تتصاعد الاحتجاجات في قطاع الصحة في الجزائر يوما بعد يوم من قبل مختلف الأسلاك المنتمين له من أطباء وممرضين وعمال مهنيين وطلبة، مقابل جمود حكومي في اتخاذ التدابير اللازمة لفك قنابل هذا القطاع الذي تتراكم مشاكله السنة تلوى الأخرى.

ولم تفلح اللقاءات التي أجراها وزير الصحة والسكان وإصلاح المستشفيات البروفيسور مختار حسبلاوي مع النقابات ومختلف الشركاء الاجتماعيين في إخماد الغليان الذي يعيشه هذا القطاع الحيوي في البلاد، ليسير هو الآخر على نهج فشل سابقيه من الوزراء الذين لم يستطيعوا إنهاء مشاكل الفاعلين في مجال الصحة في الجزائر.

الأطباء المقيمون القطرة التي أفاضت الكأس

لم يسبق ربما لوزير في الصحة أن وجهت له انتقادات كالتي انهالت على الوزير مختار حسبلاوي في الأيام الأخيرة، بعد الضرب الذي تعرض له الأطباء المقيمون من قبل أعوان الشرطة الذي منعوهم من القيام بمسيرة في العاصمة الجزائر تنفيذا لقرار وزارة الداخلية الذي يمنع تنظيم مسيرات بها منذ سنوات.

ومنعت قوات مكافحة الشغب الأطباء المقيمين (الأطباء الذين درسوا سبع سنوات ويواصلون مشوارهم الجامعي للحصول على شهادة تخصص في مجال معين من الطب) الذين نظموا اعتصاما وطنيا بمستشفى مصطفى باشا الجامعي من الخروج من محيط هذه المؤسسة الإستشفائية لتنظيم مسيرة تؤكد على تمسكهم بمطالبهم المهنية وتستنكر عدم تجاوب الحكومة مع انشغالاتهم.

ليست هذه المرة التي يخرج فيها الأطباء المقيمون إلى الشارع للمطالبة بحقوقهم ، فقد استطاعوا في فبراير شباط 2011 أن يكسروا حاجز منع المسيرات في العاصمة الجزائر عندما نظموا احتجاجا شارك فيه المئات وجاب شوارع العاصمة

ويطالب الأطباء المقيمون بإلغاء الخدمة المدنية التي تلزمهم على العمل 4 سنوات في المناطق النائية، وهو الالزام الذي يرفضونه بسبب عدم توفير الحكومة لظروف العمل بهذه المناطق، خاصة بالنسبة للطبيبات اللواتي قد يسافرن إلى مناطق بعيدة قد لا تتقبلها عائلتهن المحافظات.

 كما تدعو نقابة الأطباء المقيمين إلى تمكين الرجال منهم من ظروف استثنائية في الخدمة العسكرية، كالإعفاء في حال تجاوز سن الثلاثين مثلما استفاد منه بعض العاملين في قطاعات أخرى غير الصحة.

ولقي الضرب الذي تعرض لها الأطباء المقيمون في احتجاجهم حملة  تضامن واسعة واستهجان كبير من قبل المنظمات النقابية والحقوقية، خاصة وأن سلك الطب لا يلتحق به في الجزائر إلا الطلبة النجباء، وتساءل المتعاطفون مع الأطباء أنه كيف للحكومة السماح بان يعامل نخبة البلاد بهذا الشكل فقط لأنهم طالبوا بحقوقهم المشروعة.

وليست هذه المرة التي يخرج فيها الأطباء المقيمون إلى الشارع للمطالبة بحقوقهم ، فقد استطاعوا في فبراير شباط 2011 أن يكسروا حاجز منع المسيرات في العاصمة الجزائر عندما نظموا احتجاجا شارك فيه المئات وجاب شوارع العاصمة حتى تلك القريبة من رئاسة الجمهورية للتأكيد على المطالب ذاتها التي لا تزال عالقة حتى اليوم رغم وعود السلطات بحلها منذ نحو 7 سنوات، وكانت أيضا في عهد الوزير الأول  الحالي احمد أويحي الذي كان يتولى وقتها أيضا رئاسة الحكومة.

تقليص للحريات النقابية

البرلماني مسعود عمراوي قال لـ"نون بوست" إنه يتخوف من أن يكون  ما حدث للأطباء المقيمين تأكيد على سعي السلطات للتضييق على العمل النقابي. وأوضح عمراوي أن "ما يحدث من قمع للنقابات المستقلة في كل حركاتهم الاحتجاجية للمطالبة بحقوقهم المشروعة يعد تحديا صارخا على الحريات التي كفلها الدستور و قوانين الجمهورية المكرسة للتعددية النقابية والسياسية ، وهي سابقة خطيرة تعبر عن التراجع الفاضح والمفضوح عن الاتفاقيات والمعاهدات الدولية المكرسة لحرية التعبير التي صادقت عليها الدولة الجزائرية".

تشدد النقابات على أن يتضمن قانون الصحة الجديد استحداث مجلس أعلى للصحة لضمان تقديم خدمات صحية في مستوى المقاييس المعتمدة دوليا سواء في مؤسسات القطاع العام أو الخاص

وأضاف قائلا "إن ما تابعناه منذ أسابيع من تعد صارخ على مقر نقابة وطنية معتمدة اختارتها النقابات المستقلة لتنظيم ندوة صحفية بها واقتحامها عنوة من طرف رجال الأمن وإخراج المناضلين باستعمال القوة المفرطة وحشرهم في حافلات ، وما نتابعه الْيَوْمَ مع الأطباء المقيمين المنظمين لوقفة سلمية حضارية بحرم مستشفى مصطفى باشا للمطالبة بحقوقهم المشروعة ، وفِي الوقت الذي كانوا ينتظرون تفهم السلطة لمطالبهم احتراما لهم باعتبارهم من النخب ، وتثمينا لجهودهم المبذولة خدمة للوطن والمواطن يفاجؤون بتعنيف بالغ وضرب مبرح سبب لهم جروحا خطيرة وصل حد سيلان دمائهم أمام مرأى المواطنين، بل وكل المشاهدين المتتبعين لهذه المأساة التي بلغت حدا لا تطاق."

قانون الصحة يراوح مكانه

 برأي مراقبين، فإن التململ الذي يعيشه قطاع الصحة يظهر بشكل جلي من خلال التردد الذي تبديه الحكومة في سن قانون جديد للصحة، فرغم خروج مشروع قانون الصحة الجديد منذ سنتين وتقديمه للبرلمان إلا انه سحب أكثر من مرة، ورغم إعادته  في الأشهر الأخيرة من جديد للسلطة التشريعية لدراسته قبل  تقديمه للمناقشة والمصادقة قد يؤجل من جديد بسب اعتراض النقابات والفاعلين من شركاء اجتماعيين على بعض مواده.

وتشدد النقابات على أن يتضمن قانون الصحة الجديد استحداث مجلس أعلى للصحة لضمان تقديم خدمات صحية في مستوى المقاييس المعتمدة دوليا سواء في مؤسسات القطاع العام أو الخاص. ودعت النقابات الوزارة إلى أن يتضمن القانون أيضا إجبارية التكوين المتواصل لكل موظفي قطاع الصحة دون استثناء لأنه السبيل الأمثل للقضاء على الأخطاء الطبية، مع وضع إستراتيجية فعالة لعقلنة تسيير الموارد و الإمكانيات المسخرة للقطاع، والفصل بين دور نقابات قطاع الصحة ومجلس أخلاقيات مهنة الطب.

في انتظار أن تعمل الوزارة ومعها الحكومة الجزائرية ككل على الاستجابة لمطالب النقابات، يبقى قطاع الصحة في الجزائر يعيش غليانا تزداد حرارته يوما بعد يوم

ويلح الشريك الاجتماعي على تفعيل لجنة المستشفيات ورفع الاهتمام بالتكوين في أسلاك شبه الطبي لسد العجز في هذا السلك الناتج عن إحالة العديد منهم على التقاعد، وإعادة النظر في تنظيم معاهد تكوين أساتذة شبه الطبي بنصوص قانونية جديدة، لكن يعيب على الوزارة إهمال مجال الصحة النفسية في مشروع قانون الصحة الجديد الذي لا يتطرق إليها إلا في المادة 309 رغم الدور الكبير للطبيب النفساني في مرافقة المرضى قبل وبعد العلاج.

وفي انتظار أن تعمل الوزارة ومعها الحكومة الجزائرية ككل على الاستجابة لمطالب النقابات، يبقى قطاع الصحة في الجزائر يعيش غليانا تزداد حرارته يوما بعد يوم، ويوازيه انتقاد حاد من المواطنين الذين يشكون تراجع مستوى الخدمات الصحية رغم الملايير التي تصرف من الخزينة العمومية سنويا.