أمتنا المكلومة وشعوبنا المغلوب على أمرها بحاجة إلى كل مساهمة مهما كانت بسيطة أو متواضعة تساعد على انتشالنا من مستنفع الفقر والتخلف والجهل

قلما نجد من الشباب العربي من يحدد لكل مرحلة من مراحل حياته هدفًا يصبو إلى تحقيقه أو يضع خطة لإدارة مهامه اليومية والحياتية، وتتشكل أفعال وتصرفات كثير منهم وفقًا لما يصادفونه من أحداث ويتجاوبون مع ما يعترض أيامهم بما تقتضيه الحاجة الآنية، مما يفوت على الشباب والمجتمع العربي على حد سواء الكثير من الفرص التي كان من الممكن استثمارها بشكل إيجابي، ويزيد من تكلفة تجاوز العقبات والمعضلات الحياتية المختلفة وقد كان من الممكن تحاشي هذه التكلفة لو أنهم أحسنوا التخطيط الشخصي والاستعداد الذاتي ووضعوا الأهداف المناسبة لحياتهم.

ليس من المنصف أن نلقي اللوم على الشباب وحدهم لقصورهم في هذا الجانب، إنما عليهم وعلى المجتمع العربي تقع المسؤولية وإن كان ثمة لوم على الشباب فاللوم مضاعف على المجتمع العربي بكل مرجعياته وأطيافه وعلى المؤسسة الرسمية العربية بكل مستوياتها، فبالرغم من كل ما يحث على العلم ويدعو إلى السعي في الأرض والتفقه في علوم الدين والدنيا من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، إلا أن الثقافة العربية الراهنة لا تتبنى بشكل جاد التخطيط للمستقبل كأسلوب حياة ومنهاج تنشأُ عليه الأجيال المتلاحقة، ولا تهتم كما يجب بعلوم إدارة وتنمية الموارد البشرية، وأشد قسوة من ذلك أن الشواغر شحيحة في ديارنا لما تعانيه من ضعف وتأخر في النواحي التكنولوجية وعلوم العصر الحديثة.

هذا غير أن غالبية الفرص المتاحة منهوبة من أصحاب الشأن والسيادة يحرمون منها عامة الناس حتى وإن كان منهم من يستحقها بجدارة فعله أو نباهة عقله، وللأسف لا يجد شباب العرب الذين يملكون شغفًا بالمستقبل وتدغدغ مشاعرهم الحاجة لتطوير الذات وعندهم الاستعداد لبذل ما بوسعهم من طاقة في سبيل الوصول للنجاح والتميز من يمهد لهم الطريق أو من يمد لهم يد المساعدة أو يرحب بمبادراتهم ويشجع فعالياتهم.

عزائم الرجال من شباب العرب ما لبثت أن نهضت واعادت للعرب وحدتهم ومجدهم وعزتهم واستطاعوا أن ينقلبوا من الضعف والمهانة إلى القوة والسيادة، وإننا في حقبتنا الزمنية هذه أحوج ما نكون لدراسة منهجية سليمة لتاريخنا العربي

إضافة إلى أن الواقع الذي نحياه في بلادنا يترك الشاب عرضة للوقوع في شِباك الإحباط واليأس ويؤثر سلبًا على دافعيتهم وشغفهم بالحياة والمستقبل فمن المعلوم أنه لا يمكن بحال من الأحوال تجاهل ما للبيئة المحيطة بالإنسان من أثر واضح على نفسه وعقله وتأثير عميق على معنوياته ومشاعره وسلوكه، وقد تنازل كثير من الشباب عن أحلامهم وأمنياتهم وخبت دافعيتهم وشغفهم بالحياة والمستقبل لاضطرارهم في ظل الحاجة العوز والفقر المدقع إلى العمل بأبخس الأجور وفي أوضع الصنائع من أجل توفير لقمة العيش ومتطلبات الحياة الأساسية، وأسقطوا من اعتباراتهم ضرورة أن يمتلكوا أهدافًا لتحقيقها وخططًا لتنظيم حياتهم ولم يعد لديهم اهتمام بماذا ولا بكيف ولا يهمهم من فاز ومن خسر.

واقعنا العربي على الرغم مما فيه قد لا يكون أسوأ ظرف مر على أمة العرب، فالكثير من الأحداث التي جرت في سابق تاريخنا تركت خلفها سيلًا من الروايات عن حروب بين الأغراب والعرب أو صراعات بين عرب وعرب، منها ما لا يستوعبه العقل ولا تتجرعه النفس لما تحمله من مآس وآلام ومجازر وقتل وغوص في الدماء وارتكاب للجرائم وانتهاك للحرمات ونكث للعهود خاصة في تلك الصراعات الملعونة التي غرق فيها العرب فيما بينهم مما يشبه وللأسف الكثير من وقائع اليوم.

لكن عزائم الرجال من شباب العرب ما لبثت أن نهضت واعادت للعرب وحدتهم ومجدهم وعزتهم واستطاعوا أن ينقلبوا من الضعف والمهانة إلى القوة والسيادة، وإننا في حقبتنا الزمنية هذه أحوج ما نكون لدراسة منهجية سليمة لتاريخنا العربي نستخلص منه العبر والعظات التي من شأنها أن تصحح مسارنا وأن تستقيم بأحوالنا الملتوية والمتشابكة وتيسر علينا مهمة الإصلاح المجتمعي وتشحذ نفوس الشباب بوقائع الانتصار وشواهد الحضارة العربية والمساهمات العلمية التي اخترعها العرب وأصبحت أساسًا في علوم التطور والابتكار بدلًا من النبش فيه لاختلاق شواهد تسعر خلافاتنا ونهوي بها أعمق في الاختلاف والشقاق.

لا بد للشباب من أن يتحلوا بالثقة بالنفس وأن يؤمنوا بما يملكون من قدرات ومعارف وأن يطوروا من ذواتهم بالتعلم واكتساب خبرات جديدة

تقع مسؤولية إصلاح وتنمية المجتمع العربي على عاتق الشباب العربي بشكل رئيس وشخصي يطال كل شاب، فالأمل في التغيير الإيجابي معقود عليهم لما لهم من رغبة جامحة في الانطلاق نحو الذات لتحقيقها والحياة للنهل من مناهلها، وعلى الشباب أن يتحدوا عوامل اليأس والإحباط ويتجاوزوا الشعور بالدونية والهوان وألا يسمحوا لأنفسهم السقوط والانكسار أمام الزمن المر، وعليهم التوقف عن القاء اللوم على الحياة أو الاسراف في اتهام الآخرين والاستسلام لنظرية المؤامرة وتهويل صعوبة البداية وإمكانية الاستمرار لأنه لا شيء من ذلك يمكن أن يُقدم العرب قيد أنملة.

والواجب أن يكون لكل شاب عربي هدفًا في حياته وأن يعرف على أي نقطة يقيم الآن وما الذي عليه فعله ليصل إلى هدفه المنشود وما هي الإمكانيات التي يمتلكها وما هي العقبات التي يمكن أن تواجهه وكيف السبيل لتذليلها، مستعينًا على ذلك بالإرادة والتصميم والإصرار على المواصلة والمحاولة، وأن يجعل النجاح مسألة شخصية وتحدٍ لا بديل عن الفوز به.

ولا بد للشباب من أن يتحلوا بالثقة بالنفس وأن يؤمنوا بما يملكون من قدرات ومعارف وأن يطوروا من ذواتهم بالتعلم واكتساب خبرات جديدة وبالتدريب الجاد والواقعي وبالقراءة والمطالعة وتنمية المواهب وسقلها والانطلاق في شتى ميادين الحياة فالحاجة ماسة للنهوض في كل ميدان والإبداع في كل تخصص، وتبرز هنا ضرورة وأهمية المشاركة الفاعلة في الفرق التطوعية وجمعيات الخدمات الإنسانية وحملات توعية وتثقيف العوام والمبادرة إلى مساعدة الناس في كل ناحية وجانب على أمل أن يؤدي ذلك إلى تحسين الظروف المجتمعية وتجويدها فما الحياة إلا إنجاز وزيادة ومساهمة واضافات نافعة ومفيدة، وإلا فما فضل الحي على الميت!

يتوجب علينا أن نكافح ظروف الحياة بكل ما نملك وأن نبارز مشاكلها بشتى الوسائل، فنصيبنا ما ساهمنا وسيرتنا ما قدمنا ولن ينفعنا التسويف، لن يفيدنا القعود، فالمهمة عظيمة لكنها ليست بالمستحيلة والطريق طويل لكن حسبه ككل طريق نهايته تكتب مع أول خطوة، وأمتنا المكلومة وشعوبنا المغلوب على أمرها بحاجة إلى كل مساهمة مهما كانت بسيطة أو متواضعة تساعد على انتشالنا من مستنفع الفقر والتخلف والجهل وكل جهد في هذا المضمار مرحب به مشكور صاحبه ولا يجب استصغاره أو التقليل من شأنه