الصورة: نيجيريون يتفقدون موضع تفجير نفذته بوكو حرام خارج العاصمة أبوجا

قبل أيام قالت الرئاسة النيجيرية ان البلاد تعيش حالة حرب مع جماعة بوكو حرام المتهمة بقتل واصابة الآلاف خلال الأعوام الماضية وخاصة بمناطق شمال شرق نيجيريا. 

وقالت صحيفة الغارديان البريطانية في تقرير لها أمس أن النيجيريين يعتقدون أن بوكو حرام مسؤولة عن قتل أكثر من 1300 شخصا خلال الشهرين الماضيين، وأكثر من 130 شخصا خلال الأسبوع الماضي فقط. كما يُعتقد أن بوكو حرام على صلة مباشرة بالقاعدة، بالإضافة إلى قوتهم الحقيقية على الأرض والتي تمنع الجيش من السيطرة على عدد من معاقلهم أو القضاء عليهم.

وشهدت نيجيريا العديد من الصراعات سابقا وحربا أهلية في نهاية الستينات من القرن الماضي، والصراع هو نتيجة التوترات الاقتصادية والعرقيه والثقافيه والدينية بين مختلف الشعوب الموجودة في نيجيريا. حيث ان الدولة النيجرية مصطنعة بنتها القوى الاوربية الاستعمارية الكبرى دون مراعاة لحساب الاختلافات الدينية، واللغويه، والخلافات العرقيه.

شأنها شأن العديد من الدول الأفريقية الحديثة كانت نيجيريا، والتي حازت على استقلالها من بريطانيا في عام 1960، يبلغ عدد سكانها الآن 170 مليون نسمة وتتألف من حوالي 300 مجمجموعة مختلفة العرقيات والثقافات يتشكل المجتمع النيجري من قبائل الهوسا في النصف الشمالي الذي تدين غالبيته بالإسلام وقبائل اليوروبا التي تسكن المناطق الجنوبية نصف المسيحية نصف المسلمة وقبائل الاايبو في المناطق الجنوبية الشرقية المسيحية.

وبشكل ما تخبرنا معضلة نيجيريا الآن الكثير عن الوضع في أفريقيا. فبينما كان الصحفيون والمستثمرون يتحدثون عن ربيع القارة السمراء وكيف أنها ستنعم بالازدهار الاقتصادي في كثير من مناطقها، كانت بعض دولها تعج بالفوضى، السودان وجنوب السودان، أفريقيا الوسطى ومالي .. ومع مجيء الحرب، رحل المستثمرون وبقي الصحفيون لحكايات الدم والنار.

وكذلك فعلت نيجيريا، فبعدما بدأت بالفعل في الصعود اقتصاديا بمعدل نمو يقارب 7٪ سنويا، عادت أفريقيا لعادتها القديمة من عدم الاستقرار. وغذى عدم الاستقرار في نيجيريا الفوارق الاجتماعية الرهيبة، ففي الشمال يقع أكثر من 72٪ من السكان تحت خط الفقر، مقابل 27٪ في الجنوب و35٪ عند دلتا النيجر، ورغم ذلك يقول اقتصاديون إن النيجيريين يشربون الشمبانيا والخمر الفاخر أكثر مما يفعل الروس!

لعدة قرون تمتعت المنطقة بثمار الحضارة الإسلامية، تقول الغارديان. فقبل أوائل القرن التاسع عشر كانت البلاد ترفل في النعيم، لكن مع مجيءشيهو عثمان دان فوديو الذي خلق أكبر مساحة لدولة خلافة في إفريقيا في دول ما قبل الاستعمار، لكن بعد ذلك تداعت الدول، وتم احتلال نيجيريا في بدايات القرن العشرين من قبل الإمبراطورية البريطانية.
وبعد التحرير في 1960 ظل الاحباط منتشرا مع حرب أهلية طاحنة في آخر الستينات. 

واحد فقط من قيادات الميليشيا المتعددة التي كانت تمتلئ بها البلاد قرر أن يستغل الإحباط وخيبة الأمل وأن يمزج ذلك مع أجندة إسلامية وإخفاقات الحكومة العلمانية. أسس محمد يوسف ما عُرف بجماعة أهل السنة للدعوة والجهاد. 
وفي مدينة شمال شرقي العاصمة كان السكان المحليون الذين يتحدثون الهوسا يسمون الجماعة بوكو حرام، في ترجمة فضفاضة وتعني “التعليم الأجنبي حرام” أو التعليم الغربي ممنوع. 

محلل سياسي نيجيري يدعو كريس نجودو قال للجزيرة إن بوكو حرام جماعة دعوية قويت في ظل ضعف الدولة ومسرح عملياتها (الساحل النيجيري) يقدم لها مزيجا رائعا من ضعف الدولة وفشلها والعديد من الشباب المحبط المنهار اقتصاديا ما سمح للجماعة بالتغول والانتشار سريعا.

مؤسس الجماعة محمد يوسف، يُعتقد أنه على الرغم من إعلانه “حرمة التعليم الغربي” إلا أنه كان ميسور الحال، يمتلك سيارة مرسيدس بالإضافة إلى كونه متعلم كما يبدو تعليما غربيا. في حوار له مع بي بي سي  قال يوسف “يعتقد دعاة الإسلام البارزين أن النمط الغربي في التعليم يختلف جذريا عن معتقدات المسلمين، فمثلا المطر، نحن نعتقد أن المطر من خلق الله وفعله فقط، بدلا من اعتقادنا أنه ناجم عن تبخر المياه بسبب آشعة الشمس التي تتكثف لاحقا لتصبح مطرا، تماما كالقول أن الأرض مستديرة، أو كالقول بنظرية دارون، ما يخالف عقيدتنا نرفضه تماما”

يوسف اجتذب الآلاف من أسر المسلمين الأفقر، وفي 2009 عاجم مراكز للشرطة ومبان رسمية أخرى وقتل أكثر من 1000 شخص. وبينما قُتل الرجل وعُرض ميتا على شاشات التليفزيون، اعتقد الناس أن بوكو حرام قد انتهت.

لكن المقاتلين أعادوا تنظيم صفوفهم تحت قيادة زعيم جديد، في 2010 هاجموا سجنا في ولاية بوتشي وحرروا مئات من أنصارهم، نفذوا تفجيرات كبيرة في جوس وآبوجا، وعدوا بالطاعة والولاء لتنظيم القاعدة وشارك بعضهم في قتال في الصومال والسودان حسبما يقول البعض.

وخلال السنوات الماضية فشلت الحكومة والجيش في نيجيريا في سحق الجماعة. هدد زعيمها أبو بكر شيكاو الشهر الماضي من هجمات على مصافي النفط في الجنوب الذي تقطنه أغلبية مسيحية وهو ما قد يؤدي إلى نتائج كارثية على الاقتصاد النيجيري، لقد قال في فيديو “يا أهل دلتا النيجر، أنتم في ورطة!” .. لكن معظم المحللين لا يرون في بوكو حرام تهديدا وجوديا لنيجيريا.

أمس أكد الرئيس النيجيرى جودلاك جوناثان أن بلاده قادرة على تخطى المرحلة الصعبة التى تمر بها، والتغلب على ما وصفها بالتحديات الأمنية التى تواجهها، وحث جوناثان خلال قداس بإحدى كنائس أبوجا "الأحد" المواطنين على التضرع إلى الله والإكثار من الصلاة كى تمر هذه الظروف، ويعود الأمن والاستقرار إلى البلاد، لكن يبدو أن أمر نيجيريا يحتاج أكثر كثيرا من الدعاء!