رجل مصري يشتكي من غلاء الأسعار

نظر الرجل تجاه "حلوى المولد" على استحياء، راغبًا في شرائها لأهله، مستعظمًا ثمنها عمّا كانت عليه قبل عام، يُقدم ثم يُحجم، ويُحجم ثم يُقدم، فهو يتمنى أن يدخل الفرحة في قلوب أبنائه ولكنه يخاف أن تكون تلك الفرحة على حساب ضروريات الحياة، فما بحوزته من جنيهات لا يكفي للجمع بين الاثنين، والأسعار هذا الموسم لا تقارن بسابقها.

هذا حال الكثير من المصريين، بعد أن مضى عام على قرار البنك المركزي المصري بتحرير سعر الصرف، ليفقد الجنيه المصري أكثر من 100% من قيمته، ويفقد معه المواطن معظم قوام دخله، وتُعلن موجة تضخم التهمت ما كان "تحت البلاطة" وما فوقها.

في نوفمبر 2016 ألزم صندوق النقد الدولي البنك المركزي المصري بتحرير سعر الصرف، كي تحصل على قرض بقيمة 12 مليار دولار، على مدار ثلاث سنوات، لدعم برنامج الإصلاح الاقتصادي، ومنذ ذلك اليوم يعاني الموطن الأمّرين، ولكن كيف حال الفاعلين الاقتصاديين الآخرين؟

لا يختلف أثر التعويم على الحكومة منه على المواطن، ولكنها اتخذت بعض الإجراءات التى بها جعلت المواطن يشاركها في تحمل التغيرات السعرية، ومنها تحريك أسعار الطاقة (الكهرباء والوقود) في 2016 و2017، ورفع الرسوم الجمركية على 360 سلعة، وتحريك أسعار السلع التموينية، المستثمر المحلي حقق أرباحًا طائلةً على الرغم من انخفاض الطلب الكلي وخاصة من جانب المواطن، ولكن ارتفاع الأسعار عوّضه عن ذلك خاصة في ظل وجود مخزون بسعر ما قبل التعويم.

على الرغم مما حققته الشركات من أرباح بفضل تحرير سعر الصرف فإن الدائنين الأجانب كانوا أكثر فئة استفادت من التعويم

وأظهرت نتائج أعمال شركات الأدوية المدرجة في البورصة، تحقيقها زيادات كبيرة في صافي الأرباح، وأوضحت نتائج أعمال الشركة المصرية الدولية للصناعات الدوائية (إيبيكو) أن أرباحها صعدت بنحو 65.8% خلال النصف الأول من 2017 مقارنة بنفس الفترة من 2016.

حيث حققت أرباحًا بلغت 388.2 مليون جنيه في الفترة من يناير إلى يونيو 2017 مقابل 234 مليون جنيه من 2016، كما قفزت أرباح شركة القاهرة للأدوية والصناعات الكيماوية بنسبة 90.7% خلال العام المالي الماضي مقارنة بالعام المالي السابق له.

حققت الشركة أرباحًا تقدر بنحو 97.8 مليون جنيه خلال العام المالي 2016- 2017 مقابل أرباح تقدر بنحو 51.3 مليون جنيه في العام المالي 2015- 2016، وعلى الرغم مما حققته الشركات من أرباح بفضل تحرير سعر الصرف فإن الدائنين الأجانب كانوا أكثر فئة استفادت من التعويم، فكيف لا وهذا الإجراء لم يُتتخذ إلا لتضمن تلك الفئة مستحقاتها.

وسددت مصر في الفترة من تحرير سعر الصرف (نوفمبر 2016) نحو 5.6 مليار دولار للدائنين الأجانب، منها 2.2 مليار دولار مستحقات لشركات البترول في يونيو 2017، وملياري دولار لمجموعة بنوك دولية قيمة عملية بيع سابقة لسندات دولارية في نوفمبر الحاليّ، ونحو 1.4 مليار دولار لتجمع دول نادي باريس.

بتحرير سعر الصرف توقف البنك المركزي عن دعم قيمة الجنيه الذي بدوره يعد دعمًا للمواطن، وجعل حصيلة مصر الدولارية (تحويلات عاملين بالخارج، سياحة، إيرادات قناة السويس، صادرات، قروض) لخدمة القروض وسداد أقساطها ولاستيراد السلع الأساسية والاستراتيجية.

كيف لا وصندوق النقد أداة من أدوات الرأسمالة العالمية، يعمل لصالحها ويوطد أوضاعها، فهو يطالب المقترضين منه بتحرير أسعار عملاتهم، ثم رفع أسعار الفائدة لاحتواء التضخم، ثم بالاستدانة الخارجية لزيادة التكلفة المحلية (بعد رفع سعار الفائدة)، وبذلك تستفيد الرأسمالية العالمية مرتين: الأولى بالإقراض بأسعار فائدة مرتفعة وهي مطمئنة من استرداد ما أقرضته (بعد التعويم) والثانية بالاستثمار غير المباشر في أسواق تلك البلاد، مستفيدةً بهبوط عملتها المحلية.