الثورة التونسية بعد 7 سنوات

في الوقت الذي انتصرت فيه قوى الثورة المضادة في عديد الدول التي مرّت عليها نسمات الربيع العربي، منذ يناير 2011، مازالت هذه القوى تحاول جاهدة بكل ما أوتي لها من "خبث" و"مكر" أن تعبث بالثورة التونسية، وأن تبعثر أوراق هذه التجربة التي أشادت بها معظم الدول والمنظمات العالمية والإقليمية.

محاولات قوى الثورة المضادة إرباك الدولة التونسية، اتخذت أشكال عدّة بدأ من الاغتيالات إلى بثّ الفوضى والعنف في البلاد، إلى تعطيل الاستثمارات، وتعطيل العمل وتشويه صورة الثورة في الخارج، وصولا هذه المرة إلى تحريض الجيش على التدخّل في الحياة السياسية والانقلاب على التجربة الديمقراطية، وغيرها من الأشكال التي فشلت جميعها في الوصول إلى مبتغاها حتى الآن.

دعوة الجيش للتدخل

الأحد الماضي، نشرت مؤسسة الإذاعة التونسية، بيانا، أكّدت فيه "تعرّض حساب الإذاعة الوطنية عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" للقرصنة وانتحال صفتها لبث رسائل هدفها الأساسي إثارة البلبلة"، وأكّد البيان أن هذه العملية "تمّت من خلال صفحة تحمل اسم Made-in America"، و"نشرت مواقف تمس بسيادة تونس وأمنها ومسارها الديمقراطي الذي انتهجته منذ الثورة من خلال الدعوة إلى انقلاب عسكري."

وتضمّن التعليق التحريضي الذي تحدّثت عنه الإذاعة التونسية دعوة الجيش للتدخل في الحياة السياسية في البلاد، الأمر الذي جعل الإذاعة "تدعو النيابة العمومية لمباشرة التحقيق في القضية باعتبارها على غاية من الخطورة"، وفق نصّ البيان.

تعرّف الثورة المضادة على أنها إجراء مضاد لإجهاض الثورة الحقيقية والهاء الشعب والمجتمع عن البحث في المطالب والأهداف التي قامت من أجلها الثورة ومدى تحقيقها

بيان يعيد إلى الأذهان محاولات الثورة المضادة ضرب الثورة التونسية، خاصة وأن عملية القرصنة تمّت في وقت اشتدّت فيه حملات هذه القوى المحلية والاقليمية على تونس من كل الاتجاهات والمجالات، بهدف ارباك البلاد في ذكرى الاحتفال بثورتها، وتعرّف الثورة المضادة على أنها إجراء مضاد لإجهاض الثورة الحقيقية والهاء الشعب والمجتمع عن البحث في المطالب والأهداف التي قامت من أجلها الثورة ومدى تحقيقها

اتهام تونسيون لقوى الثورة المضادة بالوقوف وراء هذه العملية، رغم عدم صدور بيان رسمي عن الإذاعة أو السلطات التونسية باتهام أي جهة بالوقوف وراءها، يرجع حسب عديد المراقبين، إلى أن التونسيين اعتادوا مثل هذه العمليات الخبيثة من قبل هذه القوى المعلومة لدى الجميع.

دعوات متكرّرة

دعوة الجيش إلى التدخل في الشأن السياسي للبلاد والقيام بانقلاب عسكري، ليست الأولى من نوعها، فقد سبقتها مرّات عدّة، ففي الـ 24 من شهر أكتوبر/تشرين الأول سنة 2013، دعت النائبة في البرلمان مباركة البراهمي عن حركة الشعب خلال اجتماع شعبي لها بأنصارها في باريس، قوات الجيش الوطني إلى المساعدة في إسقاط حركة النهضة ومحاكمة قيادتها.

وطرح غيرها فكرة عقد مؤتمر وطني للإنقاذ سنة 2013 وإمكانية اشتراك الجيش فيه بشكل فعال وواسع، مع فرضية تسلم الجيش لزمام الأمور إذا فشل المشاركون في المؤتمر المقترح عقده في إيجاد حلول ناجعة والتوافق فيما بينهم على صيغة الحكم بعد الإطاحة بحكومة الترويكا.

أثبت الجيش التونسي خلال الثورة ولاءه الكامل للشعب

وفي شهر سبتمبر من نفس السنة أيضا، وجه الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية -إئتلاف أحزاب يسارية- حمة الهمامي رسالة من على منبر قناة تلفزيونية تونسية خاصة، أكد من خلالها أنه على يقين أن الجيش والأمن سيدعمان الانقلاب على النهضة.

وقبل ذلك، في مايو 2012، دعا القيادي في حركة نداء تونس، آنذاك، الطاهر بن حسين (استقال من النداء وأسس حزب مستقبل تونس)، من على منبر قناته التلفزيونية الخاصة، عناصر الجيش إلى عصيان أوامر القيادة، للإطاحة بحكومة الترويكا التي تقودها، حينها، حركة النهضة الإسلامية.

الجيش متراجع عن الواجهة

هذه الدعوات المختلفة لانقلاب عسكري في تونس، والتي وجّهت جميعها من قبل قوى الثورة المضادة في داخل البلاد وخارجها، وُجهت بالرفض، فالجيش الذي رفض تسلّم السلطة عشية 14 يناير/كانون الثاني 2011، رغم أن كل الظروف متاحة أمامه حينها، ليس له أن يقبل الانقلاب على إرادة الشعب التونسي الذي يرفض عسكرة الدولة.

ويرجع متابعون للشأن العام في تونس، انحياز الجيش التونسي للثورة من أول أيامها ومساهمته في نجاح عملية الانتقال الديمقراطية وزهده من الحكم إلى العقيدة الديمقراطية التي تأسس عليها الجيش التونسي، فهو يعي أن مهمته حفظ السلام والمساهمة في عمليات الإنقاذ في حال حدوث كوارث الأمر الذي جعله يتكفل بحفظ الأمن، ويؤمّن نجاح الانتخابات في البلاد منذ يناير 2011 ليعود بعد ذلك إلى ثكناته.

يذهب بعض المتابعين إلى اعتبار أن عزل الجيش عن دائرة الفعل السياسي وتهميش دوره في أغلب الأحيان وعدم ارتباطه بها، ولّد لدى المنتمين لهذه المؤسسة عامل قوة يحسب لفائدتها زمن الثورة

ويؤكد البعض أن قيادة الجيش قد اختارت موقفا غير داعم لقوى الثورة المضادة انطلاقًا من إيمانها أن السيادة للشعب وأن الكلمة الفصل له، فعشية هروب بن علي يوم 14 يناير 2011، عرفت تونس فراغًا سياسيًا وأمنيًا ملأه الجيش فمثل أحد أهم عوامل الاستقرار وحفظ التوازن بين مختلف الأطراف الفكرية والسياسية وتمكن من استعادة الأمن العام وفرض قانون الطوارئ.

وخلال السنوات الماضية، اكتفى الجيش التونسي بتأمين الظروف الأمنية لعملية الانتقال السياسي والإشراف الأمني على الانتخابات والمساعدة في استقبال مئات الآلاف من اللاجئين الفارين من الحرب في ليبيا إبان الثورة على نظام العقيد الراحل معمر القذافي.

ويذهب بعض المتابعين إلى اعتبار أن عزل الجيش عن دائرة الفعل السياسي وتهميش دوره في أغلب الأحيان وعدم ارتباطه بها، ولّد لدى المنتمين لهذه المؤسسة عامل قوة يحسب لفائدتها زمن الثورة، فلم يكن الجيش التونسي قبل الثورة معروفة لدى أبناء شعبه إلا من خلال إنجاز بعض المشاريع من المسالك وبناء مساكن وربط عديد تجمعات سكانية بشبكتي الماء الصالح للشراب والكهرباء وبناء الجسور وحفر الآبار وتهيئة بعض المناطق الصحراوية.

محاولات عدّة لضرب التجربة التونسية

محاولات ضرب الثورة التونسية لم تكن عن طريق دعوة الجيش للانقلاب على المسار الديمقراطي وتسلّم زمام الحكم فقط، بل عرفت أوجه أخرى أهمها الاغتيالات السياسية، فقد شهدت تونس خلال السنوات الأخيرة اغتيالين سياسيين كادا أن يجهضا الثورة وأن يعودا بالبلاد إلى مربّع الصفر أو حتى دونه.

الاغتيال الأول، تم يوم 6 فبراير/شباط 2013، حيث قُتل السياسي اليساري شكري بلعيد بأربع رصاصات واحدة بالرأس وواحدة بالرقبة ورصاصتين بالصدر أمام منزله من قِبل مجهولين في حادثة وُصِفت بأنها "أول عملية اغتيال سياسي" داخل تونس منذ استقلالها عن فرنسا في 20 مارس 1956، ودخلت على إثرها البلاد في أزمة حادة نتجت عنها استقالة حكومة حمادي الجبالي.

جنازة محمد البراهمي

الاغتيال الثاني، تمّ يوم 25 يوليو / تموز2013، حيث اغتيل النائب في المجلس التأسيسي عن التيار الشعبي محمد البراهمي من قبل مجموعة مسلحة أمام منزله، وتسبّب اغتيال البراهمي في أزمة سياسية آنذاك توقف على إثرها أعمال المجلس التأسيسي، ولم تخرج منها تونس إلا بالحوار الوطني الذي أفرز استقالة حكومة علي العريض وانتقال الحكم إلى حكومة تكنوقراط، فضلا عن المصادقة على الدستور.

تدخّل الثورة المضادة في مهد الربيع العربي، ومحاولات السيطرة على مسار الثورة والتحكّم فيها وافشالها، كان أيضا عن طريق المال السياسي الخليجي الفاسد الذي أحيى رموز الفساد والاستبداد من رماد واشترى ذمم أغلب النخب المتلحفة برداء الحداثة الزائفة، وساهم في عودة هذه الرموز إلى الواجهة وتصدّرها المشهد السياسي في البلاد.

حاولت هذه القوى جرّ الشعب التونسي إلى افتعال العنف واستهداف مؤسسات الدولة، في إطار عملها لإفشال مسار عملية الانتقال الديمقراطي في تونس

الثورة المضادة، تدخّلت أيضا عن طريق الاعتصامات والإضرابات التي دعت إليها قيادات النقابات العمالية التي أشعلت ما يزيد عن 30 ألف اضراب، فأثخنت جسد الاقتصاد الوطني، وأفرغت جيب العامل الفقير المنهك أصلا، وأنهكت وعيه بالمنجز الكبير من أجل أن يكفُر بالثورة وبالثوار، وكان ذلك.

محاولات ضرب التجربة التونسية، وارباك الانتقال الديمقراطي في البلاد، كان أيضا عن طريق بثّ الفرقة بين أبناء الشعب الواحد والنفخ في الانقسامات الايديلوجية، واستدعاء صراعات الماضي بين مختلف التيارات الفكرية والدينية والحزبية.

فضلا عن ذلك، حاولت هذه القوى جرّ الشعب التونسي إلى افتعال العنف واستهداف مؤسسات الدولة، في إطار عملها لإفشال مسار عملية الانتقال الديمقراطي في تونس وإرباك الديمقراطية الناشئة في البلاد بغية السيطرة على الحكم.

فشل الثورة المضادة في مسعها

نجحت قوى الثورة المضادة في مساعيها مرة وكادت أن تجهض الثورة، وفشلت في مرات عدة في تمرير أجندتها نتيجة فشلها في اختيار المنفذين وقصر بصرها وراديكالية أفكارها، واقتناع أكثر الأطراف السياسية نفوذا في البلاد بأنّ التوافق الذي اعتمدته حركة النهضة سنة 2011 السبيل الوحيد في الوقت الحالي لحكم تونس.

وبرز التوافق السياسي كآلية مهمة في إدارة المرحل الانتقالية في التجربة التونسية عقب ثورة يناير 2011، انطلق بتجربة الترويكا (حركة النهضة، المؤتمر من أجل الجمهورية، التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات)، بعد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي أكتوبر2011، ثم حكومة مهدي جمعة (تكنوقراط)، فحكومة الحبيب الصيد الأولى والثانية (حركة نداء تونس، حركة النهضة، آفاق تونس، الاتحاد الوطني الحر)، وصولاً إلى حكومة يوسف الشاهد الحالية (حركة نداء تونس، حركة النهضة، آفاق تونس، حزب المسار، حركة الشعب، حزب الجمهوري).

 وجنّب التوافق البلاد بعض الويلات التي كانت ستحصل في غيابه، وأفرز دستور عصري، أشادت به الدول وانتخابات برلمانية ورئاسية، وساهم في تخفيض منسوب التوظيف الأيديولوجي، الذي كاد أن يربط البلاد وأن يدخلها في صراعات حادة.

جنّبت سياسة التوافق البلاد عديد الأزمات

ويعد التوافق السياسي في تونس "أحد أهم مقومات الصمود أمام محاولات الانفلات بالوضع الاجتماعي والأمني في البلاد"، حسب تصريح سابق لأستاذ العلوم السياسية بالجامعة التونسية هاني مبارك، لنون بوست"، الذي أكّد أيضا أن "هذا التوافق أغلق مساحات كبرى من الفراغات التي كان يمكن للانفلات النفاذ من خلالها حيث ضيق من هوامش المناورة من قبل الأطراف وسد منافذ التلاعب على المتناقضات".

وتشير عديد من التقارير أن فشل حكم الإخوان المسلمين في مصر وارتفاع منسوب العنف في ليبيا بعد إقرار قانون العزل السياسي، كانا من بين أهم الأسباب التي دعمت تجربة التوافق في تونس وتوظيف منطق التنازلات السياسية التي أثَرت في مجمل المسار الانتقالي بشقيه السياسي والقانوني، إلا أن هذا التوافق ورغم الاستقرار الهش الذي نتج عنه، فإنه يبقى مرهونًا بتجليات مستقبل قريب قد يعاد فيه رسم الخارطة السياسية التونسية ومراجعة صيغ الائتلاف الراهنة باتجاه تشكيل تحالفات جديدة.