الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي

وصلت الديون المصرية بعد صعود الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لسدة الحكم إلى مستوى قياسي، خاصة بعد تعويم الجنيه المصري، مقارنة بما كانت عليه قبل توليه المنصب.

الاعتماد على الديون سلوك قديم كما يوضح الكاتب المصري جلال أمين في كتابه "قصة الاقتصاد المصري" الذي يتعرض فيه لسلوك السلطات المتعاقبة مع التنمية والديون، منذ عهد محمد علي، وصولاً إلى محمد حسني مبارك.

تنمية بلا ديون

يبدأ أمين قصته بالحديث عن عهد محمد علي باشا، حيث يرى أن نظرة البعض للاقتصاد المصري في عهد الرجل، ووصفه بأنه مستقل ومعتمد على الذات هو نصف الحقيقة فقط، لأن التجارة الخارجية لعبت دورًا أساسيًا في عهده، فكانت زراعة القطن مستحوذة على مساحة كبيرة من حجم الاقتصاد، على عكس ما كان موجودًا قبل الحملة الفرنسية مثلاً، فكانت السوق المصرية تعتمد على الاكتفاء الذاتي من باقي السلع.

الاقتصاد المصري لم يكن مستقلاً عن الاقتصاد الرأسمالي إذًا في رأي أمين، لكنه رغم ذلك يرى أن الاقتصاد وقتها كانت معتمدًا على النفس، لثلاثة أسباب:

الأول: أن مصر كان لديها اكتفاء ذاتي من الغذاء، وكانت تصدر فائض الأرز لشراء السفن، وتصدر القمح والفول والذرة لتستورد حاجيات المصانع والجيش.

كان سعيد باشا لا يجد غضاضة في إنفاق المال للخروج من أي مأزق، لدرجة أن أحد المؤرخين يروي عن توقيع سعيد اتفاقية إنشاء قناة السويس دون أن يقرأها أو يستشير مستشاريه، لأنه كان معتقدًا أن صديقه دليسيبس لن يخدعه

السبب الثاني: أن مصر كانت تتمتع بدرجة عالية من القدرة على المساومة مع المصدرين والمستوردين، ومع أنها لم يكن لها مفر من تصدير القطن لأوروبا واستيراد الآلات منها، كان نظام الاحتكار يسمح لمحمد علي بقدر كبير من المساومة والحصول على أفضل الشروط الممكنة، هذا الأمر وفر لمحمد علي نوعًا من الاعتماد المتبادل.

السبب الثالث: أن محمد علي لم يتورط في فخ الديون الذي تورط فيه من بعده، يقول جلال أمين في هذه النقطة: "الذي يتحكم في درجة اعتمادك على القروض، ليس فقط مدى حاجتك إلى الاقتراض، أو مدى رعونتك أو حكمتك في إدارة شؤونك، وإنما أيضًا مدى استعداد غيرك لإقراضك، ومدى تلهفه على توريطك في الديون".

عهد سعيد.. ديون بلا تنمية

كان سعيد باشا رجلاً طيبًا ومتساهلاً، ولا يجد غضاضة في إنفاق المال للخروج من أي مأزق، كما يرى جلال أمين، لدرجة أن أحد المؤرخين يروي عن توقيع سعيد اتفاقية إنشاء قناة السويس دون أن يقرأها أو يستشير مستشاريه، لأنه كان معتقدًا أن صديقه دليسيبس لن يخدعه.

تورط سعيد في الديون عام 1857، بعد 3 أعوام من توليه الحكم، وقتها كان متأخرًا عن دفع مرتبات الموظفين وجزية السلطان، فلجأ إلى البنوك الأوروبية التي كانت موجودة في الإسكندرية، ثم أصدر أذونات على الخزانة  تتراوح مدتها بين 6 أشهر و3 سنوات، بسعر فائدة يتراوح بين 15 و18%، في نفس الوقت الذي كان فيه السعر السائد في أوروبا لا يزيد على 7%.

لم تكف المبالغ التي استدانها، فلجأ إلى أخذ قرض باسمه عام 1860، من أحد مصارف فرنسا، قيمته 1.2مليون جنيه إسترليني، بفائدة قدرها 6%، لكنه لم يصله منها إلا نحو 3 أرباع المبلغ بعد خصم العمولات والمصروفات، وبعد عامين، عقد أول قرض خارجي باسم الدولة المصرية في هذا الوقت، من مصرف أوبنهايم الألماني، وكانت قيمته 2.5 مليون جنيه إسترليني، بفائدة قدرها 11%، كانت مدة سداد القرض 30 سنة، وكان عليه أن يسدد مبلغ 8.2 مليون جنيه إسترليني بعد إضافة الرسوم والفوائد السنوية لهذا القرض.

كانت الديون المصرية الخارجية 91 مليون جنيه - بما فيها ديون الخديوي نفسه - وقت تولي لجنة إدارة الدين عام 1876، لكنها زادت لـ116 مليون في 1900 بفعل الديون التي اقترضها الاحتلال

مات سعيد في العام التالي وترك وراءه كل هذه الديون، لكن ماذا حدث من تنمية على أرض الواقع، جعل ديون مصر 5 أمثال الإيرادات الحكومية؟ لم تحدث في عهد الرجل تنمية صناعية أو زراعية أو عسكرية، بل كانت كل مشاريعه تصب في صالح الأجانب في ذلك الوقت، مثل خط سكة حديد من القاهرة إلى السويس الذي تم بإلحاح من بريطانيا لنقل جنودها إلى الهند، قبل أن يتم إنشاء قناة السويس في عهده التي لم تكن تخدم المصريين أيضًا.

إسماعيل والاستدانة في عصر الرخاء

عندما تولى إسماعيل الحكم عام 1863، كانت الحرب الأهلية الأمريكية قد بدأت، وازداد الطلب على القطن المصري الذي ارتفع سعره 100% ، ومع زيادة حجم الصادرات ارتفعت إيرادات التصدير إلى 3 أضعاف، رغم ذلك، اقترض إسماعيل في نفس العام قرض بمبلغ 5.7 مليون، وفي العام التالي 2.4 مليون.  

كان إسماعيل يقدر أن يستغني عن أخذ ديون جديدة، كما أنه كان يستطيع سداد الديون التي حصل عليها أخوه، إذا دفع أقل من 9% من إيرادات الحكومة كل عام، حيث كان الدين مستحق السداد على 30 عامًا.  

بعد 13 عامًا من حكمه، لم يعد إسماعيل قادرًا على سداد الديون، وتولى مراقبون أجانب الإدارة المالية لمصر، كانت الجرائد الأوروبية تمتدح الرجل الذي كان يقترض من مصارف بلادهم ويسدد ويستورد منهم، ويصفونه بالرجل العظيم، ويسعى قناصل أوروبا لاستقلاله بشكل أكبر عن الدولة العثمانية، لكنه بعدما توقف عن السداد بدأت تلك الصحف في سبه ووصفه بالحاكم الظالم الذي يسيء لعشيقاته، ودبر موت أخيه ليستولى على عرشه.

يعرض جلال أمين في الكتاب، كيف كان إسماعيل مهتمًا بالإنفاق على البنية التحتية والتعليم، وإن لم يتوسع في المشروعات الصناعية، إلا أنه يؤخذ عليه قدرته على وقف الاستدانة وسداد الديون القديمة، ولكنه لم يفعل، ويذهب أمين إلى أن تورط مصر في الديون في عهد إسماعيل لم يكن مصادفة أن يتواكب مع تورط الدولة العثمانية فيها، وأن يفلس إسماعيل بعد عام واحد من إفلاس الباب العالي، حيث كان الأمر ظاهرة دولية عامة، ليس سببها تبذير إسماعيل بقدر ما هو حاجة أوروبية للإقراض.

كانت السنوات التالية للنكسة مرحلة مختلفة مر بها الاقتصاد المصري، حيث خسرت مصر معونات الدول الغربية وواجهت ضغوطًا لفتح السوق أمام الواردات القادمة من هناك

الاقتصاد في خدمة الدائنين

قدمت القوات البريطانية إلى مصر في عام 1882، وكانت مصر خلال العقود الثلاث الأولى تشهد نموًا سريعًا هدفه خدمة الدائنين، وينقل جلال أمين عن الدكتور علي الجربتلي قوله: "كان الهدف الوحيد للإدارة البريطانية في السنوات التالية زيادة مساحة الأراضي المروية ريًا دائمًا، والمساحة المزروعة بالقطن بدفاع توليد إيرادات كافية من النقد الأجنبي لخدمة الدين الخارجي الضخم".

في الأساس كانت الديون المصرية الخارجية 91 مليون جنيه - بما فيها ديون الخديوي نفسه - وقت تولي لجنة إدارة الدين عام 1876، لكنها زادت لـ116 مليون في 1900 بفعل الديون التي اقترضها الاحتلال.

رغم أن الاحتلال خصص ما بين 35 و46% من إجمالي الإيرادات الحكومية لسداد الديون، كانت مصر في عام 1914 قد سددت 145 مليون لخدمة الدين، منها 115 مليون فوائد، و30 مليون فقط من مديونيتها التي كان 116 مليون جنيه في 1900.

تمكنت مصر من سداد هذه الديون كلها عندما قفزت الاستثمارات الأجنبية من 6 ملايين جنيه إلى 60 مليون، خلال 15 عامًا، من 1892 وحتى 1907، وبعد قيام الحرب العالمية الأولى ارتفعت قيمة القطن المصري، وأنفقت بريطانيا على قواتها في مصر، فأدى ذلك لفائض في ميزان المدفوعات يقدر بـ139 مليون، استطاعت به سداد خدمة الدين، وحماية نفسها من الكساد العالمي، وانخفض الدين إلى 39 مليون بدلاً من 86.

ورغم انخفاض مبيعات القطن في السنوات اللاحقة وعجز الميزان التجاري، واستطاعت تسديد باقي الدين بالكامل، إلا أن الإنفاق العسكري لقوات الحلفاء على قواتها في مصر مكن مصر من تحويل الدين الخارجي إلى محلي، وصارت بريطانيا مطالبة بتسديد 340 مليون جنيه لمصر.

خلال فترة السادات كان السبب في ارتفاع الديون في النصف الأول من عهد السادات حسب جلال أمين هو إطلاق حرية استيراد السلع الضرورية وغير الضرورية مع قلة المواد من العملات الأجنبية

عبد الناصر يتسلم بلدًا دائنة لبريطانيا، ويسلمها مدينة

رغم أن الرئيس جمال عبد الناصر تسلم البلاد ولديها رصيد مستحق من الجنيهات الإسترلينية، فإن هذا الرصيد لم يصمد أمام المشاريع وحجم الإنفاق الكبير الذي قام به الرجل.

وقعت مصر في السنوات الأولى للثورة على قروض روسية لتمويل مصنع حلوان للحديد والصلب وتمويل بناء السد العالي، قيمة أحدهما 170 مليون دولار، والآخر 97 مليون دولار، ووقعت اتفاق تعاون مع ألمانيا الغربية قيمته 124 مليون دولار.

بالإضافة إلى ذلك دفع تعويضات للأجانب التي أممت ممتلكاتهم وشركة قناة السويس بعد تأميمها، بالإضافة إلى تعويضات للسودان الذي غرقت أراضيه بعد ملء السد العالي، ومساعدات لدول أخرى مثل الجزائر ومالي.

ورغم إنفاقها على مشاريع صناعية تساهم في تنمية البلاد، فإن جلال أمين يرى أن ما يجعل الاقتراض مبررًا أو غير مبرر قدرة الدولة على السداد، تلقى عبد الناصر أرقامًا كبيرةً من المساعدات الخارجية لكن الاعتماد عليها لتدشين معدلات تنمية مرتفعة كان مفرطًا في الطموح.

كانت السنوات التالية للنكسة مرحلة مختلفة مر بها الاقتصاد المصري، حيث خسرت مصر معونات الدول الغربية وواجهت ضغوطًا لفتح السوق أمام الواردات القادمة من هناك، كما دخلت البلاد فترة من الركود، بعد خسارة بترول سيناء ونقص إيرادات السياحة وإغلاق قناة السويس، بالإضافة إلى فاتورة الإنفاق العسكري على البلاد التي دخلت في حرب استنزاف، وحضور موعد سداد الديون التي اقترضها قبل الحرب، ولذلك كان الحل استدانة قروض جديدة.

لكنه كان يتجنب توريط نفسه في مبالغ ضخمة هذه المرة، وكانت الديون موزعة بالتوازن على دول العالم بين الشرق والغرب، بالإضافة إلى الاعتماد على المعونات السوفييتية والعربية لسد العجز.

الديون تزيد في عهد السادات

انقسمت فترة حكم السادات إلى فترتين من حيث الوضع الاقتصادي، حيث كانت سنوات الحرب ذات طبيعة معينة في الاستدانة، وسنوات الرخاء والانفتاح الاقتصادي ذات طبيعة أخرى.

يشبه جلال أمين فترة السادات بفترة حكم إسماعيل باشا الذي كان قادرًا على وقف الاستدانة ولكنه لجأ إليها مرة أخرى

خلال فترة السادات كان السبب في ارتفاع الديون في النصف الأول من عهد السادات حسب جلال أمين هو إطلاق حرية استيراد السلع الضرورية وغير الضرورية مع قلة المواد من العملات الأجنبية، واللجوء المفرط للقروض قصيرة الأجل، لتمويل عجز ميزان المعاملات الجارية.

وفي ظل الأزمة التي تلت الحرب والشكوى من غلاء الأسعار، فإن السادات لم يستطع الحصول على موارد جديدة، سواء على شكل قروض من دول خليجية أو من هيئات دولية، ومع انتفاضة عام 1977 وجد السادات نفسه مضطرًا لفعل شيء، كان هذا الشيء حسب أمين، زيارة القدس ومبادرة السلام.

ورغم ما حدث بعدها من سيولة مترتبة على زيادة الحاصلات البترولية وتحويلات المصريين في الخارج، الأمر الذي لم يكن يحتاج معه للاقتراض، وجد السادات الباب مفتوحًا أمامه للاستدانة من جديد، وارتفعت الديون الخارجية في نهاية عهده إلى 14.3 بليون دولار، بعد أن كانت 4.8 بليون دولار في 1975، و1.7 بليون دولار وقت وفاة عبد الناصر.

يشبه جلال أمين فترة السادات بفترة حكم إسماعيل باشا الذي كان قادرًا على وقف الاستدانة ولكنه لجأ إليها مرة أخرى.

مبارك وديون جديدة

بعد تولي مبارك الحكم كانت أسعار البترول في انخفاض كبير، وفي المقابل كانت الحاجة قائمة للاقتراض وتمويل الخطة الخمسية التي أعدها مبارك للسنوات الأولي من حكمه، وللإنفاق على تطوير المرافق العامة التي صارت أكثر تطورًا من قبل، لكن الديون أيضًا صارت أكبر حجمًا، حيث ارتفعت في 1990 إلى نحو 45 بليون دولار، أي ما يعادل 150% من الناتج المحلي.

وبعد خوض مصر حرب الخليج، حصلت على إعفاءات من الديون، قامت بها دول خليجية ودول نادي باريس، وصلت إلى 50% من حجم الديون، فوصلت إلى 24 بليون دولار، ومنذ هذه اللحظة، وشهدت مصر معدل مستقر لحجم الدين الخارجي، حيث لم يزد سوى 5 بليون دولار حتى 2004.

توسعت مصر في عهد السيسي في الاقتراض من الخارج، دون الوضع في الاعتبار كيفية تسديد هذه الديون، ومدى ثقل ذلك على المواطنين.

ويكمن خطأ هذا التوجه حسب أمين إلى أن جزءًا لا يستهان به من الديون في السبعينيات والثمانينيات بضغط وإغراء من المقرضين، وأن الجزء الأكبر من القروض يكون من هذا النوع، بالإضافة إلى استسهال أصحاب القرار في الاقتراض دون الأخذ في الاعتبار الآثار المدمرة للقروض على المدى الطويل، لأنه يعفيهم من تحمل الأعباء السياسية التي يفترض عليهم تحملها بإيجاد حل بديل يعتمد على الذات.

بهذه التطورات يحكي جلال أمين قصة الاقتصاد المصري والديون منذ عهد محمد علي حتى مبارك، وهو النهج الذي يبدو متشابهًا ومكررًا، ديون غير مدروسة ومتسرعة، يتبعها أزمة اقتصادية، تصادف حربًا في المنطقة تشارك فيها مصر بشكل ما، وتتخفف في المقابل من بعض الديون.

يبدو الأمر نفسه متكرر الآن، فتوسعت مصر في عهد السيسي في الاقتراض من الخارج، دون الوضع في الاعتبار كيفية تسديد هذه الديون، ومدى ثقل ذلك على المواطنين.