طفل يحمل علم الثورة السورية

كثرت في الأشهر الماضية الاجتماعات العشائرية والتكتلات القبلية، وعلت الأصوات المطالبة بإحياء الانتماء العشائري كونه يسهم في استقطاب فئات كبيرة من المجتمع السوري لصالح الثورة السورية، لأن ذلك في رأي البعض يسحب البساط من النظام الذي يعمل على استثمار المكون العشائري لصفه، ذلك المكون الذي يشكل 60% من الشعب السوري.

يرى البعض أن إحياء الانتماء العشائري له دور في الإصلاح الاجتماعي لمجتمع يحترم التقاليد العشائرية ويراعي أعرافها، وبالتالي يمكن أن يسهم في نشر بعض من الأمن المفقود في مناطق المعارضة مثل السطو المسلح والاغتيالات، وكذلك السعي في قضايا المصالحة سواء بين الفصائل أو بين فئات المجتمع.

في حين ينظر آخرون لهذه الاجتماعات العشائرية كونها تزيد من الانقسام الاجتماعي، وتثير النعرات القبلية والمناطقية، ولا تخلو من الاستجابة للرغبات الخارجية لبعض الدول، وأن العشائرية سهلة الاستثمار لإحداث الخلل في الثورة ومزيد من تدجينها.

في هذا الموضوع يقول الشيخ مضر الأسعد المنسق العام للمجلس الأعلى للعشائر والقبائل السورية إن "سوريا من الدول العربية القليلة التي تكون فيها نسبة السكان الأكبر من أبناء العشائر، إذا كانت عربية أو تركمانية أو مسيحية أو كردية، وتلك العشائر تشكل أكثر من 75% من سكان وجغرافية سوريا".

الأسعد أكد أن هناك أدوارًا كثيرة تقوم بها العشائر في سوريا، فهي تساهم بشكل كبير في وحدة سوريا أرضًا وشعبًا

وقد حاول بعض قادة الأحزاب أو الشعوبيين في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وخاصة بعد تسلم حزب البعث السلطة مع انقلاب 8 أذار عام 1963 وبعد انقلاب الأسد عام 1970، محاربة القبيلة وخاصة أمراء وشيوخ العشائر من خلال مصادرة ممتلكاتهم وأراضيهم الزراعية ومنازلهم من خلال قوانين جائرة منها قانون الاعتماد أو التأميم، من أجل أن تحل الأيدلوجية مكان القبيلة والانتماء القبلي ليكون الانتماء للحزب والسلطة.

وكما نعرف الانتماء القبلي هو انتماء الدم الواحد والقرابة، ولهذا وبسبب الانفلات الأمني ومحاربة نظام الأسد للشعب السوري والتدخل الروسي وإيران وحزب الله وتنظيم الدولة، تكاتف أفراد القبائل من أجل حماية أنفسهم.

ويضيف الأسعد في حديث لـ"نون بوست" إن "أبناء العشائر لهم دور كبير جدًا في الثورة السورية، والعشائر السورية الكبيرة قدمت الكثير من التضحيات والأبطال أمثال: العقيدات والموالي والجبور والبكارة والبوخابور والنعيم والحديدين والبوبنا والبوشعبان وبني صخر الخريشة والمسالمة والمحاميد والحريري والتركاوي والتمو والمحلمية وظفير، ولكن نحن في بداية الثورة ومن أجل عدم التفرقة وزرع الحساسية قلنا إن قبيلتنا هي (قبيلة الثورة).

ويشير الأسعد إلى أن "القبيلة السورية كانت لها الأيادي البيضاء في الاستقلال وبناء الدولة السورية من حكومة الملك فيصل إلى اليوم، والعشائر السورية ومن بداية الثورة حاربت النظام من خلال تصدي قبائل وعشائر وعائلات  محافظات الحسكة وديرالزور والرقة ومنبج وإدلب وريف حماه وحمص والبادية والجنوب السوري وحلب".

مضيفًا أن هناك أدوارًا كثيرة تقوم بها العشائر في سوريا، فهي تساهم بشكل كبير في وحدة سوريا أرضًا وشعبًا، وتعمل على نشر السلم الأهلي  والمجتمعي وفض النزاعات، كما تعمل على فرض الأمن والأمان في المناطق التي توجد فيها القبائل والعشائر من كل الأطياف والقوميات والإثنيات وطرد العصابات ومنع التطرف الديني والقومي، وأيضًا تقوم بالمحافظة على الممتلكات الخاصة والعامة والبنى التحتية، ولها دور في المساهمة في بناء الدولة السورية الجديدة.

نافيًا في الوقت نفسه أن تكون مؤتمرات العشائر مؤامرة من أجل إحداث انقسام اجتماعي، "نحن من خلال المؤتمر العام للعشائر والقبائل السورية استطعنا أن نجمع أكثر من 90 عشيرة وقبيلة عربية وكردية وتركمانية ومسيحية يمثلهم أكثر من 362 شخصية سورية، وهذا شيء جيد وإيجابي لتعزيز المحبة والتعاون بين أبناء الشعب السوري".

يرى الناشط معن خلف أن هناك مخاطر مترتبة على إحياء الانتماءات العشائرية من قبيل تحولها لطريق يدخل من خلاله النظام، وأيضًا يمكن أن يكون لروسيا يد في إحياء العشائرية لكي تسرق هذه الولاءات

ويواصل الأسعد قوله: "علينا أن نتكلم بصراحة، اليوم القبيلة السورية لها عدة اتجاهات بين معارضة وموالاة، ولكن النسبة الأكبر والساحقة مع الثورة وضد النظام، والباقي مع النظام من خلال الترغيب والترهيب، وشيوخ العشائر الأصلاء وقفوا مع الثورة ضد نظام الأسد والاحتلال الروسي الإيراني وحزب الله والـbyd والمليشيات الإيرانية".

جيش العشائر في الجنوب السوري

من جهته يرى الباحث في شؤون العشائر ممدوح الحمد أن النظام استطاع أن يجند بعض أبناء العشائر إلى جانبه كقوات عسكرية وحواضن اجتماعية، وهذا ما عجزت عنه الفصائل أو تجاهلته خاصة في بداية الثورة، كما أن النظام الآن يسعى لتشكيل "جيش العشائر" لاستخدامه في حربه ضد الشعب السوري وهذا يحضره الآن.

ويقول الباحث في حديث لـ"نون بوست" إن "العشيرة مكون مهم في المجتمع السوري ولذا على الفصائل والسياسيين المعارضيين استثمارها وتوجيهها لصالح الثورة، فهي مشروع خام لا بد من العمل في حقلها، ويجب قطع الطريق على النظام الذي يريد تحويل العشائر إلى صفه ونجح في ذلك بعض الشيء، وهنا على الفصائل المسارعة في استقطاب العشائر والتعامل معها بطريقة معينة، فقد نجحت قوات "قسد" في تحويل قسم مهم من عشائر الشرق السوري لصالحها".

في هذا الإطار يرى الناشط معن خلف بأن احياء ظاهرة العشائرية أمر سلبي يكرس الانقسام الذي هو أصلاً متفاقم في المجتمع الثوري السوري، وأن العشائر سهلة الانقياد ولذا يمكن أن تشكل ثورة مضادة لصالح المحتليين كالروس والنظام وغيرهم كما حدث ذلك في العراق أيام الغزو الأمريكي، إذ تحولت بعض العشائر إلى أداة احتلال ضد أبناء جلدتهم.

ويقول الناشط في حديث لـ"نون بوست" إن "هناك مخاطر مترتبة على إحياء الانتماءات العشائرية من قبيل تحولها لطريق يدخل من خلاله النظام، وأيضًا يمكن أن يكون لروسيا يد في إحياء العشائرية لكي تسرق هذه الولاءات، ومن هنا ربما أوعزت لتركيا بالتعمال مع العشائر كون تركيا تملك خبرة في كيفية برمجة العشائر منذ العثمانيين".

معتبرًا أن إحياء الانتماء العشائري ولد صراعات حاليًّا داخل مكونات العشائر نفسها مثل صراع العائلات على زعامة العشيرة، ووصلت الأمور لحد خطير.