في بداية عام 2018 وتحديدًا في نهاية شهر فبراير/شباط الماضي شهدت إحدى الكنائس احتفالًا غريبًا وفريدًا من نوعه في ولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية، لقد كان الاحتفال عبارة عن زفاف إلا أنه متوج بأسلحة AR-15، الأسلحة ذاتها التي استُخدمت في القتل الجماعي في إحدى المدارس في الولايات المتحدة قبل عقد هذا الزفاف ببضعة أسابيع، لقد كانت تلك الكنيسة إحدى الكنائس التابعة لـ"كنيسة التوحيد"، إحدى الكنائس التي لعبت دورًا محوريًا في الولايات المتحدة الأمريكية.

في عام 2012، ودّع أتباع "كنيسة التوحيد" صن ميونغ مون مؤسسها الذي ادّعي النبوة، لقد كان مون أحد المبشرين بالمسيحية والداعين لها، وصفه العديد من الأكاديميين والسياسيين بأنه الملهم الأساسي لأعظم حركة للدين البديل في الغرب في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي في أمريكا، بعد أن جاء إليها مون ليؤسس حركته هناك بعد أن اشترى كثيرًا من العقارات والمشاريع الضخمة في الولايات المتحدة.

صن ميونغ مون الذي أضاف إلى اسمه "صن" وتعني الشمس و"مون" وتعني القمر ليعبر اسمه عن كونه "شمسًا مضيئة" وذلك لإيمانه بأن لديه عقائد دينية استثنائية، وأن قدره في المسيحية يختلف عن أغلب المسيحيين حول العالم، إلا أنه لم يكن مُبشرًا فحسب، بل كان رجل أعمال يدير كثير من المشاريع ويمول الكثير من الصحف الإخبارية ويضم آلاف من الأمريكان إلى مجتمعه "التوحيدي" في عمليات منظمة من التلقين المكثف.

صن ميونغ مون كوري شمالي، اعتنقت أسرته المسيحية، كان متعاونًا مع الحزب الشيوعي بقيادة "كيم إيل سونغ" الذي تولّى مهمة النضال لتحرير البلد من الاحتلال الياباني، ولكن بعد الحرب العالمية الثانية وتقسيم شبه الجزيرة الكورية، تورط في أنشطة تجسس لصالح كوريا الجنوبية، فقبض عليه الحزب الشيوعي الذي تولى إدارة "كوريا الشمالية"، وحُكم عليه بالسجن 5 أعوام، لكنه حرر عندما هاجمت جيوش التحالف الذي قادته الولايات المتحدة عام 1950 شبه الجزيرة الكورية.

صور لمسيحيين مسلحين ببنادق AR-15 غير مزودة بالرصاص داخل كنيسة التوحيد

لم يلبث صن ميونغ مون الكثير ليكون إحدى الشخصيات المؤثرة في الولايات المتحدة بعد مرور عقدين من ذلك، ليؤسس "كنيسة التوحيد" (Unification Church) أو المعروفة بـ"معبد السلام والوحدة العالمية"، حيث أصبح من خلالها أيقونة مهمة في المجتمع الأمريكي من خلال تنظيمه لحفلات زفاف جماعي لمئات من الأزواج يدعونهم من خلال موقع الكنيسة الإلكتروني من أجل تسجيل "كتاب نعمة وبركة الحياة" كما يصفها مون الذي يدعو كل من يؤمن بأنه المسيح الذي يأتي ليُنهي ما لم يُنهيه المسيح في زمانه.

يدعو كل من يأتي لكنيسة "التوحيد" أو أي من الكنائس التي تتبعها كل من مون وزوجته بالآباء الحق "True Parents" كما كان للكنيسة لقب أيضًا، ألا وهو "مملكة على الأرض ذات سيادة من السماء"، وعلى الرغم من الروحانية التي توحي بها الكلمات، فإن مئات الأزواج الحاضرين لاحتفالات الكنيسة لعقد قرانهم المقدس والمُبارك من "الآباء الحق" هؤلاء، يُطلب منهم إحضار بنادق AR-15 غير الفارغة من الرصاص معهم التي تُمثل بالنسبة لـ"دستور الكنيسة" معاني الدفاع عن الأهل والعقيدة.

إن لم يستطع الأزواج إحضار السلاح بسبب معوقات قانونية، فيمكنهم شراء "قسيمة هدية قيمتها 700 دولار أمريكي من أي محل بيع للسلاح" لإثبات نيتهم، كما يكون الزواج مُرتبًا مُسبقًا من الكنيسة حيث لا يؤمن مون بالحب الرومانسي قبل الزواج، وذلك بحسب ما ورد في تقرير صحيفة "واشنطن بوست".

ضمت الكنيسة في عام 2009 نحو 10.000 زوج من كل أنحاء العالم

"صن ميونغ مون" في أحد احتفالات الزواج الجماعي

تعتبر احتفالات الزواج الجماعي من أهم عادات "كنيسة التوحيد" التي تسير على "المبدأ الإلهي" الذي يعتبر الزواج بمثابة تخليص الإنسانية من الخطايا وتوحيدها تحت رباط مقدس، كما يعتبره صن ميونغ مون مهمته الشخصية لإتمام مهمة المسيح عليه السلام التي يزعم مون أنها لم تكتمل ويحاول إتمامها في كنيسته تلك.

كان هذا قبل أن تتحول "كنيسة التوحيد" إلى "حركة التوحيد" الدينية في التسعينيات من القرن الماضي، لتجذب مئات الآلاف من التابعين في أكثر من 100 دولة حول العالم من بينها اليابان وكوريا ودول الجنوب الآسيوي، على الرغم من أن مبادءه تُعارض المسيحية في كثير من الجوانب أهمها أن مون يؤمن أن الصليب أيقونة تعمل على هدم وحدة المسيحيين، ولهذا حاول رفع الصليب من مئات الكنائس في الأحياء الأمريكية الفقيرة.

يكون الزواج مُرتبًا مُسبقًا من الكنيسة حيث لا يؤمن مون بالحب الرومانسي قبل الزواج

علاقة "كنيسة التوحيد" بالسياسة الأمريكية

صن ميونغ مون مؤسس صحيفة واشنطن تايمز

تحولت الطائفة الدينية إلى حركة دينية لها أذرع مختلفة ومسيطرة في المجتمع الأمريكي بداية من الكونغرس الأمريكي إلى الرئاسة الأمريكية والتيار المُحافظ، فكانت الكنيسة تُصمم كثير من الحفلات التي تجمع أعضاء الكونغرس وشخصيات مهمة ومؤثرة في البيت الأبيض، أغلبيتهم من التيار المحافظ الذي يُسيطر على السياسة الأمريكية الحاليّة، من بينهم الرئيس الأمريكي الحاليّ "دونالد ترامب"، هي حفلات وتجمعات تمولها وترعاها شركات مُصنعة للسلاح في الولايات المتحدة، من بينهم شركة "Kahr Arms" التي يمتلكها أخو صن مونغ مون.

حاول مون أن يدعم مصالحه من خلال دعم المشاريع التجارية في البلاد التي ينتشر فيها مذهب طائفته، وأهمها بالطبع كانت الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية، ودعم أغلب قضايا اليمين المتطرف، لتكون صحيفة "واشنطن تايمز" من أهم مشاريعه الداعمة لفكره وتأثيره على التيار المحافظ.

لم يكن تأثير مون أكثر أهمية في التيار المحافظ إلا بعد تأسيسه للصحفية الإخبارية "واشنطن تايمز"عام 1982 التي لعبت دورًا رئيسيًا في خدمة الدعايا اليمينية في الولايات المتحدة وكانت مواقفها سيئة فيما يخص أحداث الوطن العربي من ناحية، ومن ناحية أخرى مروجة للسياسات الإسرائيلية.

حيث صارت واشنطن تايمز بعد نشأتها منافسًا قويًا لواشنطن بوست، واكتسبت جزءًا من قوتها بعد توقف واشنطن ستار عن الصدور سنة 1981، كانت الصحيفة مقربة من الجمهوريين ومقربة من دوائر اليمين المسيحي والمحافظين الجدد خصوصًا في تلك الدوائر التي تدعو لاستخدام القوة العسكرية خارج الولايات المتحدة.

وصف مؤسس الصحيفة مون أنها "الأداة التي تصل حقيقة الله إلى العالم من خلالها"

كانت للصحيفة مواقف مغايرة في عدد من الملفات الداخلية والخارجية، تشبه كثيرًا مواقف الرئيس الأمريكي الحاليّ "دونالد ترامب"، فهي متشددة في ملف المهاجرين وتدعو إلى التعامل معهم بقسوة كما كانت ترفض منح حق اللجوء إلى القضاء الأمريكي لمعتقلي غوانتنامو.

كما كان لها مواقف ضد المسلمين، فهي على سبيل المثال نشرت إبان أزمة الرسوم الكاريكاتورية بحق النبي صلى الله عليه وسلم إطارًا فارغًا مرفقًا بتعليق يندد بفتور الرد الأمريكي على الجدل بشأن تلك الرسوم، لتكتب تحت الإطار الفارغ في صفحة الافتتاحيات "حرية التعبير الأمريكية كما تمارس في الوقت الحاضر في مواجهة خطر العنف الإسلامي".

حتى بعد مماته منذ نحو أربع سنوات، ما زلت أفكار مون موجودة بشكل ملحوظ في السياسة الأمريكية المحافظة حاليًا، التي تتشابه كثيرًا إلى حد التطابق مع أفكار "دونالد ترامب" اليمينة المتطرفة والمحافظة إلى حد العنصرية ليكون للأول تأثيرًا واضحًا لم ينقرض أثره موزعًا في أكثر من 100 دولة حول العالم بما فيهم الدولة الأكثر هيمنة عليهم، الولايات المتحدة.