الموقف المحرج للدول الثلاث إبان دعمها الانقلاب في مصر 

وآخرون رأوا بداية التفكك لمنظومة دول مجلس التعاون الخليجي والتي بدأت بالتفكك بشكل حقيقي منذ بداية أحداث الربيع العربي وتمايز حقيقي لما أسموه معسكر الحق ومعسكر الباطل.

تقدير الموقف

في النظرة السياسية وبعيدا عن مواقف الجماهير المنقسمة معظمها بحسب العاطفة والخطابات الرسمية للدول المتوافقة في ظاهرها مع مصالحهم نستطيع قول ما يلي: 

  • سحب السفراء في النطاق السياسي هو الخطوة الأولى لقطع العلاقات الدبلوماسية بين الدول المعنية والتي قد يترتب عليها مواقف أشد قوة فيما لو استمرت بالتصاعد حتى تصل إلى الصراع العسكري المباشر أو الحرب الباردة 
  • لا يستطيع أحد إنكار توتر العلاقات الواضح بين قطر والسعودية بشكل خاص على مر الـ 30 سنة الماضية و يرجع ذلك إلى نظرة السعودية لقطر بأنها الدولة الصغيرة كما البحرين و أن لها حق الوصاية عليها في كل القضايا و المواقف الإقليمية 
  • التطور السياسي و الاقتصادي لقطر والذي ما زال في صعود مستمر و بكل الاتجاهات  بشكل سريع شكل قلقا بالغا للدولة الأم لدول الخليج السعودية إذ أن النمو الاقتصادي والتطور في العلاقات السياسية بأرضيه مستقرة لدولة خليجية سيضعف دورها في شبه الجزيرة العربية أو قد يجعل لها ندا سياسيا غير مرحب به كـ قطر 

تركيا و إيران 

إذا نظرنا بعمق في الوضع السياسي لمنطقة الشرق الأوسط سنجد أن الدولتان اللتان أصبحتا قوة إقليمية في المنقطة هما إيران و تركيا وبالرغم من امتلاك السعودية لكل المقومات لإن تكون الدولة الإقليمية العربية (الموقع الجغرافي ’ النفط , القوة العسكرية ..) إلا إن غياب المؤسسة السياسية عن الدولة وتخبط مواقفها الخارجية تجاه القضايا المختلفة جعلها تنزل عن ذلك الدور إلى دور السلطة الأبوية الغير مؤسساتية للمنطقة والتي بدأت بالزوال تدريجيا مع النمو الاقتصادي والسياسي لدول الجوار 

من الطبيعي ضمن السياق الذي ذكرناه أن تسعى الدول النامية والصاعدة سياسيا لربط نفسها بالدول الإقليمية الأقرب لها في المنطقة (إيران ,تركيا) حتى تستمر في نموها في شتى المجالات المختلفة و تحافظ على القدر الأكبر من الاستقرار السياسي العسكري طويل الأمد 

السعودية وخلاف العمق 

من خلال ما ذكرناه سابقا نستطيع أن نستنتج أن السبب الأهم والأساسي للخطوة التي أقدمت عليها السعودية وتبعتها البحرين وتوافقت معهما الإمارات هو خروج قطر بشكل واضح من دائرة السلطة السعودية والتي ظلت حبيستها لمدة عقود وارتبطت بشكل علني وواضح مع الدولة الإقليمية الأكبر في المنطقة (تركيا) والتي لا تروق للسعودية ولا المسكر الغربي كثيرا و كان إعلان ذلك واضحا حين صرح أمير قطر الشيخ تميم إبان زيارة رئيس الوزراء التركي للدوحة "إننا نتفق مع تركيا في كل القضايا و المواقف العربية والإقليمية" عدا عن توقيع عشرات الاتفاقيات الاقتصادية والتفاهمات السياسية .

كما حافظت قطر وبشكل جلي على علاقة متوازنة مع إيران صاحبو التي تشكل التوتر الأكبر في المنطقة للسياسة السعودية بالرغم من اختلاف قطر معها كثيرا في القضايا الحاصلة في المنقطة و أهما القضية السورية ، توجت هذه العلاقة بزيارة رئيس الوزراء القطري مؤخرا لإيران .

قطر والأثر المترتب 

تمتلك قطر أرضية سياسية أكثر استقرارا من جارتها السعودية مما يؤهلها للتأني في اتخاذ أي إجراء إبان خطة سحب السفراء .

مما لا شك فيه أن تغطية قناة الجزيرة للملف المصري بشكل عاطفي لا مهني في معظمة و احتضان قطر للتيار الإسلامي بشكل أو بأخر كان له أثر فيما أقدمت عليه السعودية و أخواتها لكن السبب الأهم يرجع لما تم ذكره في المقال 

لا ريب أن ما حصل من توعك دبلوماسي لا تريده قطر ولم تكن تسعى إليه ،و لن تسعد باستمراره وفق أفقها السياسي الذي تسير به مما سيرتب عليها حمل ثقيل لرأب الصدع الدبلوماسي مع جاراتها وخاصة السعودية المتصلة معها جغرافيا ضمن تغير في التفاصيل بما لا يغير وجهة سياتها الخارجية التي أعلنت تمسكها بها مرارا وتكرارا 

وربما ستشهد المنطقة تحالفات جديدة بين قطر وعمان وغيرهما ،عمان التي حلقت خارج السرب الخليجي منذ زمن وارتبطت إقليميا بالدولة الأقرب لها إيران وتوج ذلك براعية ملف المحادثات الأمريكي الإيراني لأكثر من 5 سنوات قبل توقيع المعاهدة .

سيترتب عليه إعادة رسم السياسة في المنطقة وانعكاسها على الملفات الأكثر سخونة وطولا في الوطن العربي (سوريا و مصر)