التعلم الذاتي خلف شاشات الحاسوب: تكاليف أقل وسرعة أفضل ومواد دراسية ممتعة

تنتشر منصات التعليم الإلكتروني أو المفتوح على شبكة الإنترنت وتعبر عن نفسها بأنها الوسيلة الأسهل والأسرع في تقديم الدورات والمواد الدراسية الأكاديمية في شتى المجالات، وهدفها الأول والمباشر تيسير هذه الفرصة والتجربة المهمة لمن يطمح بمتابعة التحصيل العلمي، ولكن أسباب خاصة قد تمنعه من ذلك، مثل ضيق الوقت أو بعد المسافة أو الوضع المادي الحرج.

بدأت هذه الجهات بتقديم وجبة وفيرة من العلوم والمعارف اللازمة لكل تخصص ومرحلة علمية بشكل منظم وشروط قد تكون معدومة عام 2003، ومع ازدياد هذه المنصات واتساع سوقها، هل يقتنع حقًا العالم بهذه التقنية الجديدة في عصر التكنولوجيا؟ وهل نودع التعليم التقليدي قريبًا؟

التعليم الإلكتروني

يعرف المركز الوطني للتعليم الإلكتروني هذا الأسلوب على أنه توظيف للحاسب الآلي وشبكاته ووسائطه المتعددة من صوت وصورة ومحركات بحث ومكتبات إلكترونية في الدراسة بأقصر وقت وأقل جهد وفائدة أكبر، كما أنه يصف هذا التطور بأهم الإنجازات التقنية التي ساعدت على إلغاء المسافات واختصار الوقت وساهمت في جمع العالم بكل علومه الثقافية والسياسية والاقتصادية في قرية إلكترونية صغيرة.

كما يختلف محتوى كل منصة عن الأخرى في عرض موادها التعليمية، فمنها من تعتمد على المحاضرات المرئية أو الأنشطة التفاعلية أو خاصية البث المباشر لتشجع الطالب على المشاهدة والمواصلة والمشاركة.

نحو 8% من الشركات في العالم تستخدم الدورات والمناهج الإلكترونية، ففي الولايات المتحدة توفر 77% من الشركات دورات إلكترونية لموظفيها للاستفادة من معارفهم وخبراتهم فيما بعد

إذ تترأس الهند قائمة أعلى 10 دول تعتمد على التعليم الإلكتروني، وهذا بنسبة 55% وتتبعها الصين 52% وماليزيا 41% ورومانيا 38% وبولندا 28% وجمهورية التشيك 27% والبرازيل 26% وإندونيسيا 25% وكولومبيا وأوكرانيا 20%، مع غياب واضح للدول العربية في هذا الترتيب.

وجدير بالذكر أن نحو 8% من الشركات في العالم تستخدم الدورات والمناهج الإلكترونية، ففي الولايات المتحدة توفر 77% من الشركات دورات إلكترونية لموظفيها للاستفادة من معارفهم وخبراتهم فيما بعد.

لماذا يختار الطلاب التعليم الإلكتروني؟

يرى البعض أن منظومة التعليم في العالم العربي - تحديدًا - فشلت في خلع رداء التلقين والتحفيظ ولم تستطع استيعاب العلوم الحديثة والمهارات التي يطلبها سوق العمل الجديد، وبسبب الإمكانات الضعيفة والميزانيات المحدودة وأعداد الطلاب الهائلة التي يصعب احتوائها داخل الجامعات، أصبح خيار التعليم الإلكتروني الفرصة الأنسب للعديد من الطلاب.

والسبب أن التعليم الإلكتروني له مزايا عديدة لمن يرغب في الحصول على حياة أكاديمية متقدمة، من ناحية المحتوى والأسلوب، وبسبب الطاقم الأكاديمي الذي يمتلك خبرة واسعة وكفاءة عالية تجعل الطالب يضمن الحصول على المعرفة من مصدرها الموثوق.

هذه الطريقة تعتبر الخيار الأمثل لذوي الاحتياجات الخاصة واللاجئين الذين يمرون بظروف قاهرة والعاملين الذين لديهم مهمات خارج الحرم الجامعي كالوظيفة أو العائلة، بالجانب من الذين لا يستطيعون تحمل النفقات والتكاليف الدراسية

كذلك، تمنح هذه المنصات الطالب فرصة البحث والتعمق في المادة التي يفضلها والوصول إلى الأبحاث والمعارف الأكثر حداثة، مع انعدام المشاكل التقليدية التي يتعرض لها داخل الفصل مثل التفرقة، وتعطيه شعورًا بالمساواة وتنقذه من كميات المعلومات الضخمة التي تلقن له خلال اليوم.

هذا وتقلل من الازدحام داخل قاعات الجامعات والفصول الدراسية، وتدرب العاملين وربات المنازل دون ترك وظائفهم، مما يساهم في رفع نسبة المتعلمين والمثقفين في مختلف التخصصات المطلوبة.

ولحسن الحظ، تعد هذه الطريقة الخيار الأمثل لذوي الاحتياجات الخاصة الذين يجدون صعوبة في المواصلات والحركة واللاجئين الذين يمرون بظروف قاهرة والعاملين الذين لديهم مهمات خارج الحرم الجامعي كالوظيفة أو العائلة ويصعب عليهم الاتفاق على وقت محدد للدرس، بالجانب إلى الذين لا يستطيعون تحمل النفقات والتكاليف الدراسية.

عدا أن الطالب الأقل مستوى لديه وقت أطول لرفع مستواه وتحسين نقاط ضعفه دون إهمال أو إغفال، خاصة أن المناهج المعتمدة تعمل على رفع المهارات الفردية وتستقبل الملاحظات والتعليقات على المواضيع المطروحة دون أن يشعر الطالب بأي خوف أو حرج من السؤال أو طلب التوجيهات اللازمة.

هذا ويضمن توفر المناهج والمواد الدراسية باستمرار وبأي وقت يريده الطالب، إذ يجعل المشترك في هذه المنظومة يشعر بالاستقرار النفسي دون القلق من ضياع هذه الدروس أو نقصانها ودون التشكيك في صحتها ودقتها.

هل سنتخلى عن التعليم الجامعي التقليدي؟

من الواضح أن مميزات التعليم الإلكتروني تشكل تحديًا إضافيًا أمام مؤسسات التعليم التقليدي، خاصة أن التعليم الافتراضي يقدم المعارف الضرورية في سوق الاقتصاد الجديد مثل البرمجة والتصميم والإدارة، وهذا ما يحتاجه العديد من رواد العلم، لكن ما يهدد انتشار التعليم الإلكتروني ويجعل هزيمته للتعليم التقليدي أمر شبه مستحيل، في الوقت الحاضر، هو الشهادات غير الرسمية أو التي لا يعترف بها حاليًّا من القطاع الحكومي أو الخاص، وبالتحديد في الدول العربية، علمًا، أنه قد يفيد تسجيلها - أحيانًا - في السيرة الذاتية تحت بند الخبرات المكتسبة.

ومن جانب آخر، يعتبر البعض أنه لا يمكن الاستعانة بالتعليم الافتراضي في المجالات التي تحتاج إلى إذن لممارستها وتتطلب ممارسة عملية ومهنية، خاصة في الطب والمحاماة والعلوم.

في هذا الصدد، عبر نبيل نبيه المدرب في مجال التعليم الإلكتروني ومؤسس منصة باك تفي، عن رأيه بهذا الخصوص في حوار مع الجزيرة نت قائلًا إنه لا يمكن لمنصات التعليم الذاتي المفتوح أن تكون بديلًا عن التعليم الجامعي التقليدي عندما يكون دور الجامعة والأساتذة نوعيًا، أي يتضمن التفاعل مع الطلبة وبث روح النشاط والحماس فيهم، فبهذه الحالة تصبح المنصات دعامة تكميلية.

وأشار أيضًا أن مثل هذه المنصات قد تكون الهدف الأخير للطلبة إن كان حال التعليم كما هو عليه في بعض الجامعات العربية، من "أساتذة تقليديين في أساليب التعليم، حيث يكتفي الأستاذ بتوزيع أو الإحالة على مطبوعات واعتماد طريقة التدريب الإلقائية الإملائية".

المنصات العربية والأجنبية

توجد مجموعة مختلفة من المنصات العربية التي يمكن الاعتماد عليها في التعلم أو التدريب وأهمها:

منصة رواق

تقدم هذه الواجهة خدماتها التعليمية للطالب الجامعي الذي يرغب في تمكين نفسه في مواد لها علاقة بتخصصه الجامعي، أو للباحث عن المعرفة ويرغب في تزويد نفسه بالمزيد من المعارف والمعلومات لإشباع فضوله، إلى جانب الموظف الذي يسعى في وقت فراغه على تطوير ذاته أو اكتساب مهارات جديدة.

وتعرف نفسها أنها منصة تعليمية إلكترونية تهتم بتقديم مواد دراسية أكاديمية مجانية باللغة العربية في شتى المجالات والتخصصات، يقدمها أكاديميون متميزون من مختلف أرجاء العالم العربي، ومتحمسون لتوسيع دائرة المستفيدين من مخزونهم العلمي والمعرفي المتخصص، حيث يسعون لإيصاله لمن هم خارج أسوار الجامعات.

كما أنها تمكن المشترك من الالتحاق بالمادة المثيرة لاهتمامه ومتابعة محاضراتها أسبوعيًا، والتفاعل مع المحاضرين وزملاء الدراسة أينما كان وفي الوقت الذي يناسبه ومجانًا.

بالنسبة إلى شهاداتها فهي تمنح نوعين من الشهادات: شهادة غير رسمية وهي بمثابة شهادة إكمال دراسة مادة، يحصل عليها الطالب بعد مشاهدة محاضرات المادة والتفاعل مع الواجبات والاختبارات والحصول على درجة النجاح (تختلف نسبة النجاح بحسب المادة)، مع العلم بأنه ليس كل المواد سيكون لها شهادة إكمال.

وبشأن النوع الثاني فهو "شهادة رسمية بالنجاح في دراسة المادة، لكن الشهادات الرسمية ذات المصداقية يجب أن تكون صادرة من جهة معتمدة أكاديميًا، ورواق الآن ما زالت في أولى الخطوات، نتمنى أن نصل قريبًا للوضع القانوني المناسب لنتمكن من إصدار هذا النوع من الشهادات"، على حد قولهم.

منصة إدراك

هي منصة إلكترونية عربية للمساقات الجماعية مفتوحة المصادر، أسستها الملكة رانيا للمساهمة في وضع العالم العربي في المقدمة في مجال التربية والتعليم كونهما حجر الأساس لتطور وازدهار الشعوب، والتي تعمل بالشراكة مع edX وهي إحدى المنصات التعليمية الإلكترونية الأولى على مستوى العالم والتابعة لجامعة هارفرد الأمريكية ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، هذا وتقدم مجموعة مختلفة من المحاضرات في مواضيع متعددة مثل الصحة والصحافة والتربية والاقتصاد وريادة الأعمال.

ويحصل الطالب على شهادة إكمال بعد أن يحقق درجة النجاح ومواعيد تسليم الاختبارات وهي شهادة معتمدة من بعض جهات القطاع الخاص مثل بيت.كوم، لكن بصفة عامة هي غير معتمدة في الفترة الحاليّة من الجهات الرسمية أو الحكومية.

أكاديمية خان

تعد هذه الأكاديمية السباقة في مجال التعليم الإلكتروني، وتأسست عام 2006، ومنذ ذاك الحين وهي تجتهد في إثبات وجودها بين المنصات الأخرى، مستخدمة أساليب تعليمية تعد الأكثر تطورًا وحداثة، وهي تعمل بالشركة مع وكالة ناسا ومتحف الفن الحديث ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وأكاديمية كاليفورنيا للعلوم، وتقدم عددًا هائلاً من المحاضرات والدورات الإلكترونية - المترجمة لـ36 لغة - في مواضيع الرياضيات والاقتصاد والعلوم المختلفة والفن والهندسة، كما أنها تعتمد بشكل أساسي في تمويلها على التبرعات.

منصة يوديمي 

موقع Udemy اختصار لكلمتين Academy of You ويهدف بالأساس إلى توفير العلم لطالبه وجعله متوفرًا لأي شخص في العالم، من خلال مجموعة من الدورات التعليمية التي يقوم بها طاقم من الخبراء والأساتذة المحترفين، تسعى "يوديمي" إلى إحداث تغيير جذري في التعليم من خلالهم. مع العلم، أن ليس جميع دوراتها التدريبية ومحاضراتها مجانية، إلا أنها تقدم خصومات وعروض بشكل دوري، وقد تصل في بعض الأحيان إلى 90%.

وصل عدد الدورات التدريبية المعروضة عام 2012 نحو 400 دورة، وفي عام 2017 تزايد هذا العدد ليصل إلى أكثر من 55 ألف دورة تقريبًا ويعتمد عليها ملايين الطلبة من جميع أنحاء العالم.

صعوبات التعليم الافتراضي

يعتقد البعض أن غياب البيئة التعليمية التقليدية القائمة على الالتزام والتفاعل المباشر والواجبات عن هذه المواقع، ستكون عامل فشل للطلاب الذين لا يتمتعون بقوة الحافز الذاتي وحس المسؤولية، وهذا بحد ذاته يشكل تحديًا أمام الموظفين والمتزوجين الذين يصعب ضمان انضباطهم في التعلم عبر هذه المنصات.

أيضًا قلة الوعي العام لدى الطالب العربي أو أسرته بمميزات وأدوات هذه التقنية في التعلم، لانخراطه بشكل تام في النظام التقليدي الذي اعتاد أن يكون جزءًا منه.

كما ينظر إلى كم المعلومات الهائل المنشور على صفحات الإنترنت كأحد معيقات التعليم الإلكتروني الذي قد يهدد نوعيته وأمانته الأكاديمية وصحة أبحاثه، لا سيما أن هناك آلاف الأبحاث والدراسات والنظريات التي تنشر يوميًا دون وجود قواعد صارمة تحد من انتشار المعلومة الخاطئة.

هذا بالإضافة إلى التساؤلات عن مدى قدرة المعلمين على استخدام هذه التقنية بطريقة تمكنهم من التدريس وخلق أجواء مناسبة للتعلم، وهذا ما يلزم بعقد دورات مكثفة لمساعدة الأساتذة، أما العائق الأخير فهو فقدان العامل الإنساني بين الطالب والمعلم، فكلاهما يتعاملان مع "آلة"، مما يساهم في تقليل مشاعر التقدير والامتنان أو حتى الفخر بينهما.

لكن هذه النقاط لا تمنع انتشار التعليم الإلكتروني بشكل أوسع وبأساليب أكثر مهارة، فنحن نعيش في القرن الواحد والعشرين وهو "عصر الآلة" التي تفرض نفسها على جميع المجالات الموجودة، وجازمة في تقدمها وخدمتها ربما للأجيال الحاليّة والقادمة.