شكلت تركيا مع حكم العدالة والتنمية منذ 2002 نموذجاً للحكم احتفت به النخب العربية، والطريف أن جميع الأطياف اهتمت به وروجت له، فقد رأى فيه الإسلاميون بارقة أمل بإمكانية الوصول للحكم والنجاح فيه خصوصاً في مجالات النهضة الاقتصادية وإلغاء الوصاية العسكرية وغيرها، بينما رأى فيه الآخرون فرصة لتدجين الإسلاميين ووضعهم تحت سقف الدولة القطرية في إطار نموذج "الإسلام المعتدل" القادم من تركيا.

إحدى مشاكل الافتتان بالتجربة التركية الوليدة أنه أتى بناء على النتائج لا على الإرهاصات والبدايات والسياقات، مما أوحى للبعض بإمكانية استنساخ التجربة دون تعديل فضلاً عن التمحيص وانتقاء ما يصلح.

وقعت المعضلة الكبرى بعد الربيع العربي، الذي تصادف زمنياً مع نضج الحالة التركية سياسياً واقتصادياً وديمقراطياً وانفتاحاً على الآخر داخلياً وخارجياً، فأعمى الأبصارَ وهجُ الإنجازات المتلاحقة، فوقع إسلاميو مصر (وغيرهم) في خطأ اتباع نموذج الإصلاح المتدرج في مصر بعد الثورة غافلين عن عدة أمور محورية:

الأول، أن أي تجربة بشرية هي نتاج بيئتها وتاريخها وسياقها، بما يؤكد استحالة الاستنساخ.

الثاني، أن التجربة التركية أتت بعد انتخابات ديمقراطية، لا بعد ثورة أسقطت رأس نظام سيجير كل إمكاناته للعودة للحكم.

الثالث، أن الاختلافات بين الدولتين كصيرورة تاريخية وتمظهرات حالية أكثر بكثير من المشتركات، ولا يتسع الوقت هنا لذكرها. لكنني سأكتفي بالإشارة إلى أن الكثير مما قام به العدالة والتنمية خلال فترات حكمه واعتبر في العالم العربي دليل وعي وحكمة وانفتاح، لا يمكن أن يـَقبل عـُشْرَ عشره أبناءُ الحركة الإسلامية في مصر من قيادتهم.

الرابع، أن الإخوان ظنوا أنهم وحدهم من اطلع على التجربة التركية، بينما كان عسكر مصر (ونظامها القديم) قد حفظوا التجربة عن ظهر قلب وأعدوا خطة مواجهتها.

لا أسوق هذا الكلام، الذي كررته مراراً في عدة مقالات وحوارات سابقة، للتقريع أو جلد الذات ولكنني سأستدل به هذه المرة في الاتجاه المعاكس، أي في نقد تقييم الحالة التركية بناءً على ما حدث في مصر.

إذ منذ بداية أحداث حديقة "جزي" في تركيا في أيار/مايو الماضي ونحن نسمع ما يروج من نظريات الانقلاب العسكري في تركيا، وازدادت هذه القناعة لدى قطاعات كبيرة من المصريين خصوصاً في الأزمة الأخيرة المستمرة منذ 17 كانون اول/ديسمبر المنصرم، على خلفية اتهامات الفساد في تركيا.

وفي ضوء المثل المصري الشعبي الشهير "اللي يتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي"، ترسخت قناعة كثير من النخب المصرية وخاصة الإسلامية بحتمية حدوث انقلاب عسكري وشيك في تركيا على غرار ما حصل في مصر، وهذا برأيي تجل آخر لمعضلة الاقتباس دون النظر في الفروق بين التجربتين. وقد قلت سابقاً، وأكرر، أن الانقلاب العسكري في تركيا مستبعد للعديد من الأسباب أذكر منها:

أولاً، الفارق الرئيس بين البلدين، فالصراع في مصر بين الثورة ومن انقلب عليها، بينما هو في تركيا بين أحزاب سياسية تتنافس على أصوات المواطنين، وإن دخلت على خطها القوى الكبرى من وراء الستار.وبالتالي فإن السلاح المستعمل في الغالب هو محاولة تشويه العدالة والتنمية للتأثير على أصوات الشعب.

ثانياً، شعبية العدالة والتنمية التي تصل لنسبة نصف الشعب تماماً وربما أكثر، وقدرته أكثر من غيره على لعبةالحشد في الشارع، وقد رأينا تجليات ذلك يوم الأحد الماضي في المهرجان الانتخابي في اسطنبول.

ثالثاً، حكم العدالة والتنمية لأكثر من 12 عاماً أعطاه نفوذاً في كثير من مؤسسات الدولة ومنها الجيش، وإنكان محدوداً. لكننا يجب ألا نغفل محطات فارقة مثلتغيير بنية مجلس الأمن القومي، وتفرد رئيس الوزراء بقيادته، وجعل قراراته استشارية، وتغيير مهمة القوات المسلحة في الدستور، وتعيين اردوغان بنفسه لآخر رئيسلأركان الجيش.

رابعاً، الصورة الذهنية السيئة لقيادات الجيش التركيحالياً لدى الشعب، بعد محاولات الانقلاب، والتي يحاكم العديد منهم فيها.

خامساً، استخلاص الشعب التركي دروس الانقلابات العسكرية في الماضي، ويظهر ذلك في تغير المزاج والخطاب، وتهديد الكثير من نخب الإسلاميين بعدم الجلوس في البيت واللجوء للشارع في حال حدوث أي تدخل في الحياة السياسية التركية (أزعم أن ما حصل في مصر من انقلاب وما تلاه كان له أثر في تغير هذه القناعة).

سادساً، الاختلاف الكبير بين دلالة وأهمية المظاهرات في بلادنا وتركيا. فبسبب الحظر والكبت والتقييدات القانونية في العالم العربي يمكن اعتبار كل مظاهرةتحدياً للنظام أو محاولة لتحديه وكسره، بينما المظاهرات في تركيا شبه يومية وأحياناً بأعداد كبيرة، لكنها لم ولن تعتبر يوماً ما القول الفصل في فك الاشتباك السياسي في البلاد.

سابعاً، كل الانقلابات العسكرية الأربع التي مرت على تركيا كانت تأتي بعد أزمات اقتصادية كبيرة وفوضى عارمة في الشارع بل وربما اغتيال شخصيات سياسية، ولم يحدث شيء من هذا حتى الآن في تركيا، رغم وجود بعض المحاولات لافتعال ذلك. خصوصاً أن الانتخابات البلدية القادمة ليست هي هدف المعركة ولا نقطة النزاع، بل هي مجرد محطة للوصول للانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

ثامناً، القدرة التي أظهرتها الحكومة التركية على التحكم بالمؤسسات الأمنية بشكل كبير، حيث أقالت أو غيرت مكان عمل الآلاف من ضباط الشرطة والأمن والقضاة والمدعين العامين (بغض النظر عن مدى شرعية ذلك)، مما مكنها من إفشال الحملة القضائية الثانية التي كانت تجهز للتنفيذ بعد الحملة الأولى بثمانية أيام.

تاسعاً، سيطرة الحكومة (بعد كل هذه السنوات في الحكم) على معظم وسائل الإعلام، مما يعطيها في كثير من الأحيان إمكانية الهجوم على الخصم، لا الاكتفاء بالدفاع ونفي التهم. وهذه نقطة فارقة إذا ما قارناها بما حصل في مصر.

عاشراً، أن الاستحقاقات الانتخابية في تركيا تشهد عادة توترات وتجاذبات كبيرة بما يوحي للمراقب من بعيد بإمكانية حدوث أزمات كبيرة، لكن كل هذا لا يلبث أن ينزوي تحت ظلال الحملات الانتخابية ونتائج الصناديق.

طبعاً، لا يعني هذا الكلام استحالة حدوث انقلاب، فالتجربة التركية ما زالت فتية، و12 عاماً من الحكم غير كافية لتغيير عقيدة جيش من أكبر جيوش المنطقة قام بعدة انقلابات سابقة، كما أن التجارب علمتنا أن كل عسكري يحمل جينات الانقلاب في عقله الباطن، ولا يستعبد أن يقوم به متى ما أمكنه ذلك. كما أنني لا أنكر أن الأزمة الحالية في تركيا لها أبعاد خارجية قوية، وهدفها الرئيس هو إنهاء تجربة العدالة والتنمية أو على الأقل حكم اردوغان. كل ما أقوله أن الظروف المختلفة تفرض سيناريوهات ونهايات مختلفة في الغالب، وأن الحكومة التركية أظهرت حتى الآن قدرة على المناورة والمواجهة والصمود. يبقى الأمر محتملاً وممكناً، لكنه مستبعد جداً، على الأقل وفق المعطيات الحالية.