تشكلت مجموعات من الروابط الطلابية والمنتديات الثقافية الشبابية والأدبية في فلسطين، وكان جزء من نشاطاتها يقوم على مقاومة الصهيونية وهجماتها الاستيطانية

أبو عمار، عبد العزيز الرنتيسي، صلاح خلف، فتحي الشقاقي، إبراهيم المقادمة، عبد الفتاح حمود، زهير العلمي، قيس عدوان، يحيى عياش، رامي سعد، جواد أبو سلمية، صائب أبو الذهب، إسماعيل هنية، يحيى السنوار، جورج حبش، كلها أسماء لقيادات فلسطينية نصفهم ارتقوا شهداء وآخرون ما زالوا على قيد الحياة، كانوا في يوم ما أعلام للحركة الطلابية الفلسطينية خلال القرن الماضي.

تُعتبر الحركة الطلابية الفلسطينية الجامعية العمود الفقري الذي أوقف الثورة الفلسطينية على قدميها، وكانت بمثابة العقل الموجه لجسد الانتفاضات الحديثة، بنجوم الحركة الطلابية الفلسطينية التي لم تؤسس بغرض قرع الطناجر لتثبيت حقوق الطلبة في الجامعات فحسب، بل كانت مخزنًا رئيسيًا لولادة الثوار والشهداء على مدار الثورة الفلسطينية في الداخل والخارج.

فحين ينادي مجلس الطلبة استنفارًا للطلاب ضد قرارات الاحتلال الإسرائيلي كأن فوهة بركان انفجرت، فقدرة مجالس الطلبة في الجامعات الفلسطينية على التحشيد، ظلت الينبوع الأول للحراك الثوري الفلسطيني حتى انتهاء عملية السور الواقي في الضفة الغربية 2004 وانسحاب الاحتلال الإسرائيلي من غزة 2005، بعدها تم تدجين مجالس الطلبة لقرع الطناجر بحثًا وراء حقوق للطلبة فقط، فقد شلت بطريقة لا تستطيع معها تدشين اعتصام ضاغط على إدارة الجامعات لتخفيض الرسوم، وليس عملًا ثوريًا ضد الاحتلال.

كانت دورة العمل الحراكي الفلسطيني تبدأ بقرار الاعتقال للطلبة داخل حرم الجامعي، لتتبعه نافورة من الاشتباكات بين الطلبة وقوات الاحتلال، تبدأ بإقامة المتاريس وإشعال الإطارات، ثم انضمام الطلبة للخلايا الفدائية والجهادية المسلحة دون سابق انذار.

نشأة الحركة الطلابية الفلسطينية

لا تاريخ محدد بداية الحركة الطلابية الفلسطينية، لكن المقاربات تتحدث عما قبل النكبة 1948، حين تشكلت مجموعات من الروابط الطلابية والمنتديات الثقافية الشبابية والأدبية في فلسطين، وكان جزء من نشاطاتها يقوم على مقاومة الصهيونية وهجماتها الاستيطانية.

 

الطالب ياسر عرفات يسلم الرئيس المصري السابق محمد نجيب رسالة كان عنوانها: "لا تنسوا فلسطين"، عام ١٩٥٢

فقد أسس الطلبة الفلسطينيون الدارسون في الأزهر الشريف عام 1914، جمعية "مقاومة الصهيونية" التي عمدت إلى مقاومة الوجود الصهيوني بكل الوسائل الممكنة على أرض فلسطين، وعملت على تأسيس فروع للجمعية في سوريا ولبنان بهدف تنشيط ودعم النشاطات الاقتصادية والزراعية، لكن التاريخ البارز في فعالية الحركة الطلابية، كان في سبتمبر عام 1959، وذلك عند تأسيس ما يعرف بـ"الاتحاد العام لطلبة فلسطين".

نشأت الجامعة الإسلامية بجهود الشيخ سليم شراب مع الشيخ أحمد ياسين، فقد التفت ياسين مبكرًا لأهمية الحركة الطلابية في تكوين حركات المقاومة

دخل ياسر عرفات المعترك الطلابي وأسس اتحاد طلبة فلسطين بعد نجاح الثورة المصرية 1952، ليرسل بعدها مباشرة رسالة إلى أول رئيس مصري بعد الثورة محمد نجيب تضمنت ثلاث كلمات "لا تنسوا فلسطين"، بعدها أصبح عضوًا معروفًا على مستوى الحركة الطلابية العالمية، كان ذلك بالتزامن مع نشاط الجبهة الشعبية في الإطار الطلابي وإعداد الكادر السياسي في نيكاراغوا ودول أمريكا اللاتينية.

نشط ياسر عرفات وزملاؤه في الحركة الطلابية بعدة دول في الخمسينيات والستينيات، وشارك في مؤتمرات ومهرجانات طلابية عدة مثل بلغاريا والاتحاد السوفيتي وتشيكوسلوفاكيا وبولندا وألمانيا الشرقية، قبل أن يُنشئ حركة فتح مع رفاقه في سوريا والأردن ولبنان، كأكبر حركة جامعة للنضال الفلسطيني آنذاك.

كون عرفات علاقات كبيرة من الحركات الطلابية العالمية الذين تحولوا لأكبر داعم ثقافي وعسكري فيما بعد لحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" على مستوى العالم.

بداية السبعينات، شهدت تلك الفترة أيضًا نشاطًا متسارعًا للحركة الطلابية الإسلامية التي اعتمدت - لاحقاً - حركة المقاومة الإسلامية "حماس" عليها في تكوين الجيل الثاني من أعضائها، فكانوا يعودون من مصر في الإجازة الصيفية لإلقاء المحاضرات في قطاع غزة وتكوين المجموعات الأولى الطلابية لحركة حماس.

في أول التسعينيات ظهر اسم المهندس يحيى عياش طالب الهندسة الكهربائية في جامعة بير زيت، كأحد أهم أيقونات العمل المسلح الفلسطيني وصاحب فكرة الحزام الناسف

نشأت الجامعة الإسلامية عام 1978 في غزة بجهود الشيخ سليم شراب مع الشيخ أحمد ياسين، فقد التفت ياسين مبكرًا لأهمية الحركة الطلابية في تكوين حركات المقاومة، ومع أن الجامعة الإسلامية شهدت صراعًا مبكرًا بين الإسلاميين أنصار الشيخ أحمد ياسين وأنصار حركة فتح، كأحد العيوب التي شابت الحركة الطلابية الفلسطينية منذ ظهور نشاطها إلى اليوم، لكن ذلك كان دافعًا حماسيًا للطلبة الذين تنافسوا في الانضمام للحركات الطلابية المقاومة، وقد ترأس وقتها مجلس طلبة الجامعة الإسلامية، إسماعيل هنية ويحيى السنوار اللذان يقفان الآن على رأس قيادة المكتب السياسي والعسكري لحركة حماس.

"المثقف أول من يقاوم وآخر من ينكسر"، كان هذا شعار الرابطة الطلابية الإسلامية التابعة لحركة الجهاد الإسلامي التي خرج من صفوفها أيضًا مئات المقاتلين والاستشهادين على مسار تاريخ محطات النضال الفلسطيني ضد الاحتلال، منذ نشأة الحركة التي اعتمد في تشكيل جناحها العسكري على الطلبة الفلسطينيين في الجامعات بالمقام الأول، وكان مؤسس الحركة فتحي الشقاقي أحد أهم الطلبة الفاعلين أثناء دراسته بمصر.

الانتفاضة الأولى والحركة الطلابية

انفجرت شرارة من جحيم قادتها الحركة الطلابية الفلسطينية في الضفة الغربية ورحل أول الشهداء عن جامعة بير زيت في رام الله شرف الطيبي أحد ثوار حركة فتح، ثم في العام 1986 قتلت قوات الاحتلال بعد مظاهرات كبيرة للطلبة الشهيد جواد أبو سلمية والشهيد صائب أبو الذهب أحد ثوار الحركة الإسلامية الطلابية في الجامعة، ثم الشهيد موسى حنفي عندما رفع العلم الفلسطيني على مبنى الجامعة فقنصه أحد جنود الاحتلال وقد احتضنته الأغنية الفلسطينية بعنوان "وقفوا صفوف صفوفي".

يحيى عياش كان طالباً للهندسة الكهربائية في جامعة بيرزيت 

وفي السياق الجذري لقيادة الحركة الطلابية للانتفاضة الفلسطينية الأولى تعتبر كوكبة شهداء جامعة بيرزيت أهم دوافع مشاركة الحركة الطلابية في الانتفاضة الأولى. ففي أول التسعينيات ظهر اسم المهندس يحيى عياش طالب الهندسة الكهربائية في جامعة بيرزيت، وأحد أهم أيقونات العمل المسلح الفلسطيني وصاحب فكرة الحزام الناسف وصاحب الرد الأول على مجزرة الحرم الإبراهيمي في عملية استشهادية نفذها الاستشهادي القسامي رائد زكارنة في حي العفولة، وأشرف على العملية الناشط في الحركة الطلابية في مرحلته الثانوية محمد أبو معلا الذي عمل بجانب الشهيد محمد أبو كميل أحد مقاتلي "الفهد الأسود" التابع لحركة فتح.

خلال الانتفاضة الثانية برز اسم القائد الشهيد في كتائب القسام قيس عدوان من مدينة جنين مهندس الأحزمة الناسفة وأحد قيادات الكتلة الإسلامية في جامعة النجاح الوطنية وناقل تجربة صواريخ القسام للضفة الغربية

الانتفاضة الثانية.. ركيزتها الحركة الطلابية

كانت جميع الكتل الطلابية الفلسطينية في الجامعات الفلسطينية كافة تقاتل مع الطالب جنبًا إلى جنب لنيل حقوقه داخل الجامعات، إضافة لعقد المؤتمرات والندوات واللقاءات الثقافية والأندية العلمية، وحين تفجرت الانتفاضة الثانية بعد مرحلة انهيار أوسلو وعودة الرئيس الشهيد ياسر عرفات من كامب ديفيد خالي الوفاض، أعطى أبو عمار الضوء الأخضر للمقاومة الفلسطينية للتحرك وتفجير الأوضاع؛ فقد رفض التنازل عن القدس تمامًا، وكانت المخازن الطلابية حبلى بالشباب الثائر حتى ولدت أضخم كوكبة نضالية شهدها التاريخ الفلسطيني من المجاهدين والاستشهاديين والأسرى والجرحى.

على عجالة تكونت كتائب شهداء الأقصى من الأجهزة الأمنية وطال العمل المسلح أرجاء الوطن كافة، وظهرت رموز قيادات ثورية، وأيقونات شهادة أمام الطلبة أمثال حسين عبيات ورائد الكرمي، في هذا الوقت بدأت حركة حماس تشكيل جناحها العسكري بقوة بعد الضربات التي تلقتها على يد الأجهزة الأمنية، وتشكلت الوحدة العسكرية "103" بقيادة الشهيد القائد رامي سعد رئيس مجلس الطلبة في الجامعة الإسلامية، ولفيف من طلبة الجامعة الإسلامية منهم المحرر القائد حمادة الديراوي، وبأمر من القائد صلاح شحادة قائد كتائب القسام بدأت قوافل الاستشهادين تخرج من صفوف الكتلة الإسلامية منهم مسلمة الأعرج أحد قيادات الكتلة الإسلامية.

في الضفة الغربية برز اسم القائد الشهيد في كتائب القسام قيس عدوان من مدينة جنين مهندس الأحزمة الناسفة وأحد قيادات الكتلة الإسلامية في جامعة النجاح الوطنية وناقل تجربة صواريخ القسام للضفة الغربية، والمشرف على العديد من العمليات الاستشهادية أهمها عملية نهاريا التي قتل فيها 31 إسرائيليًا، ثم تبعه المهندس الرابع في كتائب القسام مهند الطاهر المشرف على تجهيز الاستشهاديين للعمليات الاستشهادية أهمها عملية القدس التي نفذها الاستشهادي محمد الغول وقتل فيها 19 إسرائيليًا، وكذلك كان المهندس الخامس في كتائب القسام الشهيد القائد مهند الطاهر ابن كلية الهندسة في جامعة النجاح الوطنية.

لقد خرّجت الحركة الطلابية الفلسطينية غالبية الاستشهاديين من كل الفصائل الفلسطينية من سرايا القدس وكتائب القسام وكتائب أبو علي مصطفى وكتائب شهداء الأقصى، وامتلأت السجون برموز الحركة الطلابية الفلسطينية.

زيادة القبضة الأمنية الإسرائيلية على الجامعات الفلسطينية في الضفة الغربية، وملاحقة أجهزة أمن السلطة لكل الناشطين الفاعلين في الأطر الطلابية سكّن مشاركة الحركة الطلابية الفاعلة في العمل النضالي

لماذا تراجع دور الحركة الطلابية الفلسطينية؟

مع انتهاء انتفاضة الأقصى وتدهور الأوضاع الاقتصادية والتشوهات السياسية في النظام السياسي الفلسطيني والانقسام الحاد بين الضفة الغربية وقطاع غزة، تراجع دور الحركة الطلابية بشكل غير مسبوق في العمل النضالي، ولعب الانقسام الدور الأكبر في خلخلة حراك الحركات الطلابية، إذ اقتصر دورها على حماية حقوق الطلاب بشكل لا يشتبك مع إدارة الجامعات.

الشهيد باسل الأعرج

برز الشهيد باسل الأعرج الملقب بـ"المثقف المشتبك" كأيقونة جديدة للحركة الطلابية - الذي استشهد في مارس 2017 إثر اشتباك مسلح مع جنود الاحتلال الإسرائيلي في مدينة البيرة -، ورغم أنه درس الصيدلة في مصر، فإن مساهماته في الأنشطة والحراك النضالي والثقافي والسياسي معتمدًا على اللبنة الأولى للثورات الفلسطينية في وجه الاحتلال والاستيطان، الطلبة الفلسطينيين، ولعله دافعًا جديدًا لإعادة إحياء دور الحركة الطلابية في العمل المقاوم والمشتبك مع الاحتلال.

كما أن إلغاء الانتخابات الطلابية في جامعات قطاع غزة أحبط حدة التنافس في العمل الثوري الفلسطيني من الطلبة، وزيادة القبضة الأمنية الإسرائيلية على الجامعات الفلسطينية في الضفة الغربية، وملاحقة أجهزة أمن السلطة لكل الناشطين الفاعلين في الأطر الطلابية سكّن مشاركة الحركة الطلابية الفاعلة في العمل النضالي.

أخيرًا، كانت حادثة اختطاف رئيس مجلس الطلبة في جامعة بير زيت جامعة الشهداء عمر كسواني من قلب الحرم الجامعي الشهر الماضي، حادثة فريدة  في تاريخ الحركة الطلابية ومحاولات تدجينها، فقد كانت الجامعات بؤرة الاشتعال التي تتجنبها قوات الاحتلال الإسرائيلي، فهل تعود الحركة الطلابية للواجهة في العمل الثقافي والثوري من جديد؟