"اللي شايف نفسه مبسوط ونفسه يحزن أنا خدَّامه، يديني رنة بس"، يقول "نخنوخ" في مشهد كوميدي من فيلم "لخمة راس" قبل أن يفاجئه صبيه "دبشه" من خلفه معاتبًا "ياريس أنا اتبهدلت من يوم ما سبتني ورحت السجن، كانوا مفكرينك مش راجع تاني".

بعد 12 عامًا من إنتاج الفيلم الساخر، يتحول المشهد الكوميدي إلى مشهد واقعي، مع إفراج سلطات الأمن المصرية عن أشهر بلطجي في البلاد الشهير باسم "نخنوخ" بعفو رئاسي من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فيما تعالت الأصوات المنتقدة للقرار كون المتهم أحد أخطر المجرمين في مصر. 

"أسطورة البلطجية" إلى أحضان النظام مجددًا

خرج المدعو صبري حلمي حنا نخنوخ بعد أن زُجَّ باسمه في كشوف العفو الرئاسي التي شملت 331 سجينًا، من بينهم معتقلين على ذمة قضايا سياسية، وخرجت معه هواجس المواطنين عن عودة شبكات البلطجة التي روعت المواطنين لسنوات مضت إلى أحضان النظام الحاليّ.  

ورغم أن القرار الرئاسي الصادر الأربعاء الماضي ليس الأول في قوائم عفو رئاسية استخدمها النظام لتسريب بعض المتهمين المقربين، فإنه أثار الكثير من علامات الاستفهام، كونه متهمًا في قضايا مخدرات وترويع آمنين باستخدام السلاح وتهديد السلم والأمن الداخلي، وعلاقاته بأجهزة الأمن.  

ألقي القبض على نخنوخ بعد بلاغ قدمه القيادي الإخواني محمد البلتاجي بإحدى القنوات الفضائية، ودعا فيه وزير الداخلية وقتها أحمد جمال الدين للقبض على أكبر مورد للبلطجية في مصر

خرج الرجل ووصل إلى بيته في محافظة الإسكندرية، حسب تصريحات إعلامية، لمحاميه جميل سعيد، قال فيها إن موكله خرج بعد أن قضى نصف مدة العقوبة الموقعة عليه، علمًا بأن محكمة عسكرية قضت بسجنه 28 عامًا بتهم ترويع الآمنين والإتجار في المخدرات وحيازة أسلحة دون تراخيص، وسجن في سجن ليمان طرة.

حدث ذلك في مايو 2013، بعد أن ألقت قوات الأمن القبض عليه في أغسطس/آب 2012، داخل فيلته في منطقة "كينغ مريوط" بالإسكندرية، برفقة عدد كبير من الخارجين عن القانون، وبحوزتهم كمية من الأسلحة، بعد بلاغ قدمه القيادي الإخواني محمد البلتاجي بإحدى القنوات الفضائية، ودعا فيه وزير الداخلية وقتها أحمد جمال الدين للقبض على أكبر مورد للبلطجية في مصر.    

نخنوخ.. رجل النظام لتنفيذ مهام القمع السياسي

لمع اسم نخنوخ بقوة كأحد أبرز البلطجية خلال انتخابات مجلس الشعب المزورة في 2010، حيث لعب دورًا كبيرًا في عدم استقرار الأمن الداخلي خلال هذه الفترة، وكان له ولرجاله دور بارز في المظاهرات المعارضة للرئيس المعزول محمد مرسي وحرق مقرات الإخوان وحزب الحرية والعدالة، وقتل المتظاهرين وترويع الآمنين وقطع الطرق وسرقة السيارات، ومحاولة اقتحام السفارة الأمريكية.

وكان الدور الأبرز لنخنوخ في الاعتصامات التي شهدها ميدان التحرير في الفترة من فبراير/شباط وحتى أبريل/نيسان 2012، وهي الاعتصامات التي كان يقودها البلطجية التابعون لنخنوخ تحت لافتة الثوار، وحاولوا خلالها اقتحام مبنى وزارة الداخلية، لمنع تقرير لجنة تقصي الحقائق عن أحداث الثورة الذي أمر الرئيس محمد مرسي بإعداده.

دفعت تلك السجلات السوداء لنخنوخ، حقوقيين إلى توقع شموله بعفو رئاسي، لأنه يُعد أبرز رجال وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي وله علاقات بوزير الداخلية السابق أحمد جمال الدين المستشار الأمني الحاليّ لرئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي.

وأشار تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكلها المجلس العسكري عن "موقعة الجمل" إلى أن نخنوخ يقود جيشًا من البلطجية قوامه 200 ألف بلطجي ومسجل خطر على مستوى الجمهورية، وكان على اتصال بالعادلي في محاولة اقتحام ميدان التحرير خلال موقعة الجمل.

يرى مراقبون الإفراج عن صبري نخنوخ هو الدفعة الأخيرة في مكافأة الثورة المضادة التي حاولت منذ اليوم الأول لثورة يناير القضاء على الموجودين بميدان التحرير

وأكد التقرير وقتها تورط قيادات بالمجلس العسكري بمشاركة طرف ثالث خفي في عمليات قتل المتظاهرين بميدان التحرير خلال أحداث الثورة ومحمد محمود وماسبيرو ومسرح البالون ومجلس الوزراء.

وقبل انقلاب يوليو/تموز 2013 بأيام اُعتقل أبرز مساعدي نخنوخ بعد بلاغ قدمه حزب الحرية والعدالة بوجود رجال نخنوخ بأحد الفنادق الكبرى القريبة من ميدان التحرير للتجهيز لحرق مقرات الإخوان والحزب وتنفيذ سلسلة من الاغتيالات في حق الوزراء والقيادات السياسية المؤيدة للرئيس مرسي، وبالفعل قُبض عليهم وفي حوزتهم الأسلحة والأموال وخطة مكتوبة بالعمليات القذرة التي كانوا سينفذونها.

ويرى مراقبون الإفراج عن صبري نخنوخ هو الدفعة الأخيرة في مكافأة الثورة المضادة التي حاولت منذ اليوم الأول لثورة يناير القضاء على الموجودين بميدان التحرير، وما تلا ذلك من أحداث.

البلطجية.. الطرف الثالث الخفي

هل ألقي القُبض علي نخنوخ لأنه بلطجي وأُطلق سراحه لأنه "مواطن شريف"؟ لم يعد الفرق بين النعتين شاسعًا لدى كثير من المصريين، فقد باتا مترادفين في لغة الأجهزة الأمنية بمصر، وبات ذكر وصف "المواطنين الشرفاء" كافيًا لسقوط قتلى وجرحى، كما بات مدعاة للسخرية من الواقع السياسي الذي تعيشه البلاد.

ولمصر باع طويل معهم، ففي عام 2005 كان الظهور الأول لهم إلى جانب قوات الأمن خلال الانتخابات الرئاسية التي أقيمت للمرة الأولى بدلاً من الاستفتاءات، وعلى سلالم نقابة الصحافيين في "الأربعاء الأسود"، برز وجودهم وأدوا دورًا بارزًا مع الشرطة في محاولة تخويف المتظاهرين المطالبين بالديمقراطية.

ولم يكن نخنوخ سوى واحد من مليون وربع من البلطجية، طبقًا لتصريح لوزير الداخلية عام 2012، وهم موزعون على أنحاء الجمهورية،  وتُنسبت إليهم كل الجرائم التي ارتكبت ضد متظاهرين أو معتصمين أو حتى ضد المارة، لكن نخنوج تحت إمرته "جيش من المرتزقة" يحركهم بأمر من الأجهزة الأمنية.

وفي توصيف قريب لهؤلاء، يقول عبد الرحمن الكواكبي في كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد: "العوام هم قوة المستبد وقوْتُه، بهم وعليهم يصول ويطول، يأسرهم فيتهللون لشوكته، ويغْصِب أموالهم فيحمدونه على إبقائه حياتهم، ويهينهم فيثنون على رفعته، ويُغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته، وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريمًا، وإذا قتل منهم ولم يمثِّل بهم يعتبرونه رحيمًا، ويسوقهم إلى خطر الموت، فيطيعونه حذر التوبيخ، وإن نقم عليه منهم بعض الأباة قاتلهم كأنهم بُغاة".   

دائمًا كان المسؤول في بيانات المجلس الأعلى طرف مجهول من داخل أو خارج البلاد 

هذا الكم المهمل من البشر لم يختفِ بل تحول نشاط البلطجة من نشاط فردي إلى ظاهرة في أعقاب ثورة ليس كأي ثورة، تعددت أطراف الثورة المصرية، الواضح منها والخفي، طرف أول صنع الثورة، والطرف الثاني تلقف الثورة، لكن ثمة طرف ثالث يتعامل بوحشية في الخفاء.

ذلك التعامل الدموي على يد ضباط الجيش أو الشرطة دأب المجلس الأعلى للقوات المسلحة على التبرأ منه حين كان يدير مصر في فترة انتقالية بعد الثورة، ودائمًا كان المسؤول في بيانات المجلس الأعلى طرفًا مجهولاً من داخل أو خارج البلاد.

هنالك مثلاً مباراة بين النادي الأهلى والنادي المصري البورسعيدي راح ضحيتها أكثر من 70 شابًا من مشجعي الأهلي، وفي تلك الليلة الحزينة ظهر رئيس المجلس العسكري مطالبًا المواطنبين بالتحرك لردع القتلة، وكالعادة ألقيت التبعة على كاهلي ذلك الطرف الثالث الخفي، ليفرج النظام بعفو مماثل عن اللواء محسن شتا المدير التنفيذي السابق للنادي المصري، ومن أدين بحكم محكمة الجنايات فيما عرف إعلاميًا بـ"مذبحة بورسعيد".

هل يصبح نخنوخ ذراع الأجهزة الأمنية في المرحلة القادمة؟

كما عاد نخنوخ وشتا، سبقهم رجل الأعمال الشهير المنتمي للنظام السابق هشام طلعت مصطفى في قائمة عفو مماثلة، بعدما أدين بالاشتراك في قتل المطربة سوزان تميم، لكنه الآن يباشر استثمارات بعضها بشراكة مع رجال النظام الجديد وبطريقته الجديدة.

ومن المنتظر أن تفرض الأيام القادمة على النظام حاجته لنخنوخ وأمثاله، إذ لا يزال الرجل محتفظًا على الأرجح بشبكته التي كونها منذ عهد مبارك التي كانت تدار بواسطة أمن الدولة "الأمن الوطني حاليًّا"، لذا سيكون البحث عن دور نخنوخ القادم على الأرجح في ظل الخريطة الأمنية والسياسية للنظام الجديد.

قد تكون الحاجة لنخنوخ أكثر إلحاحًا في معارك سياسية مثل تمديد فترات الترشح للرئاسة في الدستور بدلًا من فترتين فقط

وقد تكون الحاجة لنخنوخ أكثر إلحاحًا في معارك سياسية مثل تمديد فترات الترشح للرئاسة في الدستور بدلًا من فترتين فقط التي يكثر الحديث عنها في الأيام الحاليّة، أو معارك اجتماعية قادمة محتملة جراء موجات زيادة الأسعار، وتلك معارك تتطلب استبدال الاعتماد على الجيش والشرطة بالكلية لصالح "طرف ثالث" مبُهم التوجهات، حفاظًا على هيبة الجيش والشرطة.  

وتلك توقعات لا تخرج عن وقائع قال فيها السياسي المصري أبو العلا ماضي رئيس حزب الوسط: "هناك تنظيم في مصر من 300 ألف بلطجي، أنا أنقل أرقام عن رئيس الجمهورية هؤلاء هم الخطر الحقيقي"، ويضيف ماضي: "لقد سمعت هذا من الرئيس شخصيًا في آخر لقاء جمعنا، هناك تنظيم صنعته المخابرات العامة، بينهم 80 ألف في القاهرة فقط، وقد سلمته المخابرات للمباحث الجنائية التي بدورها سلمته لجهاز أمن الدولة، كان هذا التنظيم يتبع في آخر سبع سنوات قبل الثورة أمن الدولة".